الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

دية المراة على النصف!

نص الشبهة: 

لماذا دية المرأة على النصف؟!

الجواب: 

وإذ قد عرفنا موضع كلّ مِن الرجل والمرأة في الحياة العائليّة وِفق ما رَسَمها الإسلام، نعرف مَبلغ الخسارة التي تتحمّلُها على أَثر فِقدان عضوها من ذكرٍ أو أُنثى، إنّها إذا افتقدت أنثى فقد خَسِرتْ كافِلةَ العائلة ومربِّيتَها التي تفيض عليها بالعطف والحَنان وفي رِفقٍ ومُداراةٍ، أمّا إذا افتقدت ذكراً فقد خَسِرت حاميها وكافلَ مؤونتِها، وخَسِرت أضعافَ ما خَسِرت عند فِقدان أُنثى.

والدية جُبران للخَسارة إلى حدٍّ ممكن ومعقول، ومِن ثَمّ تحاسب على قَدَر ما خَسِره المُجنى عليه عرفيّاً، وقد قدّره الشارع الحكيم بمقادير هو أعلم بتكافئها مع مقادير الخسارة الواردة، فليس هناك تفضيل وإنّما هو تدبير إلهٍ حكيم.
والمَزعومة في حديث المواريث جَرَت هنا أيضاً وهي كأُختها مرفوضة ولا سيّما على وجه التنبيه الأخير.
والغريب ـ هنا ـ ما شذَّ عن بعض المُعاصرينَ مِن القول بتساوي دية المرأة مع الرجلِ إطلاقاً، سواء كان في النفس أو الطَّرف ؛ نظراً لإطلاق أدلّة الدية وعدم دليل معتبر على التفريق فيما حَسب، وهكذا زَعْمُ التساوي في القِصاص من غير ردّ التفاضل 1، وهو خلاف إجماع الفقهاء عامّتهم وخاصّتهم:
قال ابن رُشْد الأندلسي: واتّفقوا على أنّ دية المرأة نصفُ دية الرجل في النفس، واختلفوا في الشِّجاج وأعضائها، فقال جمهور فقهاء المدينة: تساوي المرأة الرجل في عقلها والشِّجَاج والأعضاء إلى أنْ تبلغ ثُلُث الدية، فإذا بلغت ثُلُث الدية عادت ديتُها إلى النصف مِن دية الرجل، أعني دية أعضائها مِن أعضائه. ومِثال ذلك أنّ في كلّ إصبعٍ مِن أصابعها عشراً مِن الإبل، وفي اثنين منها عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي أربعة عشرون.
وقال بعض الفقهاء: على النصف مطلقاً قياساً، وسأل ربيعة بن أبي عبد الرحمان ـ المعروف بربيعة الرأي ـ سعيد بن المُسيّب: كم في أربعٍ مِن أصابعها ؟ قال: عشرون، قال ربيعة: قلت: حين عَظُم جُرحُها واشتدّت بليّتُها نَقَص عقلُها (أي ديتها) ! قال سعيد: أَعراقيٌّ أنت ؟ (حيث تقيس) قلت: بل عالِم متثبِّت أو جاهِل متعلِّم، فقال سعيد: هي السُنّة 2.
رَوَوْا عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أنّ دية المرأة على النصف من دية الرجل).
ورَوَوا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (المرأة تُعاقِل الرجل إلى ثُلُث الدية) 3.
قال عَميد الطائفة الشيخ المفيد أبو عبد اللّه مُحمّد بن مُحمّد بن النعمان: والمرأة تُساوي الرجل في دِيات الأعضاء والجوارح حتّى تَبلغ ثُلُث الدية، فإذا بلغته رجعت إلى النصف من دِيات الرجال، مثال ذلك: أنّ في إصبعِ الرَّجُل إذا قُطعت عشراً من الإبل، وكذلك في إصبع المرأة سواء، وفي الإصبعين منهما عشرون، وفي ثلاث أصابع منهما ثلاثون، وفي أربع أصابع الرجل أربعون من الإبل، وفي المرأة عشرون ؛ لأنّها زادت على الثُلُث فرجعت بعد الزيادة إلى أصل دية المرأة ـ وهي النصف من دِيات الرجال ـ ثُمّ على الحساب كلّما زادت أصابِعُها وجوارحها وأعضاؤها على الثُلُث رجعت إلى النصف... قال:
وبذلك ثَبَتت السُنّة عن نبيّ الهدى (صلّى اللّه عليه وآله) وبه تواترت الأخبار عن الأئمة مِن آله (عليهم السلام) 4.
وبذلك صرّحت صحيحة أبان عن الصادق (عليه السلام) وقد أجاب الإمام في دفع استغراب أبان ما أجابَ سعيد بن المسيّب لربيعة الرأي، قال (عليه السلام): (يا أبان، إنّك أخذتني بالقياس، والسُنّة إذا قِيست مُحِق الدِّين) 5.
وقال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي: دية المرأة نصف دية الرجل، وبه قال جميع الفقهاء، وقال ابن عليّة والأصم ـ مِن العامّة ـ: هما سواء في الدية، قال: دليلنا إجماع الفِرقة. وأيضاً رُوي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ذلك، وروى معاذ نحوَ هذا عن رسول اللّه، وهو إجماع الأُمّة، وروى ذلك عن عليّ عليه الصلاة والسلام.
قال: المرأة تُعاقل الرجل إلى ثُلُث ديتها في الأَرُوش المُقدَّرة، فإذا بلغته فعلى النصف... قال: دليلنا إجماع الفِرقة وأخبارهم. وفسّر السُنّة في كلام سعيد بسُنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وإجماع الصحابة والتابعين 6.
وقال السيّد العاملي: وإجماعنا محصّل ومحكّي في كلام جماعة، وفي الرياض: أنّ حكايتَه مستفيضة حدّ الاستفاضة مضافاً إلى الصِّحاح المستفيضة وغيرها مِن المُعتَبَرة التي كادت تكون مُتواترةً، ولم يُنقل الخلاف عن أحدٍ مِن علماء المسلمين سِوى ما عن ابن عليّة والأصمّ على ما حكاه الشيخ 7.
أمّا الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فبالغة حدّ التواتر وفيها الصِّحاح وذوات الاعتبار على حدّ الاستفاضة كما ذكره السيّد الطباطبائي صاحب الرياض.
روى محمّد بن يعقوب الكُليني بإسناده الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ودية المرأة نصف دية الرجل) 8.
وأيضاً بإسناده الصحيح عنه (عليه السلام) في رجلٍ قَتَل امرأةً متعمِّداً، قال: (إنْ شاء أهلُها أنْ يَقتُلوه ويؤَدُّوا إلى أهلِه نصفَ الدية، وإنْ شاءوا أخذوا نصفَ الدية: خمسة آلاف درهم) 9.
وفي الصحيح أيضاً: سُئل عن رجلٍ قتل امرأةً خطأً، قال: (عليه الدية خمسة آلاف درهم) 10.
وروى الشيخ بإسنادٍ صحيح عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في الرجل يَقتل المرأة، قال: (إنْ شاءَ أولياؤُها قَتَلوه وغَرِموا خمسةَ آلاف درهم لأولياء المقتول، وإن شاءوا أخذوا خمسة آلاف درهم من القاتل) 11.
وأَورَد الحرّ العاملي في الباب 5 من أبواب الديات 12 والباب 33 من أبواب القِصاص في النفس 13 أحاديث متضافرة جلّها صِحاح في أنّ دية المرأة نصفُ دية الرجل سواء في الخطأ أو العَمْد، وكذلك في ردِّ التفاضل إذا كان القاتل رجلاً.
وأورد في الباب 44 من أبواب دِيات الأعضاء 14 والباب 3 من أبواب دِيات الشِّجَاج والجِراحات 15 أنّ المرأة تُعاقل الرجل إلى أن تبلغ ثُلُث الدية فإذا جاوزت الثُلُث رجعت إلى النصف، حديثٌ متضافر بل متواتر.
وعليه، فلا مجال للتشكيك في المسألة من الناحية الفقهيّة حَسَب ضوابط الأُصول 16.

