الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

حق الإنسان بالحرية

محتويات 

تأصيل حق الحرية

1 ـ حقان إنسانيان رئيسيان : حق الحرية و حق المساواة

أهم الحقوق الإنسانية وألصقها بالإنسان وأقدمها ، وأكثرها أصالة على الإطلاق هما : 1 ـ حق الإنسان بالحرية . 2 ـ و حق الإنسان بالمساواة ، فهذان الحقان هما أساس كل الحقوق ، و هما أساسيان و مرتبطان بوجوده الإنساني ارتباطاً لا يقبل الإنفكاك ، فهما ضروريان له ، تماماً كقلبه و روحه ! فكما أن الإنسان لا يكون إنساناً سوياً إلا بقلب و روح ، فإن الغاية من وجود الإنسان لا تستقيم و لا تتحقق إلا بتمكينه من ممارسة حقه بالحرية ، و حقه بالمساواة ، لأن الله سبحانه و تعالى قد فطره و جبله على أن يكون حراً ، و متساوياً بالكرامة الإنسانية مع أبناء جنسه جميعاً ، لا فرق في ذلك بين لون و لون ، أو عرق و عرق ، أو إقليم و إقليم ، أو مكانة إجتماعية و مكانة ، فالناس متساوون بالكرامة الإنسانية ، لأن آدم وحواء أصلهم جميعاً .
تلك حقيقة مطلقة كشفتها الأديان السماوية ، و أعطاها الإسلام و نبي الإسلام تطبيقها الأمثل ، و دافع عنها أئمة أهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) كحقيقة إنسانية و إسلامية خالدة ، و جاهدوا و جالدوا الطغاة و الظالمين لينقلوها من عالم الفكر و النظر إلى واقع التطبيق و الحركة ، و عاهدوا الله تعالى على أن لا يتوقفوا عن الجهاد و المجاهدة حتى يتم تكوين عالم جديد يتمتع كل إنسان فيه بحق الحرية و حق المساواة ، و بكافة الحقوق الإنسانية التي وهبها الله ، لكل إنسان خلقه .
و مما أهاج خواطر أهل بيت النبوة و شيعتهم ، أن أمم الأرض قد اكتشفت بعد ألف سنة و نيف ، نفس ما فهمه أئمة أهل بيت النبوة قبل ألف سنة و أرسلوه إرسال المسلمات ، التي لا تحتاج إلى برهان !
فقد نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تمت صياغته و إقراره من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول عام 1948 على أمل انتباه أمم الأرض و تطبيقه رسمياً : « يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة و الحقوق و قد وهبوا عقلاً و ضميراً و عليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء » 1 .
فهذه كلها مبادئ سياسية و معلومات هامة ، آمن بها النبي الأعظم ، و بشر بها و أثبتها و طبقها ، لأنها جزء لا يتجزأ من رسالة الله التي كلفه بنقلها للعالم كله ، و قد تلقاها منه أئمة أهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) ، الذين كلفوا إلهياً بالتبشير بها و بإثباتها و تطبيقها يوماً من الأيام على أبناء الجنس البشري كله ، و منهم تعلمت شيعتهم هذه المبادئ .
و تطبيق هذه المبادئ على أبناء الجنس البشري هدفٌ من أعظم أهدافهم ، و قد خصص الله سبحانه و تعالى إماماً من أئمة أهل بيت النبوة هو الإمام الثاني عشر مهمته أن يوحد أبناء الجنس البشري باعتبارهم أخوة ، و يمكنهم من أن يكونوا أحراراً بالفعل و متساويين بالفعل ، و يمكن كل واحد منهم من مارسة حقوقه الإنسانية كاملة غير منقوصة ، و يحررهم من الظلم و العوز و الفاقة ، و يحقق الإكتفاء و الرخاء لكل البشر ، و يعلن وحدة كل أبناء الجنس البشري و المساواة بينهم .
إن ذلك العهد المبارك آت لا محالة ، و قد أقسم الله بأنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لمدد الله ذلك اليوم حتى يبعث الإمام فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، و أول مظاهر العدل هو الإعتراف بحق الإنسان بالحرية و حقه بالمساواة ، و هذان الحقان ثابتان إلهياً و واقعياً و منطقياً ، لأنهما جزء لايتجزأ من خلق الإنسان و تكوينه .
و سأفرد لكل من حق الحرية و حق المساواة ، بحثاً خاصاً بكل منهما ، للتعرف على ملامح هذين الحقين الأساسيين .

2 . حق الحرية

يعني حق الحرية : تلك المكنة الداخلة في تكوين الإنسان و خلقه التي وهبه إياها الله ليفعل بمقتضاها ما يشاء ، أو يمتنع عن فعل ما يشاء . أو هو التخويل المثبت إلهياً في تكوين الإنسان و خلقه ، الذي أهله الله بموجبه للتصرف ، و فعل مايراه و يريده .
فالمبدأ العالم أن الإنسان البالغ السويّ الذي ليس مجنوناً و لا معتوهاً و لا سفيهاً ، حرٌّ بطبعة ، و له أن يفعل ما يريد في حدود طاقته و قدرته . قال تعالى :
1 . ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ... 2 .
2 . ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا 3 .
3 .﴿ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ 4
4 . ﴿ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ 5 . و خاطب الله رسوله قائلاً : ﴿ ... أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ 6 . ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ 7 .
و وضع الله تعالى مبدأ عدم الإكراه في الدين بقوله تعالى : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ... 8 .
فيمكن للإنسان استناداً لظاهر هذه الحرية أن يؤمن أو يكفر ، أن يتقدم أو يتأخر ، أن يستقيم أو يَعْوَجّ ، أن يسلك طريقه الباطل أو طريق الحق . أن يتكلم أو يسكت . و أن يفعل ما يريده مما هو واقع في حدود طاقته و قدرته ، و أن لا يفعل ما لا يريده .
يمكنه مثلاً أن يقيم حيث يشاء و أن يرحل متى شاء ، و أن يجتمع بمن يريد ، و أن يحترف المهنة التي يريد ، و أن يباشر العقود و التصرفات الإنفرادية التي يريد ، و أن يتدخل و يشارك في تكوين السلطة في المجتمع الذي يعيش فيه ، و أن يراقب هذه السلطة في أدائها لوظائفها ، و يمكنه أن لا يشارك و لا يتدخل و لا يراقب . . . الخ .
و الحرية مرتبطة بالمسؤولية ، فمادام الإنسان حراً فهو مسؤول عن تصرفاته ، فيستحق الثواب عليها إذا أحسن ، و يستحق العقاب إذا أساء ، فلو لم يكن الإنسان حراً في تصرفاته ، فلا يستحق لا ثواباً و لا عقاباً .

