الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

العيد مسؤولية الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و أصحابه المنتجبين .
قال تعالى:﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىٰ * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ 1.
الآيات تتحدث عن القيام بالمسؤولية فكانت تخاطب الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم بعد أن عرضت في بداية السورة بعض ملامح التوحيد لله سبحانه بالأمر بالتسبيح باسم الله و الحديث عن عظمة الله الدال على توحيده و أنه لا يمكن لأحد غيره أن يخلق و يرزق و يقدر و يميت و يحيي .
و بعد أن أمر المولى رسوله صلى الله عليه و آله و سلم أن يقرأ الوحي على الأمة و أن يبلغ ما أنزله الله في القرآن و حتى لا ينسى فهذه هي الذكرى التي أمر أن يذكر بها إن نفعت .
فهذه الآيات تفريع على ما تقدم من مسئوليات على النبي صلى الله عليه و آله أن يوصلها إلى الأمة و أوعده الله أنه سيقرئه الوحي فلا ينساه و تيسيره الأمور له و هذه من أهم أسباب نجاح الدعوة .
و الذكرى : اشترط فيها أن تكون نافعة ، و هذا شرط طبيعي لأن الذكرى إذا لم تكون نافعة فهي لغو و الله سبحانه منزه عن اللغو ، فنفعها لمن يخشى الله واضح لأن التذكرة بعد التذكرة تفيد المنفعة و تؤثر فيه و هو الذي يستجيب لها ، و أما الشقي فإن التذكرة بعد التذكرة ففي المرة الأولى تكون حجة عليه و أنه قد وصلت إليه الحجة و أما في المرات اللاحقة فقد أمر بالإعراض عنه لأنه سوف يتولى عن الحق و يعرض عنه كما قال تعالى :﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ 2. و لا يوجد فائدة في تذكيره .
و بعبارة أخرى : الذي يخشى الله سوف يستفيد من الموعظة و التوجيه و مما يسمعه من الوحي و يكون واعياً و ينظر بنور العقل لا بالهوى و الشهوة و الرغبات النفسية .
و أما الأشقى : الذي لا خشية في قلبه فإنه سوف يتباعد عن الموعظة و التذكرة ولم يرد إلا الحياة الدنيا و ما يرتبط بها من أمور زائلة و أوهام خيالية و عبرت عنه الآيات الذي يصلى النار الكبرى و هي جهنم فهي كبرى نسبة إلى نار الدنيا و لا تناسب و هو لا يموت فيها و لا يحيى كناية عن كونه سوف يبقى على حاله فيها لا يخرج منها لا بموت و لا غيره .

من المسئوليات

المسئوليات كثيرة و لا يمكن حصرها في هذه العجالة منها :

1ـ الهلال و الوحدة الاسلامية

يوجد هنا مسألتان :
أ ـ ثبوت الهلال أو عدم ثبوته كمسألة شرعية يرجع فيها كل إلى مذهبه و مبناه من اجتهاد أو تقليد و أن ثبوته في بلد يكفي لبقية البلدان أم أن كل بلد لا بد أن يرى فيها ؟ و هذه و إن كانت مبرئة للذمة أمام الله سبحانه من ناحية فقهية إلا أننا غير معذورين أمام المسلمين عموماً و إحساسهم بالوحدة الإسلامية في عيدهم و صومهم ، بل و أمام الناس الذين ينظرون لمظهر الإسلام و المسلمين و حسن السمعة و ما يعكس على الأمة من قوة و تماسك .
ب ـ مسألة الهلال كعنوان للوحدة بين الأمة الإسلامية : بالأخص هلال شهر شوال للعيد و هلال شهر ذي الحجة للحج ، المنظور في العيد أن يوحد الأمة و أن يكون عيداً لجميع المسلمين و كما ورد في الأدعية المخصوصة بصلاة العيد عندما يسأل الداعي و يقول ( وبحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً ) فمن اللازم أن يكون العيد لجميع المسلمين و أن يوحدهم ، و هذا لا بد أن يكون العيد شاملا للجميع و عيدهم واحد بثبوت الهلال و كون الهلال يقتنع به الجميع لا بد أن توضع له آليات لتوحيد رؤية الهلال حتى يكون الصوم موحداً و الإفطار موحداً و هذه مسئولية ذوي الشأن في مختلف البلاد الإسلامية .