  • 1. منتخب الأحكام ليوسف الصانعي: 249، م 797.
  • 2. بداية المجتهد لابن رُشد: 2 / 460.
  • 3. الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري: 5 / 371.
  • 4. المقنعة للمفيد: 764، و وسائل الشيعة: 29 / 353.
  • 5. وسائل الشيعة: 29 / 352، باب 44 من أبواب دِيات الأعضاء.
  • 6. كتاب الخلاف للطوسي: 2 / 390 ـ 391، مسألة 63 و64.
  • 7. مفتاح الكرامة للسيّد العالمي: 10 / 368.
  • 8. الكافي: 7 / 298، رقم 1، و وسائل الشيعة: 29 / 205، باب 5 من أبواب الديات.
  • 9. الكافي، ص299، رقم 4.
  • 10. المصدر: رقم 5.
  • 11. تهذيب الأحكام للطوسي: 10 / 182، رقم 713.
  • 12. وسائل الشيعة: 29 / 205 ـ 206 وفيه أربعة أحاديث، ط آل البيت.
  • 13. المصدر: 80 ـ 87 وفيه 21 حديثاً.
  • 14. المصدر: 352 ـ 353 وفيه ثلاثة أحاديث.
  • 15. المصدر: 383 ـ 384 وفيه حديثان.
  • 16. شُبُهَات و ردود حول القرآن الكريم، تأليف: الأُستاذ محمّد هادي معرفة، تحقيق: مؤسّسة التمهيد ـ قم المقدّسة، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة ص 130 ـ 132.