3. الترشيد الإلهي لحق الحرية

يهدف الترشيد الإلهي إلى إبقاء الإنسان ضمن دائرة الصواب أثناء ممارسته لهذا الحق اللصيق به ، و الذي لا غنى له عنه ، فهو مرتبط بوجوده يدور معه وجوداً و عدماً .
و ما أحسن و أنسب ما قاله الإمام الرضا ( عليهم السلام ) : ( إن الله لم يطع بإكراه ، ولم يعص في ملكه ، هو المالك لما ملكهم و القادر على ما أقدرهم عليه ، فإن استمر العباد بطاعته لم يكن منها صاداً و لا منه مانعاً ، و إن استمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل ، و إن لم يحل ففعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ) 9 .
لقد أعطى الله سبحانه و تعالى حق الحرية للإنسان لتلبية رغباته ، و تحقيق حاجاته المشروعة ، و تحديد نوعية سلوكه و فعله ، تمهيداً لترتيب الثواب و العقاب ، فالمثوبة أو العقوبة التي تترتب على الفعل الحر المختار الذي يصدر من الإنسان ، تساهم مساهمة فعالة بترشيد حق الحرية .
و تقريباً للذهن ، فإن الله سبحانه و تعالى جعل للإنسان سمعاً و بصراً و حساً و ذوقاً و شماً ، و قلباً و عقلاً . . . الخ . و هذه الحواس و الأعضاء كلها داخلة في تكوين الإنسان و خلقه ، و ضرورة من ضرورات وجوده ، ولم يخلق الله أياً منها عبثاً ، بل رصد لكل منها غاية محدودة تؤديها و وظيفة معينة تقوم فيها ، و أفقاً محدداً تدور فيه .
و حق الحرية مثل هذه الحواس و الأعضاء داخل في تكوين الإنسان ، و لكنه معنوي و غير منظور فهو كالروح ، و قد رصد له الله غاية و حدد له وظيفة ، تماماً كما حدد غاية و وظيفة و أفقاً لكل حاسة من حواس الإنسان و لكل عضو من أعضائه . و الوظيفة التي يقوم بها حق الحرية ، تنحصر في :
1 . تحقيق رغبات الإنسان المشروعة ، فالحرية هي أداه تلبيتها .
2 . حصر و تحديد أفعاله و تصرفاته بحريته و إختياره .
3 . تكييفها من جهة أنها مشروعة أوغير مشروعه ، وفق أحكام الشريعة الإلهية .
4 . تحديد المثوبة و العقوبة التي تترتب عليها .
5 . إرخاء الحبل للإنسان ، ليبقى سيد أفعاله و تصرفاته و المسؤول عنها طوال الأجل الذي حدده الله له .

القواعد الربانية لترشيد حق الحرية

1ـ الغاية من خلق الإنسان

باستقراء أحكام الشرائع الإلهية ، و على الأخص الشريعة الإسلامية الخاتمة و المهيمنة ، نجد خمس قواعد إلهية كبرى لترشيد حق الحرية ، و إبقائه دائماً في إطار الشرعية و الصواب ، ليحصل الإنسان على المنفعة التي توخاها الله تعالى من إعطائه له و بذلك حدد الغاية الأساسية من إيجاده .
لقد خلق الله الإنسان لغاية أولى رئيسية هي عبادة الله عز و جل بدليل قوله تعالى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 10 و كل ما في الكون من آيات أدلة قاطعة على وجود الله و استحقاقه للعبادة و جدارته بالطاعة و تفرده بالملك في الدارين .
و العبادة بالمعنى الإسلامي شاملة ، و يمكن ردها إلى أربعة أنواع : نية ، قول ، فعل ، تقدير . و من هنا كانت الدنيا كلها بمثابة مسجد أو محل للعبادة أو وقت للعبادة . و من هنا أصبحت جميع أعمال الإنسان الصالحة عبادات يثاب عليها و تقربه إلى الله تعالى ، حتى ممارسته لشهوته في حدود القانون . فحق الحرية نعمة كبرى ، بمثابة تخويل إلهي مطلق ، لكنه مقيد بالغاية فهو كحق الوكالة العامة الذي يخول الوكيل القيام بأي تصرف لكن بالحدود التي لا تلحق الضرر بالموكل و لا بالوكيل نفسه و لا بالغير . و هذا يستدعي من الإنسان أن يأخذ بعين الإعتبار حقوق الله تعالى الذي منحه هذا الحق ، و حق أخيه الإنسان و حقه بالحرية ، و حق المجتمع الذي يعيش فيه ، و السلطة التي تحكم المجتمع ، فإن فعل ذلك ، فإن ممارسته لحقه لا تصبح ممارسة حق شخصي فحسب ، بل تصبح إتياناً بعمل تعبدي يقربه إلى الله ، و يثيبه الله عليه .

2 ـ الدنيا كلها عبارة عن قاعة إمتحان كبرى للإنسان

إن الدنيا كلها عبارة عن قاعة إمتحان كبرى للإنسان ، فقد خلق الله الموت و الحياة و ما على الأرض ، و السماوات و ما فيهن و ما تحتهن ، ليبلو أو يمتحن أفراد و جماعات بني الإنسان أيهم أحسن عملاً ، و من منهم يستحق الثواب و من يستحق العقاب ، و من الناجح و من الساقط ؟ على ضوء الأعمال و التصرفات التي يقومون بها بمحض رضاهم و اختيارهم أثناء ممارسة كل منهم لحقه بالحرية . قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ ... 11 . ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ... 12 . ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 13 .
فكل ما على الأرض و في السماء ، له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعملية الإبتلاء أو الإمتحان أو الفحص الإلهي . فالموت لإنهاء دورة الحياة و إغلاق قاعة الإمتحان ، و البعث و الحشر ليحاسب كل إنسان على الأعمال التي قام بها بحريته و اختياره ، فما كان منها حسناً سجّل له ، و ما كان منها خبيثاً سجل عليه ، فإذا رجحت مجموعة حسناته على مجموعة سيئاته دخل الجنة ثواباً له ، و إن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار عقاباً على سوء أفعاله . و هذا يشكل حافزاً ذاتياً للإنسان ليحسن استعمال حقه بالحرية . و لا يخفى ما يولده هذا الإحساس من رقابة ذاتية أثناء ممارسته لحقه بالحرية ، لتكون في إطارها الصحيح .

3 ـ الثواب و العقاب

تلعب فكرتا الثواب و العقاب دوراً بارزاً في ترشيد حق الإنسان بالحرية ، لإبقاء هذا الحق ضمن نظام المشروعية و الصواب ، حتى لو مارسه الإنسان على إطلاقه .
فالله سبحانه و تعالى يريد أن يثبت عباده الصالحين ، و يساعدهم على النجاح بالإبتلاء الإلهي خلال دورة الحياة الدنيا ، ثم يدخلهم الجنة كمثوبة لهم على حسن عبادتهم وطاعتهم له . كذلك يريد أن يعاقب الذين سقطوا بالإبتلاء أو الإمتحان بالرغم من أنه هيأ لهم كل أسباب النجاح فاستحقوا النار أو جهنم عقوبة لهم .
و تستمر دورة الحياة الدنيا حتى يتوفر من الساقطين بالإمتحان الإلهي ما يكفي ليملأ جهنم ، و يتوفر عدد من الناجحين يكفي ليملأ الجنة ، فإذا توفرت الأعداد اللازمة لملئ الجنة و النار ، عندئذٍ تنتهي دورة الحياة الدنيا ، و تقوم القيامة حيث تبدأ دورة الحياة العليا التي لا موت بعدها ، و في تلك الحياة العليا يكافأ الصالحون بالثواب ، و يعاقب الطالحون بالعقاب . بدليل قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 14 . و قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 15 . و لا يخفى ما لفكرتي الثواب و العقاب من تأثير على نفس الإنسان و سلوكه، و أثر ذلك في ترشيده أثناء ممارسته لحقه في الحرية ، ليبقى دائماً ضمن إطار المشروعية الإلهية .

4ـ قوانين تبين الحق من الباطل و الصواب من الخطأ

رحمةً من الله بالإنسان ، و حتى يثيبه أو يعاقبه ، أوجد تعليمات أو تشريعات أو قوانين تبين ما هو الحق و ما هو الباطل ، و ما هو الصواب و الخطأ .
و لإشاعة هذه القوانين بين الناس و تعريفهم بها ، أرسل النبيين و الرسل مبشرين و منذرين ، و معهم هذه القوانين أو الشرائع التي تبين بوضوح ما هو الحق والباطل ، و تتضمن حوافز لفعل الحق و اتباعه ، و الإبتعاد عن الباطل و اجتنابه .
و قد أرسل الله الآلاف المؤلفة من الرسل و الأنبياء ( عليهم السلام ) لتحقيق هذه الغاية ، ثم ختمهم بخاتم النبيين محمد ( صلى الله عليه و آله ) ، بالشريعة الجامعة الشاملة و النهائية .
ثم إن الله سبحانه و تعالى زود الإنسان بقدرة التمييز بين الخير و الشر ، و الحق و الباطل ، و النافع و الضار ، و توارثت الأجيال البشرية الشرائع الإلهية ، و أصبح من اليسير على كل إنسان أن يميز النافع و الضار له و لغيره ، و هذا كله يشكل ترشيداً حقيقياً للإنسان أثناء ممارسته لحقه بالحرية ، إذ أن الفرصة متاحة أمامه ليمارس حقه على هدى و بصيرة و بمسؤولية ، و يترفع عن الضرر بنفسه و غيره ، و عن العدوان على نفسه و غيره ، و عن الإقتراب من الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ، فإذا تمت هذه الترفعات كان حق الإنسان بالحرية مطلقاً ، و لا تملك أية سلطة تقييده .

5 ـ ضبط أفعال الإنسان و إحصاؤها

اقتضت حكمته تعالى أن يضبط ضبطاً تاماً نوايا و أفعال و أقوال و تقديرات الإنسان المكلف و أن يحصيها ، و ذلك لضرورات الحكم الإلهي الذي سيصدره أحكم الحاكمين ، و لتحقيق العدل الإلهي الذي سينشره أعدل العادلين .
و لله القدرة على إحكام هذا الضبط و إحصائه ، و الإحاطة التامة بكل مايصدر عن الإنسان قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 16 . ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 17 . ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 18 . و الذي هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، و يعلم ما توسوس به نفس الإنسان ، و يملك الرقابة التامة على كل لفظ يصدر من الإنسان ، و يحاسبه على مقدار الذرة من الخير و الشر ، متمكنٌ موضوعاً و قادرٌ كل القدرة على أن يضبط و يحصي كل أفعال الإنسان و أقواله و تقريراته و نواياه ، و له القدرة على أن يعرف ماضيه و حاضره و مستقبله ، و له القدرة على أن يحسب و يقدّر تصرفات الإنسان بصورة مسبقة خلال فترة حياته ، و القدرة على أن يجعل هذا التقدير المسبق مطابقاً حرفياً لما سيفعله الإنسان بعد هذا التقدير ، و مطابقاً حرفياً للعلم اليقيني أو القضاء المدون عنده تعالى بصورة مسبقة .
و إحساس الإنسان بقدرة الله على ضبط أعماله و أقواله و نواياه و إحصائها جميعاً ، يرشّد حقه باستعمال حريته ترشيداً كاملاً ، فيبقى بمحض إرادته ضمن إطار الحق والصواب أثناء ممارسته لحقه المطلق بالحرية .

تأهيل الإنسان لممارسة حق الحرية

جاء في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مايلي و بالحرف : « يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة و الحقوق . . . » .
و قد سبقت الإشارة أيضاً إلى أن حق الحرية هو بمثابة تخويل إلهي جعله الله في الإنسان . لكن الإنسان بمجرد ولادته لايستطيع استعمال هذا التخويل الإلهي المغروس فيه ، لأنه يجب أن يكون ثمرة إختيار حر ، و الإختيار يتولد من العقل و الإدراك ، و عندما يولد يكون عقله و إدراكه محدودين عاجزين عن الإختيار ، لذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن يخضع المولود لفترة حضانه و رعاية و تأهيل ، يوضع خلالها تحت الإشراف المباشر و المكثف لمراقبة نموه بشكل عام و نمو عقله و إدراكه ، و أولى الناس بالإشراف عليه إسرته و بالأخص أمه و أبوه ، حيث يؤذن له بممارسة حقه في حدود معينة تحت إشراف أسرته و وليه ، لأنه إذا استقل باستعمال حقه قد يؤذي نفسه و غيره ، تماماً كمن يسلم سلاحاً لمن لا يجيد استعماله .
و تمتد هذه الفترة من حياة الإنسان إلى وصوله سن البلوغ ، و تكامل نمو عقله و إدراكه و ملكاته و جسمه بشكل عام ، و بعدها يمكنه أن يمارس حقه دون أي إشراف و إذن من أحد ، لأن استعماله له يعمل عفوياً و آلياً و بالقدرة الإلهية ، داخل في تكوينه و متداخل في عملية خلقه .

1. تصرفات الإنسان خلال فترة الإعداد و التأهيل

التصرفات و الأفعال التي من الممكن أن تصدر من الإنسان خلال فترة الإعداد و التأهيل ، الواقعة بين تاريخ ولادته الى بلوغه ، و خاصة في مرحلة التمييز و المراهقة واحدة من أربعة :
1 . التصرفات الضارة به محضاً ، فكل تصرف منها باطل بطلاناً مطلقاً و بحكم المعدوم ، و لا يترتب عليه أي أثر .
2 . التصرفات النافعة له محضاً ، فكل تصرف أو فعل منها صحيح و نافذ بحقه .
3 . التصرفات الدائرة بين النفع و الضرر موقوفة على إجازة وليه ، فإن أجازها نفذت بحقه ، و إن لم يجزها لم يعتد بها ولم يترتب عليه أي أثر .
4 . الأضرار الناتجه عن تصرفه التي قد تصيب الغير ، يلزمه جبرها من ماله الخاص إن كان له مال خاص ، و يلزم وليه بجبرها عتباره هو المسؤول عن رعايته هذه الفترة .
و خلال هذه الفترة ، يمكن له أن يكتسب لذمته المالية المستقلة عن غيرها من الذمم فلو وهبه أو تبرع له أو أوصى له إنسان آخر ، دخلت في ذمته حتى و لو كان وليداً .

2. شرطان لممارسة الإنسان حقه بالحرية

يتمكن الإنسان من ممارسة حقه بالحرية بعد توافر شرطين أساسيين :
1 . سن البلوغ ، أي اجتيازه الفترة الواقعة بين الولادة و البلوغ .
2 . سلامة العقل و الإدراك ، لأن القدرة على الإختيار تتوقف على سلامتهما ، فلا يكفي البلوغ بل يتوجب أن يكون سليم العقل و الإدراك و ليس مجنوناً و لا معتوهاً و لا سفيهاً ، و لا محجوراً عليه لأي سبب ، فإذا كان فيه عيب من هذه العيوب ، فلا يسمح له بممارسة حقه بالحرية ، لأنه سيؤذي نفسه حتماً أو غيره ، و دفع المفاسد أولى من جلب المصالح .