2ـ العيد و المسئولية

ليس العيد مجرد لبس الثياب الجديدة و عمل أفراح الزينة و اللعب و اللهو و التي ربما يصل بعضها إلى حد المنافيات الشرعية .
العيد خروج من عبادة هي من أفضل العبادات و طاعة من أفضل الطاعات ألا و هي الصيام و يترقب الصائم أن يحضى بجائزة المولى سبحانه على هذه العبادة فإن حضي بها فيستحق أن يقال له دخل في عيد و إلا فلا .
العيد مسئولية اجتماعية ، ترابطٌ بين المجتمع ، إدخال السرور عليهم في مختلف جوانب الحياة من السلام و التزاور و التكاتف و التعاون و قضاء حوائج المؤمنين و مواساتهم في آمالهم و آلامهم ، و هذه وصية أئمتنا عليهم السلام فينا فعَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام جَمَعَ بَنِيهِ حَسَناً وَ حُسَيْناً وَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَ الْأَصَاغِرَ مِنْ وُلْدِهِ فَوَصَّاهُمْ وَ كَانَ فِي آخِرِ وَصِيَّتِهِ يَا بَنِيَّ عَاشِرُوا النَّاسَ عِشْرَةً إِنْ غِبْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ وَ إِنْ فُقِدْتُمْ بَكَوْا عَلَيْكُمْ .
يَا بُنَيَّ إِنَّ الْقُلُوبَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاحَظُ بِالْمَوَدَّةِ وَ تَتَنَاجَى بِهَا ، وَ كَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْضِ فَإِذَا أَحْبَبْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ خَيْرٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَارْجُوهُ وَ إِذَا أَبْغَضْتُمُ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ سَبَقَ مِنْهُ إِلَيْكُمْ فَاحْذَرُوهُ 3 .
يمر علينا العيد و إخواننا الفلسطينيون في خط المواجهة مع إسرائيل و هم يتساقطون بين شهيد و جريح في الدفاع عن بلادهم و مقدساتهم .
يمر علينا العيد و تصادف الذكرى السنوية لاحتلال اسرائيل لفلسطين الجريحة و إنشاء دولة إسرائيل الذي جاء بها الاستكبار العالمي و وضعها في وسط بلاد المسلمين .
يمر علينا العيد و أخوتنا في العراق تهدم عليهم المساجد و دور العبادة و يتساقطون بالعشرات بين شهيد و جريح على أيدي من يدعي الإسلام .
يمر علينا العيد و الاستكبار العالمي يسوم المسلمين سوم العذاب و يقودهم كالنعاج .

3 ـ العيد و يوم اليتيم

المسلمون يعيدون و يبتهجون و يرفلون في ملابسهم و زينتهم و بين آبائهم و أمهاتهم و شريحة من المجتمع يفقدون أعز الناس عليهم و هم آباؤهم
إن على المجتمع الصالح أن يشعر هؤلاء أنهم أبناؤه يحن عليهم كما يحن على أولاده و يواسيهم بالكلمة الطيبة و العطف و الحنان كما يواسيهم في الجانب الاقتصادي و يسد جوعتهم و حاجياتهم و يعولهم و يتكفل بهم كما قال الإمام علي عليه السلام في وصيته لأولاده و للمسلمين عموماً : ( اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ : ( مَنْ عَالَ يَتِيماً حَتَّى يَسْتَغْنِيَ أَوْجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ كَمَا أَوْجَبَ لآِكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّارَ ) .
و قال تعالى : ﴿ ... أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ 4.
و السلام عليكم و رحمة الله وبركاته .

الخطبة الثانية

قال تعالى :﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ 5 .
في هاتين الآيتين تحدث الله سبحانه و تعالى عن التزكية و هي التطهير و التنمية ، و بما أن شهر رمضان شهر الطهر و الخير و البركة فإن كان الإنسان قد استفاد من هذا الشهر و طهر نفسه و زكاها فقد أفلح و نجح و تحققت أمنياته و هنيئاً له على هذا التوفيق .
و قد ورد في بعض الروايات عن أهل بيت العصمة أن هاتين الآيتين تتحدثان عن زكاة الفطرة و صلاة العيد و هذا لا يتنافى مع ما تقدم لأنه من باب تعيين بعض المصاديق للآية .

دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام لعيد الفطر

اللَّهُمَّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَيْكَ فِي يَوْمِ فِطْرِنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِيداً وَ سُرُوراً ، وَ لِأَهْلِ مِلَّتِكَ مَجْمَعاً وَ مُحْتَشَداً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْنَاهُ ، أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْنَاهُ ، أَوْ خَاطِرِ شَرٍّ أَضْمَرْنَاهُ ، تَوْبَةَ مَنْ‏ لَا يَنْطَوِي عَلَى رُجُوعٍ إِلَى ذَنْبٍ ، وَ لَا يَعُودُ بَعْدَهَا فِي خَطِيئَةٍ ، تَوْبَةً نَصُوحاً خَلَصَتْ مِنَ الشَّكِّ وَ الِارْتِيَابِ ، فَتَقَبَّلْهَا مِنَّا ، وَ ارْضَ عَنَّا ، وَ ثَبِّتْنَا عَلَيْهَا .
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا خَوْفَ عِقَابِ الْوَعِيدِ ، وَ شَوْقَ ثَوَابِ الْمَوْعُودِ حَتَّى نَجِدَ لَذَّةَ مَا نَدْعُوكَ بِهِ ، وَ كَأْبَةَ مَا نَسْتَجِيرُكَ مِنْهُ .
وَ اجْعَلْنَا عِنْدَكَ مِنَ التَّوَّابِينَ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ ، وَ قَبِلْتَ مِنْهُمْ مُرَاجَعَةَ طَاعَتِكَ ، يَا أَعْدَلَ الْعَادِلِينَ .
اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنْ آبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا وَ أَهْلِ دِينِنَا جَمِيعاً مَنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَ مَنْ غَبَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّنَا وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى أَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ ، وَ صَلِّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ، وَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، صَلَاةً تَبْلُغُنَا بَرَكَتُهَا ، وَ يَنَالُنَا نَفْعُهَا ، وَ يُسْتَجَابُ لَهَا دُعَاؤُنَا ، إِنَّكَ أَكْرَمُ مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ ، وَ أَكْفَى مَنْ تُوُكِّلَ عَلَيْهِ ، وَ أَعْطَى مَنْ سُئِلَ مِنْ فَضْلِهِ ، وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ 6 .
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 7 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا