الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

هل للقرآن من مصادر ؟

سؤال أثارته شاكلة المستشرقين الأجانب ، لكنَّه رَجْعُ قولٍ قد قاله رجال من قبلهم: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ 1

الوحي مصدر القرآن الوحيد

قال تعالى : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى 2 .
كانت الدلائل على أنّ القرآن كلّه ـ بلفظه و نظمه و محتواه جميعاً ـ كلام ربّ العالمين ، وافرة و ظافرة ، و قد تكفّل عَرْضَها مَباحثُ الإعجاز القرآني باستيفاءٍ و إحكام . 3 كما و أصبحت سفاسف المعاكسين لذلك الاتّجاه الناصع هباءاً منثوراً تذروه عواصف الرياح .
و الآن ، فلنشهد تجوالهم الحديث في هذا الميدان الرهيب :
و ليعلم أنّ عمدة مستند القول باستيحاء القرآن تعاليمه الدينية من زُبُر الأوّلين هو تواجد التوافق ـ نسبياً ـ بين شريعة الإسلام و شرائع سالفة .
لكن هذا لا يجدي نفعاً بعد اعترافنا بوحدة أصول الشرائع و أنها جميعاً مستقاة من عينٍ واحدة : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ... 4 .
هذا فضلاً عن وجود التخالف الفاحش بين أكدار أحاطت بتلك الكتب على أثر التحريف ، و قداسة زاكية حُظي بها القرآن الكريم ، و لا يزال مصوناً في حراسته تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 5 .
هذا إجمال الكلام في ذلك وَ لْنَخُضْ في تفصيل الحديث :
كتب الكثير من الكتّاب المستشرقين عن نبيّ الإسلام و القرآن حسب أساليبهم في التحقيق عن سائر الأديان ، حيث لا يرون لها صلة بوحي السماء . فكان من الطبيعي في عرفهم أن يلتمسوا من هنا و هناك مصادر غذّت تلكمُ الشرائع في طول التأريخ .
و حتّى مَن تظاهر منهم بالمسيحيّة يعتنقونها شكليّاً و ليس عن صدق عقيدة .
غير أنّ المسيحيّة ـ و لو شكليّاً ـ كانت من الدوافع الحافزة للبغي على الإسلام و للنظر إليه نظرة سوء . و هذا ما يسمّى بالإستشراق الديني الذي قام به أبناء الفاتيكان ، كان أوّل روّاده من رجال الكنيسة و علماء اللاّهوت حيث ظلّوا المشرفين على هذه الحركة و المسيّرين لها طوال القرنين الأخيرين . و كان الهدف من ذلك :
1 ـ الطعن في الإسلام و تشويه حقائقه .
2 ـ حماية النصارى من خطر الإسلام بالحيلولة بينهم و بين رؤية حقائقه الناصعة و آياته البيّنة اللاّئحة .
3 ـ محاولة تنصير المسلمين ، و لا أقلّ من تضعيف العقيدة في نفوسهم .
أضف إلى ذلك دوافع استعماريّة : ثقافيّة و سياسيّة و تجاريّة تحول دون خلوص مهنة الإستشراق ( استطلاع تاريخ الثقافة الشرقية بسلام ) و من ثَمَّ فقد اُسيء بهم الظنّ في كثير ما يبدونه من نظر .
جاء في قصّة الحضارة : و كان في بلاد العرب كثيرون من المسيحيّين و كان منهم عدد قليل في مكّة ، و كان محمّد على صلةٍ وثيقةٍ بواحدٍ منهم على الأقل هو ورقة بن نوفل ابن عمّ خديجة ، الذي كان مطّلعاً على كتب اليهود و المسيحيّين المقدّسة . و كثيراً مّا كان محمد يزور المدينة التي مات فيها والده عبد الله . و لعلّه قد التقى هناك ببعض اليهود و كانوا كثيرين فيها . و تدلّ كثير من آيات القرآن على إعجابه بأخلاق المسيحيّين ، و بما في دين اليهود من نزعةٍ إلى التوحيد ، و بما عاد على المسيحية و اليهودية من قوّة كبيرة لأنّ لكلتيهما كتاباً مقدّساً تُعتَقد أنه موحى من عند الله .
قال : و لعلّه قد بدا له أن ما يسود جزيرة العرب من شركٍ ، و من عبادةٍ للأوثان ، و من فساد خُلقي ، و من حروب بين القبائل و تفكّك سياسي ، نقول : لعلّه قد بدا له أنّ حالَ بلاد العرب إذا قورنت بما تأمر به المسيحية و اليهودية حالٌ بدائية لا تشرف ساكنيها . و لهذا أحسّ بالحاجة إلى دينٍ جديد . و لعلّه أحسّ بالحاجة إلى دينٍ يؤلّف بين هذه الجماعات المتباغضة المتعادية و يخلق منها أمّةً قويةً سليمة ، دين يسموا بأخلاقهم عمّا ألفه البدو من شريعة العنف و الانتقام ، و لكنّه قائم على أوامر منزلة لا ينازع فيها إنسان . و لعلّ هذه الأفكار نفسها قد طافت بعقل غيره من الناس . فنحن نسمع عن قيام عدد من المتنبئين في بلاد العرب في بداية القرن السابع ، و قد تأثر كثير من العرب بعقيدة المسيح المنتظر التي يؤمن بها اليهود . و كان هؤلاء أيضاً ينتظرون بفارغ الصبر مجيء رسولٍ من عند الله. و كانت في البلاد شيعة من العرب تُدعى بالحنفيّة أبت أن تقرّ بالاُلوهية لأصنام الكعبة ، و قامت تنادي بإلهٍ واحد يجب أن يكون البشر جميعاً عبيداً له و أن يعبدوه راضين ( هم : ورقة بن نوفل ، و عبيد الله بن جحش ، و عثمان بن الحويرث ، و زيد بن عمرو بن نفيل ) . كانوا قد أيقنوا أنّ ما هم عليه من الوثنية ليس بشيء ، فتفرّقوا في البلاد يلتمسون الحنيفيّة دين إبراهيم ( عليه السَّلام ) ...
و كان محمّد ـ كما كان كلّ داعٍ ناجح في دعوته ـ الناطقَ بلسان أهل زمانه و المعبّر عن حاجاتهم و آمالهم ... . 6
و يقول الأسقف يوسف درّة الحدّاد 7 : استفاد القرآن من مصادر شتّى أهمّها الكتاب المقدّس و لا سيّما كتاب موسى ، و ذلك بشهادة القرآن ذاته : ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى 8 .
﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى 9 .
﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ 10 .
قال : فآية محمّد الأولى هي مطابقة قرآنه للكتب السابقة عليه . و آيته الثانية استشهاده بعلماء بني إسرائيل و شهادتهم له بصحّة هذه المطابقة . و لكن ما الصلة بين القرآن و كونه في زُبُر الأوّلين ؟! هذا هو سرّ محمّد ! فيكون من ثَمَّ أنّه نزل في زُبُر الأوّلين بلغةٍ أعجميّة يجهلونها ، ثُمَّ وَصَلَ إلى مُحمّد بواسطة علماء بني إسرائيل ، فأنذر به محمّد بِلسانٍ عربيٍّ مُبين .
فأصل القرآن منزل في زُبُر الأوّلين ، و هذا يُوحي بصلة القرآن بمصدره الكتابي زُبُر الأوّلين ، أي صحفهم و كتبهم .
و أيضاً فإنّ شهادة علماء أهل الكتاب بصحّة ما في القرآن لم تكن إلاّ لأنهم كانوا شركاء هذا الوحي المولود . ذلك لأنّ الوحي التنزيلي أمر شخصي لا يعرفه غير صاحب فحسب .
و الآية : ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا ... 11 فيها صراحة بأنّه تتلمذ لدى كتاب موسى و جعله في قالب لسان العرب ، الأمر الذي يجعل من القرآن نسخة عربيّة مترجمة عن الكتاب الإمام .
﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... 12 . التفصيل هنا يعني النقل من الأصل الأعجمي إلى العربي . فالقرآن موحى ، و التفصيل العربي للكتاب منزّل ، لأنّ الأصل وحي منزّل ... . 13
و على هذا الغِرار جرى كلٌّ من " تسدال " و " ماسيه " و " أندريه " و " لامنز " و " جولد تسيهر" و " نولديكه " إلى أنّ القرآن استفاد كثيراً من زُبُر الأوّلين ، و حجّتهم في ذلك محضر التشابه بين تعاليم القرآن و سائر الصحف . فالقصص و الحِكم في القرآن هي التي جاءت في كتب اليهود ، و كذا قضايا جاءت في الأناجيل و حتّى في تعاليم زرادشت و البرهمية في مثل حديث المعراج و نعيم الآخرة و الجحيم و الصراط و الافتتاح بالبسملة و الصلوات الخمس و أمثالها من طقوس عبادية ، و كذا مسألة شهادة كلّ نبيّ بالآتي بعده ، كلّها مأخوذة من كتب سالفة كانت معهودة لدى العرب .
زعموا أنّ القرآن صورة تلمودية وصلت إلى نبيّ الإسلام عن طريق علماء اليهود و سائر أهل الكتاب ممّن كانت لهم صلة قريبة بجزيرة العرب ، فكان محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يلتقي بهم قبل أن يُعلن نبوّته ، و يأخذ منهم الكثير من اُصول الشريعة .
يقول " وِل ديورانت " : و جديرٌ بالذكر أنّ الشريعة الإسلاميّة لها شبه بشريعة اليهود ... ثمّ جعل يسرد قضايا مشتركة بين القرآن و العهدين و يعدّ منها مسألة التوحيد و النبوّة و الإيمان و الإنابة و يوم الحساب و الجنّة و النار ، زاعماً أنّها من تأثير اليهوديّة على دين الإسلام . و كذا كلمة التوحيد ( لا إله إلاّ الله ) مأخوذة من كلمة إسرائيلية : ألا فاسمع يا إسرائيل وحدك . و البسملة مأخوذة أيضاً من تلمود . و لفظة " الرحمان " معرّبة من " رحمانا " العبريّة ... إلى غيرها من تعابير جاءت في الإسلام منحدرة عن أصل يهودي . الأمر الذي جعل البعض يتصوّر أنّ محمّداً كان عارفاً بمصادر يهودية و كانت هي مستقاه في تأليف القرآن ... . 14