3. الإنسان الحر يحدد مصيره بنفسه

أعطى الله الإنسان القدرة على فعل الخير و الصواب ، أو الشر والخطأ ، و منحه القدرة على التمييز بينهما ، و حمله مسؤولية أفعاله و تصرفاته و أقواله و نواياه ، و خوله الحق بتحديد مصيره بمحض حريته و إختياره .
فإذا استعمل هذا الحق على الوجه الذي أرشده الله اليه فقد نجا و كان محموداً في الدنيا و الآخرة ، و مرتاح الضمير و سعيداً في الدارين . أما إذا استعمل حقه على غير الوجه الذي أرشده الله اليه ، فقد خاب و كان من المذمومين في الدنيا و الآخرة ، و عاش مثقل الضمير شقياً في الدارين .
و في كلتا الحالتين فإن الإنسان الحر هو الذي يحدد مصيره بنفسه ، و بمحض اختياره بدون إكراه من أحد . قال الإمام علي ( عليه السلام ) : « إن الله كلف تخييراً ، و نهى تحذيراً ، و أعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً . . . » 19 .
فالإمام علي قد ركز على فكرة الإختيار و التخيير ، و على فكرة عدم إكراه الإنسان على الفعل . و أوضح الإمام الرضا ما أجمله الإمام علي بالنص المتقدم بقوله ( عليه السلام ) : ( إن الله عز و جل لم يطع بإكراه ولم يعص بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملكهم ، و القادر على ما أقدرهم عليه ، فإن إئتمر العبد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ، و لا منها مانعاً ، و إن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل ، و إن لم يحل ففعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه بل هم الذين أدخلوا أنفسهم » 20 .
فالقوة التي يستعين بها الإنسان على القيام بالأفعال و التصرفات الصحيحة هي ‏من الله و القوة التي يستعين بها الإنسان للقيام بالأعمال الطالحة هي من الله أيضاً ، و القدرة على الإختيار و مكنه الحرية هي‏من الله أيضاً ، لكن ضرورات الإبتلاء الإلهي اقتضت أن يكون فعل الإنسان بإختياره و حريته ، حتى يستحق الثواب أو العقاب .
فالإنسان الذي أطاع الله لم يكن مجبراً على هذه الطاعة ، بل اختار الطاعة ولم يجبر عليها ، و الإنسان الذي عصى الله ، اختار المعصية ولم يجبر عليها .

4. حق الحرية يبيع الدنيا كلها للإنسان ، و يملكه نفسه

في معرض بيان حق المنعم بالولاء المترتب بذمة الرقيق لسيده الذي أعتقه و حرره قال الإمام على بن الحسين زين العابدين ( عليه السلام ) مخاطباً الرقيق الذي تحرر ، و مذكراً إياه بعظيم نعمة حق الحرية : « أخرجك من ذل الرق و وحشته إلى عز الحرية و أنسها ، و أطلقك من أسر الملكة ، و رفع عنك حلق العبودية و أوجدك رايحة العز . وأخرجك من سجن القهر و دفع عنك العسر ، و بسط لك لسان الإنصاف . و أباحك الدنيا كلها ، فملك نفسك و حل أمرك ، و فرغك لعبادة ربك » 21 . و هذا الوصف الدقيق لجوانب من حق الحرية ، و بلاء العبودية ، يكشف أهمية حق الحرية بالنسبة للإنسان ، فالحرية : عز و أنس ، و انطلاق من الأسر ، و خروج من سجن القهر ، و دفع للعسر .
إن حق الحرية يرتفع بالإنسان إلى المكانة التي يستحق فيها التكريم و التفضيل الإلهيين . أما بلاء العبودية و الرق فإنه ذل للإنسان و وحشة يجعل منه مجرد غرض و حاجة ، يتم امتلاكها كما يتم امتلاك الأشياء ، و يتم ربطها و تربيقها بالحلق و السلاسل كما يتم ربط و ربق الخيل و الحمير و البغال ، و يوضع في جدران أربع و يغلق عليه كالأنعام في سجن قهر ، لا يملك شيئاً من الدنيا ، لأن الملكية محظورة على الأرقاء و العبيد . إنها مسخ لإنسانية الإنسان و استهتار بالتكريم و التفضيل الإلهي للإنسان ، و حيلولة بين الإنسان و بين تحقيق الغاية من وجوده في هذه الحياة الدنيا .
و المجتمع البشري الذي يفعل بالإنسان هكذا ، مجتمع متخلف فاسد ، يحمل في ذاته بذور فنائه و دماره ، لأن الحرية هبة الله لكل إنسان ، و المستعبد المسترق سرقها و غصبها ، و منع الإنسان من أن يحقق الغاية النبيلة التي أوجده الله من أجلها . و من يصادر حق الإنسان بالحرية ، فهو مسترق مستعبد ، و ماسخ عصري لإنسانية الإنسان ، و بفعله هذا يضع نفسه بالصف المعادي لله و للإنسان .

