|
سلمان ابن الإسلام
كان الوقت ضحى
، و قد جلس بعض المسلمين في مسجد النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
ينتظرون أذان الصلاة ليؤدوا فريضة الظهر .
دخل " سلمان "
المسجد و سلّم على إخوانه من المؤمنين .
أرادوا أن
يعرفوا نسب هذا الرجل الفارسي ، فتحدّثوا مع بعضهم البعض بصوت يسمعه "
سلمان " .
قال أحدهم أنا
من قبيلة تميم .
و قال آخر أنا
من قريش .
و قال ثالث :
أما أنا فمن الأوس . . و هكذا .
ظلّ سلمان
ساكتاً ، فأرادوا يعرفوا نسبه ، فقالوا :
ـ و أنت يا
سلمان ، ما هو نسبك و حسبك ؟
أجاب ليعلمهم
معنى الإيمان :
أنا ابن
الإسلام . .
كنتُ ضالاً
فهداني الله بمحمّد .
و كنت فقيراً
فأغناني الله بمحمّد .
و كنت مملوكاً
فاعتقني الله بمحمّد .
فهذا حسبي و
نسبي .
سكت الرجال و
قد تعلّموا درساً من دروس الإيمان و الإسلام .
من هو
سلمان ؟
و لكن حقّاً ،
من هو سلمان الفارسي ؟ و ما هي قصة إيمانه بالإسلام ؟
كان اسمه "
روزبه " أي " سعيد " . ولد في قرية من قرى مدينة اصفهان .

كان أبوه رئيس
القرية و كان رجلاً ثريّاً ، و في ذلك الوقت كان أهل فارس يعبدون النار
لأنّها رمز النور .
فالنار مقدسة
عندهم ، لهذا كانت عندهم معابد توقد فيها النار لتبقى مشتعلة دائماً ، و
هناك رجال مقدّسون يتولّون المحافظة على اشتعالها ليل نهار .
عندما كبر "
روزبه " و أصبح فتى أراد أبوه أن يكون له شأن ، فعهد إليه أن يتولّى المعبد
و يحافظ على اشتعال النار .
فكّر روزبه في
شأن النار ، فأبى ذهنه المتوقد أن تكون النار إلهاً : لأن الإنسان هو الذي
يتولّى رعايتها حتى لا تنطفئ .
و ذات يوم خرج
الفتى يتجوّل في المروج البعيدة .
شاهد من بعيد
بناءً جميلاً فقصده ، و كان البناء كنيسة بناها الرهبان لعبادة الله .
و كانت
النصرانية في ذلك الزمان هي دين الله الحقّ .
تحدّث الفتى
مع الرهبان ، و دخل قلبه حبّ الدين الإلهي ، فسأل عنه ، فقالوا : أصله من
بلاد الشام .
الهجرة
قرّر روزبه
الهجرة الى الشام فانتظر عودة إحدى القوافل .
وافق تجّار
القافلة اصطحابه الى بلادهم . و عندما وصلها راح يبحث عن دين الله فدلّوه
على كنيسة كبيرة .
حلّ الفتى
ضيفاً على الأسقف و عاش معه يتعلّم منه أصول الدين و مكارم الأخلاق و
تعاليم الإنجيل .
و بعد مدّة
مات الأسقف ، فهاجر روزبه الى مدينة الموصل و عاش في إحدى كنائسها ، ثم
انتقل الى مدينة اُخرى هي " نصيبين " ثم الى مدينة " عمّورية " .
و في عمّورية
عاش روزبه فترة من الزمن ، و كان أسقفها رجلاً صالحاً ، فقال لروزبه قبل أن
يموت :
ـ انّ الله
سيبعث نبياً في هذا الزمان يأتي بدين إبراهيم الخليل ، و انّه سيهاجر إلى
أرض فيها نخيل كثير .
سأل روزبه :
ـ و ما هي
علاماته ؟
ـ من علاماته
انّه يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة و بين كتفيه خاتم النبوّة .
مات الأسقف
الطيب و بقي روزبه وحيداً .
فكّر أن يهاجر
إلى جزيرة العرب .
و ذات يوم
مرّت قافلة تريد العودة إلى الحجاز ، فعرض عليهم كلّ ما يملك لقاء السفر
معهم إلى مكّة .

و لكن التّجار
لم يكتفوا بما أخذوه من أموال فصادروا حرّيته و باعوه إلى أحد اليهود كرقيق
.
تألّم روزبه
لهذا الغدر و لكنه صبر ، و راح يعمل باخلاص في بستان الرجل اليهودي .
و تمرّ الأيام
، و ذات صباح جاء من يهود بني قريظة لزيارة ابن عمه ، فرأى روزبه و انهماكه
في العمل فقال لابن عمه :
ـ ارجو أن
تبيعني هذا العبد .
فرح " روزبه "
لأن بني قريظة يسكنون في مدينة يثرب المليئة بأشجار النخيل ، و هي المدينة
التي قال أسقف " عمّورية " أن النبي الموعود سيهاجر اليها .
كان روزبه
يعدّ الأيام مترقّباً ظهور النبي .
و ذات يوم و
بينما كان يعمل في البستان سمع سيّده يتحدّث إلى أحد أصدقائه :
ـ لقد وصل
محمّد منطقة " قبا " و قد استقبله بعض أهل يثرب هناك .
و شعر " روزبه
" بالفرحة فقد حانت اللحظة التي كان ينتظرها منذ أعوام طويلة .
انتظر إلى
المساء ، و عندما حلّ الظلام تسلل " روزبه " بعد أن أخذ معه كمية من التمر
.
كانت المسافة
بين " يثرب " و " قبا " تبلغ ميلين قطعهما " روزبه " بسرعة . و عندما وصل
إلى " قبا " دخل على سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و قال :
ـ سمعت بأنّك
رجل صالح و معك أصحاب غرباء فأحضرت لكم هذا التمر صدقة .
وزّع سيّدنا
محمّد التمر على أصحابه و لم يأكل منه .
قال روزبه في
نفسه :
ـ هذه العلامة
الاُولى .
و في اليوم
التالي جاء مرّة اُخرى و معه كمية اُخرى من التمر أيضاً و قال لسيّدنا
محمّد :
ـ هذه هدية .
تناول النبيّ
التمر شاكراً و وزّعه على أصحابه و أكل منه .
فقال روزبه في
نفسه :
ـ و هذه
العلامة الثانية .
هكذا تأكّد "
روزبه " ان هذا هو النبي الموعود فعانقه و أعلن إسلامه فسمّاه سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
" سلمان " .
الحرية
جاء الإسلام
ليحرّر البشر من عبادة غير الله عزّ و جلّ ، فلقد وهب الله الإنسان نعمة
الحرّية ، لهذا قال سيّدنا محمّد لأصحابه :
ـ أعينوا
أخاكم سلمان على فكاك رقبته .
كان الرجل
اليهودي قد اشترط على سلمان أن يغرس له ثلاثمائة نخلة .
جمع له إخوانه
فسائل النخل ، و قام سيدنا محمد بغرسها فعاشت جميعاً .
و هكذا أنعم
الله على سلمان بنعمة الحرية فعاش سعيداً مع سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
الدفاع عن
المدينة
في شهر رمضان
من العام الخامس للهجرة سمع المسلمون عن نيّة المشركين بغزو المدينة .
كان اليهود
يخططون لذلك ، فقاموا بتحريض قريش و القبائل العربية على غزو المدينة و
القضاء على الإسلام .
تمكّن اليهود
من تحشيد عشرة آلاف مقاتل و أنفقوا من أجل ذلك مبالغ طائلة .
كان سيّدنا
محمّد يستشير أصحابه في مواجهة المشاكل التي تعترض المسلمين .
اجتمع
المسلمون في مسجد النبي
( صلى الله عليه و آله )
للتشاور .
كان الغزو
الجديد يحمل أخطاراً كبيرة ، فالمسلمون لا يملكون العدد الكافي لمواجهة
الأعداء ، و القوّات الإسلامية لا تتجاوز الألف مقاتل فقط ، بينما الغزاة
عشرة آلاف مسلّحين بأفضل أنواع السلاح .
حار المسلمون
في أمرهم و شعر البعض بالخوف . و كان المنافقون يخوّفون الناس و يبثّون
الشائعات .
و بينما كان
المسلمون يتبادلون الآراء لمواجهة الخطر القادم ، نهض سلمان فقال : ـ يا
رسول الله كنّا في أرض فارس إذا غزانا العدوّ حفرنا الخنادق .
و كانت فكرة
سلمان مفاجأة للجميع .
استبشر النبي
( صلى الله عليه و آله )
المسلمون جميعاً .
الخندق
كانت نقطة
الضعف في شمال المدينة رأى سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
أن يكون طول الخندق خمسة آلاف متر تقريباً ، و بعرض تسعة أمتار ، أما عمقه
فيكون سبعة أمتار .
و في اليوم
التالي خرج المسلمون و هم يحملون أدوات الحفر . و لكي تكون عملية الحفر
منظّمة و دقيقة أمر سيّدنا محمّد أن يشترك كل عشرة مقاتلين بحفر أربعين
متراً من الخندق .
كان الفصل
شتاءً و الرياح باردة جدّاً و المسلمون صائمون ، و مع كل ذلك كانوا يعملون
بحماس و لا يصغون الى الشائعات التي يبثّها اليهود و المنافقون .
و كان سيّدنا
محمّد يعمل بنشاط و يبثّ روح العزيمة في نفوس أصحابه و ينشد شعراً حماسياً
لأحد أصحابه و هو عبد الله بن رواحة .
اللّهم لولا
أنت ما اهتدينا .
و لا تصدقنا و
لا صلّينا .
فأنزِلن
سكينةً علينا .
و ثبِّت
القلوب إن لاقينا .
الصخرة
كان سلمان
يعمل مع اخوانه من المهاجرين و الأنصار . و ذات يوم اعترضت عملهم صخرة
بيضاء قاسية .
حاول سلمان
تحطيمها بمعوله فلم يستطع .
حاول أصحابه و
لكنّهم عجزوا أيضاً ، و كانوا كلّما ضربوها تطاير منها الشرر .
فاستشار
المسلمون سلمان في ذلك .
ذهب سلمان
ليخبر سيّدنا بقصة الصخرة و ان يسمح لهم في تغيير اتجاه الحفر .
جاء النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
إلى منطقة الحفر و أخذ المعول من سلمان و نزل في الخندق ، و طلب منهم أن
يحضروا بعض الماء .
صبّ النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
الماء فوق الصخرة ، و أمسك بالمعول و هتف ، بسم الله ، و ضرب الصخرة فانشق
ثلثها .
هتف النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ الله اكبر
أعطيت مفاتيح الشام و الله إني لأبصر قصورها .
و ضرب النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
الصخرة مرّة ثانية فقطع ثلثاً آخر و هتف :
ـ الله أكبر
أُعطيت مفاتيح فارس و الله إني لأبصر قصر المدائن .
و ضرب مرّة
ثالثة فقطع ما تبقّى من الصخرة فقال :
ـ الله أكبر
اُعطيت مفاتيح اليمن و الله إني لأبصر أبواب صنعاء .
فرح المسلمون
و استبشروا بنصر الله .
أما المنافقون
فقد راحوا يسخرون و يقولون للمؤمنين :
ـ كيف تصدّقون
بفتح بلاد فارس و الروم و اليمن و أنتم تحفرون الخندق في يثرب ؟
و لكن
المؤمنين لم يكونوا يشكّون بنصر الله لأن الله ينصر عباده المخلصين .
استمر
المسلمون في حفر الخندق ليل نهار مدّة شهر كامل .
و خلال تلك
الفترة كان المسلمون يقومون بعمل آخر و هو نقل المحاصيل الزراعية إلى داخل
المدينة ، لكي تساعدهم على تحمّل مدّة الحصار ، و حتى لا يستفيد منها
العدوّ .
الحصار
وصلت جيوش "
الأحزاب " بقيادة أبي سفيان . و عندما رأى المشركون الخندق تعجّبوا و قالوا
:
ـ ان العرب لا
يعرفون هذه المكيدة .
و عرفوا انّها
فكرة سلمان الفارسي .
فرض المشركون
الحصار على المدينة . . و كان أبو سفيان يبحث عن ثغرة في الخندق يمكن
اقتحام الخندق منها و لكن لا فائدة .
و خلال مدّة
الحصار تبادل المسلمون و المشركون إطلاق السهام .
و ذات يوم
تمكّن فرسان المشركين من اقتحام الخندق و العبور إلى جبهة المسلمين .
أمر سيدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
بقطع الطريق على المقتحمين ، و نهض علي بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
لقتال قائدهم " عمرو بن عبد ودّ " و كان من أبطال المشركين .
و عندما توجّه
الإمام علي لقتال عدوّ الإسلام دعا سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
له بالنصر و قال :
ـ اليوم برز
الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه .
و انتصر فتى
الإسلام على عدوّه ، و صاح المسلمون :
ـ الله أكبر .
. الله أكبر .
و فرّ
المشركون باتجاه الخندق فطاردهم فرسان الإسلام و قتلوا بعضهم .
الانتصار
فشل المشركون
في عبور الخندق و طالت مدّة الحصار و نصر الله رسوله و المؤمنين ، فكانت
العواصف العاتية تهبّ على جيوش الأحزاب فتقلع و تدخل في قلوبهم الخوف .
و ذات ليلة و
بعد أن ملّ المشركون الحصار قرّر أبو سفيان الإنسحاب .
و في الصباح
أرسل سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
حذيفة ليستطلع له جبهة العدوّ .
أخبر حذيفة
رسول الله بهزيمة جيوش الأعداء .
عمّت الفرحة
جيش الإسلام و شكروا الله على أن نصرهم على أعداء الدين و الإنسانية .
و عاد
المسلمون إلى منازلهم فرحين بعد حصار بلغ شهراً كاملاً .
في مسجد
النبي
اجتمع
المؤمنون في مسجد النبي
( صلى الله عليه و آله )
يشكرون الله سبحانه و كانوا ينظرون بحبّ و احترام إلى الصحابي الجليل سلمان
الذي أنقذ بخطّته المدينة المنوّرة و الإسلام من الغزاة .
لهذا قال
الأنصار من أهل المدينة :
ـ سلمان منّا
.
و صاح
المهاجرون :
ـ سلمان منّا
.
و نظر
المسلمون إلى سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
ما يقول في سلمان .
قال النبيّ
بحبّ :
ـ سلمان منّا
أهل البيت . .
ثم قال
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ لا يقولوا
سلمان الفارسي و لكن قولوا سلمان المحمّدي .
و منذ ذلك
اليوم و المسلمون ينظرون إلى سلمان باحترام و إجلال .
الجهاد
لم يفارق
سلمان سيدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
في الجهاد و الدفاع عن رسالة الإسلام ، فاشترك في جميع المعارك الإسلامية ،
مع اليهود في " بني قريظة " و " خيبر " و كان في طليعة الذين بايعوا رسول
الله تحت " الشجرة " و التي تدعى " بيعة الرضوان " و في فتح مكّة و معركة "
حنين " و رافق النبي
( صلى الله عليه و آله )
في مسيرته إلى " تبوك " .
كان سلمان
صادق الإيمان مخلصاً في جهاده ، حتى سمع المسلمون سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
يقول :
ـ إنّ الجنّة
تشتاق إلى ثلاثة : عليّ و عمّار و سلمان .
ذات يوم كان
سلمان يتحدّث الى أخويه بلال الحبشي و صهيب الرومي . كان منظرهم جميلاً فهم
من ثلاثة بلدان مختلفة جمعهم الإسلام فأصبحوا إخواناً .
و في الأثناء
مرّ أبو سفيان فنظر إليهم باستعلاء ، فهو ما يزال يفكّر بطريقة أهل
الجاهلية ، فالعرب في رأيه أفضل من سائر الأقوام و الشعوب .
أما سيدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
فيقول :
ـ لا فرق بين
عربي و أعجمي إلاّ بالتقوى .
أراد سلمان و
بلال و صهيب أن يلقّنوه درساً و يذكروه بسماحة الإسلام فقالوا :
ـ ما أخذت
السيوف من عدوّ الله ؟
سمع أبو بكر
ذلك فقال لهم منزعجاً :
ـ أتقولون هذا
لشيخ قريش و زعيمها ؟
ذهب أبو بكر
ليخبر سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
بما قالوه .
و لكن سيّدنا
محمّد قال له :
ـ هل أغضبتهم
يا أبا بكر ؟ إن أغضبتهم أغضبت الله .
ندم أبو بكر
على ما قاله لهم و عاد إليهم مسرعاً و قال :
ـ يا اخوتي
لعلّي أغضبتكم .
أجابوا بتسامح
الإسلام :
ـ لا يا أبا
بكر يغفر الله لك .
وفاة النبي
في يوم
الاثنين 28 صفر ، انتقل سيّدنا محمّد الى الرفيق الأعلى و حزن المسلمون و
بكى سلمان .
كان سلمان
يحبّ سيدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
كثيراً و كان يقتدي بسيرته و يسير في طريقه و يحفظ كلّ ما يسمعه منه .
لهذا كان
سلمان يحبّ عليّاً لأن الله و يحبّه و رسوله ، و قد سمع أكثر من مرّة
النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
يقول :
ـ عليّ مع
الحقّ و الحقّ مع عليّ .
ـ أنت مني
بمنزلة هارون من موسى و لكن لا نبيّ بعدي .
ـ من كنتُ
مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه و عادِ من عاداه و انصر من
نصره و اخذل من خذله .
كان سلمان قد
سمع هذه الأحاديث و غيرها ، و لهذا فهو يعتقد بإمامة علي و انّه خليفة
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
بعده .
البيعة
بويع أبو بكر
بالخلافة في سقيفة " بني ساعدة " و كان الإمام علي مشغولاً بتجهيز النبي
( صلى الله عليه و آله )
.
فوجئ الكثير
من الصحابة بهذه البيعة و اعترضوا عليها ، لأن الخليفة الحقّ في رأيهم هو
عليّ
( عليه السَّلام )
.
لهذا امتنع
سلمان و أبو ذر و المقداد و عمّار بن ياسر و عبد الله بن عباس و الزبير بن
العوام و قيس بن سعد و اسامة بن زيد و أبو أيوب الأنصاري و عبد الله بن
مسعود و غيرهم من الصحابة .
و ظلّ الإمام
علي على موقفه من البيعة إلى أن توفيت زوجته فاطمة الزهراء بنت سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
بايع الإمام
( عليه السَّلام )
أبا بكر من أجل الإسلام ، و كان سلمان ينتظر ، فقال له الإمام :
ـ بايع يا أبا
عبد الله .
كان سلمان
مطيعاً لله مطيعاً لرسول الله مطيعاً للإمام ، فبايع .
كان علي
( عليه السَّلام )
يحبّ سلماناً و يقول عنه :
ـ سلمان امرؤ
منّا أهل البيت .
ـ من لكم بمثل
لقمان الحكيم .
ـ قرأ الكتاب
الأوّل و الكتاب الآخر أي الإنجيل و القرآن الكريم .
المدائن
شارك سلمان في
معارك الفتح الإسلامي في بلاد فارس و كان يتقدّم المقاتلين بشجاعة نادرة .
و كان إلى
جانب قائد الحملة على المدائن سعد بن أبي وقاص فعبر النهر بجواده .
قام بدور
الترجمة بين المسلمين و أهل فارس ، فاستسلمت مدينة " إيوان " بدون إراقة
الدماء .
عيّنه الخليفة
عمر بن الخطاب والياً على المدائن فكان مثالاً للحاكم المسلم العادل .

كان المرتّب
الذي يتقاضاه خمسة آلاف درهم و لكنه كان ينفقه جميعاً على الفقراء .
كانت حياته
بسيطة فهو يشتري خوصاً بدرهم واحد فيصنع منه سلالاً يبيعها بثلاثة دراهم ،
ينفق درهماً واحداً على عياله و يتصدّق بدرهم و يدّخر الدرهم الثالث ليشتري
به " الخوص " .
كانت ثيابه
بسيطة ، و كان المسافرون و الغرباء عندما يرونه يحسبونه رجلاً من فقراء
المدائن .
و ذات يوم كان
سلمان يمشي في السوق رآه أحد المسافرين و كان معه أمتعة فأمره أن يحملها .
تقدّم سلمان و
حمل الأثقال و راح يمشي وراء الرجل .
كان الناس في
الطريق ينحنون إجلالاً للأمير و يسلمون عليه باحترام .
تعجّب الرجل
الغريب و سأل :
ـ من يكون هذا
الرجل الفقير ؟
فأجابوه :
ـ هذا سلمان
الفارسي صاحب رسول الله و أمير المدائن .
اندهش الرجل و
تقدّم من سلمان معتذراً و طلب منه أن ينزل الأثقال .
رفض سلمان ذلك
و قال :
ـ حتى أوصلك .
تأثّر الرجل و
أدرك ان سلمان من أولياء الله .
الكوفة
بعد فتح
المدائن كان المسلمون يبحثون عن مكان مناسب للسكنى ، فانطلق سلمان و حذيفة
بن اليمان للبحث عن أرض تلائم طبيعة المسلمين .
وقع اختيارهما
على أرض الكوفة فصلّيا فيها ركعات ، و منذ ذلك التاريخ نشأت مدينة الكوفة
التي أصبحت عاصمة للدولة الإسلامية فيما بعد و مركزاً من مراكز العلم و
المعرفة .

الجهاد
مرّة اُخرى
أصبح عثمان
خليفة المسلمين و يأتي قرار بعزله عن الولاية .
فرح سلمان و
انطلق الى المدينة ليزور ضريح سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و يصلّي في مسجده .
كان يحبّ حياة
الجهاد دفاعاً عن دولة الإسلام فالتحق بصفوف المقاتلين في فتح مدينة "
بلنجرد " و هي من مدن الخزر ( في تركيا ) و كانت له مواقف مشهودة .
العودة
أصبح سلمان
شيخاً طاعناً في السنّ .
و يشعر بدنو
أجله و هو راقد في فراش المرض ، و يأتي المسلمون لعيادته يدعون الله له
بالشفاء .
كانوا ينظرون
بحبّ إلى رجل قضى حياته زاهداً يحبّ الله و الناس .
و ذات صباح
طلب من زوجته أن تحضر له صرّة . كان سلمان يحتفظ بها مند سنوات .
تساءلت زوجته
عنها ، فقال سلمان :
ـ قال لي
حبيبي رسول الله
( صلى الله عليه و آله )
: اذا جاءك الموت حضر أقوام يجدون الطيب و لا يأكلون الطعام .
فتح الشيخ
الصرّة و رشّها بالماء ففاحت روائح طيبة ملأت فضاء الحجرة .
طلب سلمان من
زوجته ان تفتح الباب .
و مرّت لحظات
نورانية و أغمض الشيخ عينيه ليرقد بسلام .
مرقده
في منطقة
يقصدها السواح لمشاهدة آثار المدائن حيث يرتفع طاق كسرى ، يجد الزائر
مقاماً كبيراً يدعى ( سلمان باك ) ، يضمّ مرقد الصحابي الجليل سلمان
المحمدي . . سلمان ابن الإسلام البارّ .
ذلك الفتى
الذي غادر أرض إيران و طاف المدن في تركيا و الشام و العراق و الحجاز ليموت
في المدائن بعد حياة طويلة قضاها في الجهاد و الزهد و العبادة .
و لا ننسى أن
نذكر أن أهل المدائن كانوا يدعونه سلمان باك . و باك كلمة فارسية تعني
الطاهر .
نعم كان سلمان
طاهر القلب و الروح ، و كان امرءاً من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم
الرجس و طهّرهم تطهيراً .

|