شرائع إبراهيمية منحدرة عن أصل واحد

نحن المسلمين نعتقد في الشرائع الإلهية أجمع أنها منحدرة عن أصل واحد و منبعثة من منهل عذب فارد ، تهدف جميعا إلى كلمة التوحيد و توحيد الكلمة . والإخلاص في العمل الصالح و التحلي بمكارم الأخلاق ، من غير اختلاف في الجذور ولا في الفروع المتصاعدة . ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... 15 .
إذن فالدين واحد و الشريعة واحدة و الأحكام و التكاليف تهدف إلى غرض واحد و هو كمال الإنسان ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ... 16 يعني آن الدين كله ـ من آدم فإلى الخاتم ـ هو الإسلام أي التسليم لله و الإخلاص في عبادته محضا . ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 17 . الإسلام هو الدين الشامل ، فمن حاد عنه فقد حاد عن الجادة الوسطي و ضل الطريق في نهاية المسير . و هكذا تأدب المسلمون بالإيمان بجميع الأنبياء من غير ما فارق . ﴿ قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 18 .
و هذا منطق القرآن يدعو إلي كلمة التوحيد و توحيد الكلمة ، وأن لا تفرقة بين الأديان ما دام التسليم لله رب العالمين ، و بذلك يكون الاهتداء و الاتحاد ، و في غيره الضلال و الشقاق ، ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ... 19 .
و في ذلك رد و تشنيع بشأن اليهود و النصارى ، أولئك الذين يدعون إلى الحياد و الانحياز ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ ... 20 . أي قالت اليهود كونوا منحازين علي اليهودية لا غيرها حتى تهتدوا ! و قالت النصارى كونوا حيادا علي النصرانية لا غيرها حتى تهتدوا !
و القرآن يرد عليهم جميعا و يدعو إلي الالتفاف حول الحنيفية الإبراهيمية : ﴿ ... قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 20 . ﴿ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ 21 .
نعم ، صبغة الله شاملة و كافلة للإسعاد بالبشرية جمعاء ، الأمر الذي يعتنقه المسلمون أجمع ، و الحمد لله .

وحدة المنشأ هو السبب للتوافق على المنهج

و بعد ، فإن ائتلاف الأديان السماوية و اتحاد كلمتها لابد أن يكون عن سبب معقول ، و هذا يحتمل أحد وجوه ثلاثة :
1 ـ أما لوحدة المنشأ ، حيث الجميع منبعث من أصل واحد ، فكان التشابه في الفروع المتصاعدة طبيعيا .
2 ـ أو لأن البعض متخذ من البعض فكان التشاكل نتيجة ذاك التبادل يداً بيد .
3 ـ أو جاء التماثل عن مصادفة اتفاقية و ليس عن علة حكمية .
و لا شك أن الأخير مرفوض بهد مضادة الصدفة مع الحكمة الساطية في عالم التدبير .
بقي الوجهان الأولان ، فلنتساءل القوم : ما بالهم تغافلوا عن الوجه الأول الرصين و تواكبوا جميعا على الوجه الهجين ؟! إن هذا لشيء مريب !
هذا ، و الشواهد متظافرة تدعم الشقة الاُولى لتهدم الاُخرى من أساس :
أولا : صراحة القرآن نفسه بأنه موحى إلى نبي الإسلام وحيا مباشريّاً نزل عليه ليكون للعالمين نذيرا ، فكيف الاستشهاد بالقرآن لإثبات خلافه !؟ إن هذا إلا تناقض في الفهم و اجتهاد في مقابلة النص الصريح !
ثانيا : معارف فخيمة قدمها القرآن إلي البشرية ، بحثا وراء فلسفة الوجود و معرفة الإنسان ذاته ، لم يكد يدانيها أية فكرة عن الحياة كانت البشرية قد وصل إليها لحد ذاك العهد ، فكيف بالهزائل الممسوخة التي شحنت بها كتب العهدين ؟!
ثالثا : تعاليم راقية عرضها القرآن لا تتجانس مع ضئالة الأساطير المسطرة في كتب العهدين ، و هل يكون ذاك الرفيع مستقي من هذا الوضيع ؟!
إلي غيرها من دلائل سوف يوافيك تفصيلها .

القرآن يشهد بأنه موحى

و أما إن كنا نستنطق القرآن فإنه يشهد بكونه موحى إلى نبي الإسلام محمد ( صلى الله عليه و آله ) كما أوحى إلى النبيين من قبله : ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا 22 .
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ... 23 .
و الآيات بهذا الشأن كثيرة ، ناطقة صريحا بكون القرآن موحى ألى نبي الإسلام وحيا مباشريّاً لينذر قومه و من بلغ كافة .
أما أنه ( صلى الله عليه و آله ) تلقاء ( التقطه ) من كتب السالفين و تعلمه من علماء بني إسرائيل فهذا شيء غريب يأباه نسج القرآن الحكيم .