5. إحساس الإنسان الحر و التزامه الذاتي نحو الجميع

الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية ، يحس و يلمس بأنه المالك الوحيد لنفسه ، و أنه الصانع الفعلي لمصيره ، و أن الكائنات كلها مسخرة له بإذن ربها و خالقها ، و أنه سيد هذه الكائنات بالفعل ، و لا تملك قوة في الأرض و لا في السماء الحق بحرمانه من هذه السيادة ، و هذه القدرات التي أعطاه إياها الله ، تولد لديه الإحساس الذاتي بأنه شئ مهم في هذا الكون ، و أنه مسؤول يتحمل جزءاً من إدارة هذا الكون و عدم وضع العوائق في وجه حركة هذا النظام الدائمة ، و الإحساس بأنه عضو مهم في الأسرة البشرية و ليس مجرد رقم حسابي ، و بالتالي فهو يتأثر سلباً أو إيجاباً ، بما يصيب المجتمع الذي يعيش فيه و ما يصيب الأسرة البشرية الكبرى التي ينتمى اليها من خير أو شر ، أو تقدم أو تأخر .
كل هذا يولد لديه الإحساس الذاتي العميق بالتزامه الذاتي نحو المجتمع ، و بمسؤوليته الذاتية نحو الجميع ، و أن سلامة المجتمع الذي يعيش فيه ، و الأسرة البشرية الكبرى التي ينتمي اليها تتوقف على عمق هذا الإحساس الذاتي ، و عمق الإلتزام الذاتي نحو الجميع ، و أصالته وشموله .
إن الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية ، و يستشعر عظمة هذا الحق فيترجمه إلى التزام ذاتي نحو الجميع ، كالشمس الساطعة في رابعة السماء ، و كالبدر المكتمل ، و كالغيث الشامل العام ، ينتفع به مجتمعه كله ، و الأسرة البشرية التي ينتمي اليها كلها .
و هذا الإحساس الذاتي ، نحو الجميع مرتبط بالإنسان كإنسان ، بغض النظر عن كونه متمتعاً بحق الحرية ، أو مستعبداً محروماً من هذا الحق .
لكن الإنسان المتمتع بحق الحرية وحده الذي يستطيع ترجمة هذا الإلتزام الذاتي إلى واقع عملي ، و من النظرية إلى التطبيق و من الكلمة إلى الحركة ، بغض النظر عن دين أو عرف أو لون أو ملة أولئك الأفراد و الجماعات .
أما الإنسان المستعبد فلا يملك هذه الإمكانات ، لأن حقه بالحرية معطل مصادر .
و لا يقتصر إلتزام الإنسان الحر الذاتي على مجتمعه ، بل يشمل الأسرة البشرية بكاملها ، فهو معني تماماً بآلامها و آمالها و أخبارها .
فالإنسان أي إنسان يحس في قرارة نفسه إحساساً ذاتياً بأنه ملتزم ذاتياً ، و أن عليه حقوقاً لله ، و حقوقاً لنفسه ، و حقاً لأمه ، و حقاً لأبيه ، و حقاً لولده ، و حقاً لأخيه ، و حقاً لزوجته ، و لأحفاده ، و أعمامه ، و عماته ، و أخواله ، و خالاته ، و أولادهم و حقاً للإنسان كإنسان ، و حقاً لمن يسدي اليه المعروف ، و حقاً لمن يجالسه ، و حقاً نحو جاره ، و حقاً نحو صاحبه ، و حقاً نحو شريكه ، و حقاً نحوالمال الذي يملكه ، و حقاً نحو الدائن أو الغريم ، و حقاً نحو خليطه و حقاً نحو من ينصحه ، و حقاً نحو كبير السن ، و حقاً نحو الصغير ، و حقاً نحو السائل ، و حقاً تجاه أهل ملته ، و حقاً تجاه أهل الملل الأخرى ، و التزاماً و حقاً نحو السلطة الشرعية القائمة في المجتمع ، و تجاه الأشخاص و الهيئات المتخصصة بتنوير المجتمع و إصلاحه . . . الخ .
و بالرغم من كثرة هذه الإلتزامات الذاتية و الحقوق التي رتبها الإنسان الحر على نفسه ، إلا أنها في حدود طاقته .

رسالة الحقوق التي وضعها الإمام زين العابدين ( عليه السلام )

1. المنظومة الحقوقية لرسالة الحقوق

بمناسبة الحديث عن الإلتزامات الذاتية التي يرتبها الإنسان المتمتع بحق الحرية على نفسه بمحض حريته و إختياره ، و يعتبرها حقوقاً مترتبة عليه نحو الجميع ، تشمخ أمام العقل و القلب و الروح الرسالة العظمى المسماة « رسالة الحقوق » و التي وضعها حفيد النبي و فاطمة و علي ، الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( عليهم السلام ) ، و أودعها كافة الحقوق المترتبة على الإنسان المسلم نحو أخيه الإنسان المسلم الآخر ، و الإنسان الآخر غير المسلم في جميع أوضاعه و حالاته ، بعد أن استخلصها من روح الدين و مقاصده و أحكامه ، و من عصارة علمي النبوة و الكتاب ، و وضعها تحت تصرف الإنسان أي إنسان ، ليعرف ما له و ما عليه ، و ليمهد الطريق إمام إيجاد مجتمع إنساني على مستوى الكرة الأرضية ، يعيش بمحبة و انسجام و سلام ، و يحصل كل إنسان على حقه كاملاً غير منقوص ، و يتنافس فيه الأفراد و الجماعات بروح رياضية على فعل الخير ، و العمل الصالح و عمارة الكرة الأرضية و نشر العدل ، في مجتمع إنساني على مستوى العالم ، يتم فيه اقتسام موارد الكرة الأرضية بالتساوى بين سكانها ، بهدف تحقيق الرخاء و الكفاية لجميع بني الإنسان ، و بهدف تحرير الإنسان من الظلم و من الحاجة ، لتعيش البشرية ماتبقى من عمرها بحرية و عدل و كفاية و سلام .
إن رسالة الحقوق بمثابة بشرى حقوقية لهذا المجتمع ، وفيض تربوي لإعداد الإنسان لبلوغ هذه المرحلة .
لقد أجمل الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) هذه الحقوق جميعاً بخمسين حقاً ، غطت سلوك الإنسان في‏كل أوضاعه و حالاته ، و حددت الحقوق المترتبة نحو الجميع بدءاً من ربه و مروراً بنفسه و جوارحه و أفعاله ، و أمه و أبيه ، و انتهاء بحقوق أهل ملته ، و أهل الملل الأخرى و هي :
1 ) حق الله . 2 ) حق النفس . 3 ) حق اللسان . 4 ) حق السمع . 5 ) حق البصر . 6 ) حق الرجلين . 7 ) حق اليد . 8 ) حق البطن . 9 ) حق الفرج . 10 ) حق الصلاة . 11 ) حق الصوم . 12 و 13 ) 22 14 ) حق السائل بالسلطان . 15 ) حق لسائل بالعلم . 16 ) حق السائس بالملك . 17 ) حقوق الرعية بالسلطان . 18 ) حق الرعية بالعلم . 19 ) حق الرعية بملك النكاح . 20 ) حق الرعية بملك اليمين . 21 ) حق الأم . 22 ) حق الأب . 23 ) حق الولد . 24 ) حق الأخ . 25 ) حق المنعم بالولاء . 26 ) حق الجارية . 27 ) حق ذي المعروف . 28 ) حق المؤذن . 29 ) حق إمام الصلاة . 30 ) حق الجليس . 31 ) حق الجار . 32 ) حق الصاحب . 33 ) حق الشريك . 34 ) حق المال . 35 ) حق الغريم « الدائن » . 36 ) حق الخليط . 37 ) حق الخصم المدعي . 38 ) حق المدعى عليه . 39 ) حق المستشير . 40 ) حق المشير . 41 ) حق المستنصح . 42 ) حق المسؤول . 43 ) حق البشير « من سرك الله به و على يديه » . 48 ) حق النذير « من ساءك القضاء على يديه » . 49 ) حق أهل ملتك عامة . 50 ) حق أهل الذمة 23 .
و لا غنى لكل باحث في حقوق الإنسان من الإطلاع على هذه الرسالة الخالدة ، و التمهيد لها بيسر ليفهمها عامة الناس ، و يتمكن الإنسان من الإستفادة من عبقرية هذا الإمام العظيم في معرض بحثه الدءوب عن الحل .

2. نماذج من منظومة الإلتزامات الذاتية للإنسان الحر

الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية ملتزم ذاتياً تجاه المجتمع الذي يعيش فيه ، و تجاه أبناء العائلة الإنسانية بشبكة أو منظومة من الإلتزامات الذاتية التي يشعر و يحس بأنه ملتزم بها ذاتياً و بدون ضغط و لا إكراه من أية جهة ، لأن هذه الإلتزامات نابعة من الفطرة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها ، المجبوله على التكامل و التعاطف والتعاضد مع الآخرين من بني جنسه ، فكما يعرف الإنسان بالفطرة أن هذا الفعل أو ذاك أو هذا الشئ أو ذاك نافع أو ضار ، فهو يعرف كذلك أنه ملزم بأداء الإلتزامات التي رتبها ذاتياً على نفسه من تلقاء نفسه للآخرين .
و قد رسم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) و حدد الدائرة العامة لهذه الإلتزامات الذاتية و سماها حقوقاً ، و هي بالفعل حقوق أو التزامات مترتبة بذمة الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية ، و يشعر ذاتياً بأنه ملزم بأدائها ، و إذا لم يؤدها إلى أصحابها يبقى مثقل الضمير بها ، و يعتبر نفسه مقصراً و مازال ملزم بأدائها .
و من المدهش حقاً أن كافة هذه الحقوق أو الإلتزامات تتفق تماماً مع جوهر و مقاصد الشرائع الإلهية جميعاً و خاصة الشريعة الإسلامية الإلهية الخاتمة ، و لا عجب في ذلك لأن الله الذي خلق الإنسان يعرف ما يصلحه و يتلاءم مع فطرته ، لذلك وضع الشرائع المتلائمة مع هذه الفطرة و القادرة على إبقاء الإنسان في دائرة الصواب .
و المثير للدهشة حقاً أن الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية يعترف في قرارة نفسه بشرعية هذه الإلتزامات الذاتية و أنها مناسبة و ضرورية و أنه ملزم ذاتياً بأدائها كاملة غير منقوصة ، بدون ضغط و لا إكراه من أية جهة ، و هو مزود فطرياً بالرقابة الذاتية التي تضمن دقة تنفيذها حتى في غياب السلطة .
و كما سبقت الإشارة فإن ما أشرنا اليه آنفاً لا يقتصر على الذي يتمتع بحق الحرية ، إنما يشمل كل إنسان ، و لكن الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية هو وحده القادر على أداء و تنفيذ هذه الإلتزامات الذاتية على الوجه الأكمل ، لأنه حر و مختار ، أما المستعبد أو الذي صودر حقه بالحرية ، فتبقى هذه الإلتزامات مشاعر نبيلة حبيسة في نفسه ، لافتقاره إلى الحرية و الإختيار .
و سأقوم باستعراض هذه الإلتزامات الذاتية كما ذكرها الإمام زين العابدين بإيجاز فهي تساعد في استكشاف آفاق جديدة و نافعة لحقوق الإنسان .
1 . حق الله أو الإلتزام الذاتي نحو الله : الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية يحس ذاتياً بحقوق الله عليه ، و يقوم ذاتياً بتأدية حق الله الذي وهبه الحرية ، و يمكن إجمال هذا الإلتزام » بأن يعبد الله باخلاص و لا يشرك به شيئاً و يمتثل أمره و يتجنب نهيه » .
2 . و الإنسان الحر يلتزم ذاتياً بتادية حق نفسه عليه ، و ذلك بإبقائها ضمن دائرة الحق و الصواب . و يساعده على تحقيق ذلك سبع : لسانه ، و سمعه ، و بصره ، و يده ، و رجله و بطنه و فرجه ، من الوقوع فيما حرم الله ، فإن كف أذى هذه الجوارح السبع فقد أدى حقه و أعدها و هيأها لتأدية هذه الحقوق التي رتبها بنفسه على نفسه ، نحو مجتمعه الذي يعيش فيه ، و نحو الأسرة البشرية التي ينتمى إليها » 24 .
3 . و الإنسان الحر ملتزم ذاتياً بأداء الحقوق المترتبة عليه نحو أمه . قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في معرض تأصيله لهذا الإلتزام و تبريره لهذا الحق : « حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً ، و وقتك بسمعها و بصرها و يدها و رجلها و شعرها و بشرها و جميع جوارحها مستبشرة فرحة ، محتملة لما فيه مكروهها و ألمها و ثقلها و غمها ، حتى دفعتها عنك يد القدرة ، و أخرجتك إلى الأرض ، فرضيت أن تشبع و تجوع هي ، و تكسوك و تعرى ، و ترويك و تظمى ، و تظلك و تضحى ، و تنعمك ببؤسها ، و تلذذك بالنوم بأرقها ، و كان بطنها لك وعاء ، و حجرها لك حواء ، و ثديها لك سقاء ، و نفسها لك وقاء ، تباشر حر الدنيا و بردها لك و دونك ، فتشكرها على قدر ذلك ، و لا تقدر عليه إلا بعون الله و توفيقه » 25 .
4. و الإنسان الحر ملتزم ذاتياً بأداء الحقوق المترتبة عليه نحو أبيه . قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في معرض تأصيله لهذا الإلتزام : « و أما حق أبيك فتعلم أنه أصلك ، و أنك فرعه ، و أنك لولاه لم تكن ، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك ، فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك ، فاحمد الله و اشكره على قدر ذلك » 26