القرآن في زبر الأولين

و أما ما تذرع به صاحبنا الاسقف درة فملامح الوهن عليه بادية بوضوح :
قوله تعالى : ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى 8 .
هذا إشارة إلي نصائح تقدمت الآية ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 24 . و ذلك تأكيد على أن ما جاء به محمد ( صلى الله عليه و آله ) لم يكن بدعا مما جاء به سائر الرسل ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ ... 25 . فليس الذي جاء به نبي الإسلام جديدا لا سابقة له في رسالات الله ، الأمر الذي يستدعيه طبيعة وحي السماء العالم و في كل الأدوار من آدم فإلى الخاتم . فإن شريعة الله واحدة لا يختلف بعضها عن بعض . فالإشارة راجعة إلي محتويات الكتاب توالى نزولها حسب توالي بعثة الأنبياء . فالنصائح و الإشادات تكررت مع تكرر الأجيال . هذا ما تعنيه الآية لا ما زعمه صاحبنا الأسقف !
و هكذا قوله تعالى : ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى 26 .
يعود الضمير إلي من وقف وجه الدعوة مستهزئا بأن سوف يتحمل آثام الآخرين إن لم يؤمنوا بهذا الحديث . فيرد عليهم القرآن : ألم يبلغهم أن كل إنسان سوف يكافأ حسب علمه و لاتزر وازرةٌ وِزر اُخرى ؟ فإن لم يعيروا القرآن اهتماما فليعيروا اهتمامهم لما جاء في الصحف الأولى ، و هلا بلغهم ذلك و قد شاع و ذاع خبره منذ حين ؟! و هكذا سائر الآيات تروم هذا المعني لاغير !
﴿ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ 27
و آية اخرى على صدق الدعوة المحمدية : أن الراسخين في العلم من أهل الكتاب يشهدون بصدقها مما عرفوا من الحق :
﴿ لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ... 28 ( أي من أهل الكتاب ) ﴿ ... وَالْمُؤْمِنُونَ ... 28 ( أي من أهل الإسلام ) ﴿ ... يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ... 28 .
﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ 29 . و هؤلاء هم القساوسة و الرهبان الذين لا يستكبرون ، ومن ثم فهم خاضعون للحق أين وجدوه ، و بالفعل فقد وجدوه في حظيرة الإسلام .
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ ... 30 ( أيّها الكافرون بالقرآن ) ﴿ ... وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ ... 30 ( ممّن آمن برسالة الإسلام ) ﴿ ... عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ... 30.
الضمير في قوله ﴿ ... عَلَى مِثْلِهِ ... 30 يعود إلى القرآن . يعني أن من علماء بني إسرائيل من يشهد بأن تعاليم القرآن تماما مثل تعاليم التوراة التي أنزلها الله على موسى ، و لذا آمن به لما قد لمس فيه من الحق المتطابق مع شريعة الله في الغابرين .
و كثير من علماء أهل الكتاب آمنوا بصدق رسالة الاسلام فور بلوغ الدعوة اليهم ، حيث وجدوا ضالتهم المنشودة في القرآن فآمنوا به . فكانت شهادة علمية إلى جنب تصرحهم بذلك علنا على الملأ من بني إسرائيل .
و هذا هو معني شهادة علماء بني إسرائيل بصدق الدعوة ، حيث وجدوها متطابقة مع معايير الحق الذي عندهم . لا ما حسبه صاحبنا الأسقف بعد أربعة عشر قرنا أنه مقتبس من كتبهم و متلقى من أفواههم هم !! الأمر الذي لم يقله أولئك الأنجاب و قد أنصفوا الحق الصريح ! ﴿ ... وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ... 31 . ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ ... 32 .
و هذه المعرفة ناشئة عن لمس الحقيقة في الدعوة ذاتها وفقاً لمعايير وافتهم علي أيدي الرسل من قبل . و قد لمسها أمثال صاحبنا الاُسقف اليوم أيضا و لكن ﴿ 33 .كالذين من قبلهم ﴿ ... فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ 34 . ممن حاول إخفاء الحقيقة ـ قديما و حديثا ـ فضلّوا و أضلّوا و ما كانوا مهتدين . 35