5 . و الإنسان الحر ملتزم ذاتياً نحو ولده و ملتزم بأداء الحقوق المترتبة له بذمته : قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في معرض تأصيله لهذا الإلتزام : « و أما حق ولدك فتعلم أنه منك ، و مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره ، و أنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب و الدلالة على ربه عزّ و جلّ ، و المعونة له على طاعته ، فيك و في نفسه ، فمثاب على ذلك و معاقب ، فاعمل بأمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا ، المعذر إلى ربه فيما بينك و بينه بحسن القيام عليه و الأخذ له منه ، و لا قوة إلا بالله » 27 .
6. و الإنسان الحر ملتزم ذاتياً نحو أخيه . و ملزم بأداء الحقوق المترتبة بذمته لهذا الأخ قال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : « و أما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها ، و ظهرك الذي تلتجئ إليه ، و عزك الذي تعتمد عليه ، و قوتك التي تصول بها ، فلا تتخذه سلاحاً على معصية ، و لا عدة للظلم بحق الله ، و لا تدع نصرته على نفسه و معونته على عدوه و الحول بينه و بين شياطينه ، و تأدية النصحية إليه ، و الإقبال عليه في الله ، فإن انقاد لربه و أحسن الإجابة له ، و إلا فليكن الله أثر عندك وأكرم عليك منه » 28 .
7 . الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية يتكون لديه إحساس و التزام ذاتي نحو زوجته ، و جميع أرحامه و أقاربه فهو ملتزم ذاتياً و فطرياً نحو زوجته و أحفاده و نحو عمه ، و عمته و خاله ، و خالته و أولاد عمه ، و أولاد عمته و أولاد خاله ، و أولاد خالته ، و يمتد هذا الإلتزام الذاتي ليشمل أبناء عشيرته جميعاً على اعتبار أنهم قرابته ، و تتسع دائرة هذا الإلتزام بالأصهار ، أو بأبناء البلدة أو الإقليم الذي ينتمي له هذا الإنسان فيحس بأنهم أولى من غيرهم بإحسانه ، و تتسع دائرة هذا الإلتزام لتشمل الإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه أوعرقه أو إقليمه ، فلو رأى الإنسان الحر أي إنسان يوشك على الغرق لاندفع ذاتياً و حاول إنتشاله ، و الإنسان في هذه الأحوال يستند إلى نداء الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، و حقه بالحرية التي منحته القدرة على الإختيار .
و هذه الإلتزامات الذاتية النبيلة للإنسان تتفق مع جوهر التوجيهات الإلهية التي أوجبت تعميم فعل المعروف على الجميع ، و تخصيص ذوي القربى ، و تتفق مع الفطرة النقية التي لم تتلوث ، و مع سلوك الإنسان الذي يعرف عظمة الحرية .
و تختلف درجات هذا الإلتزام بحسب درجة قربهم منه وموقعهم من نفسه . قال تعالى : ﴿ ... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى ... 29 . ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا 30 . ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ... 31 . ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ... 32 . ﴿ ... قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ... 33 . ﴿ فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ... 34 . و قال تعالى : ﴿ ... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... 35 . فالتزام الإنسان الذاتي نحو أقاربه و أرحامه و الجار الجنب و الصاحب بالجنب ، يتفق مع مضامين هذه الآيات الكريمات و أمثالها ، سواء أقصد الإنسان ذلك أو لم يقصده ، فهو يحس بأن لهؤلاء جميعاً حقوقاً عليه يجب أن يؤديها لهم . و أبسط هذه الحقوق أن يقول لهم حُسناً و يحسن معاملتهم ، و يصلهم و يتعاطف معهم ، و يعطيهم إن كانت له سعة ، و يكف أذاه عنهم ، و ينصرهم على الحق إن استنصروه ، و ينهاهم عن الباطل إن وقعوا فيه .
8 . الإنسان الذي يتمتع بحق الحرية ملتزم ذاتياً تجاه من يُسدي له المعروف ، لأنه يرتب له حقاً على الإنسان الحر يستوجب أداؤه قال الإمام ( عليه السلام ) « تشكره ، و تذكر معروفه ، و تنشر له المقالة الحسنة ، و تخلص له الدعاء فيما بينك و بين الله سبحانه و تعالى . . . ثم إن أمكن مكافأته بالفعل كافأته و إلا كنت مرصداً له . . . » 36 .
9 . و يلتزم الإنسان الحر التزاماً ذاتياً نحو جليسه ، فيؤدي له حق المجالسة ، قال الإمام : » تلين له كنفك ، وتطيب له جانبك ، وتنصفه في مجاراة اللفظ ، ولا تفرق في نزع اللحظ... ولاتقوم إلا بإذنه » 37 .
10 . و يلتزم الإنسان الحر التزاماً ذاتياً نحو جاره ، فيؤدي له حق الجيرة قال الإمام في بيان هذا الحق : « تحفظه غائباً ، و تكرمه شاهداً ، و تنصره و تعينه في الحالين جميعاً ، و لا تتبع له عورة ، و لا تبحث له عن سوءة ، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك و لا تكلف كنت لما علمت حصناً حصيناً و ستراً ستيراً . . . لا تستمع عليه من حيث لا يعلم ، و لا تسلمه عند شديدة ، و لا تحسده عند نعمة ، تقيل عثرته ، و تغفر زلته ، و لا تدخر حلمك عنه إذا جهل عليك . . . » 38 .
11 . و يلتزم الإنسان الحر التزاماً ذاتياً نحو صاحبه ، فيؤدي له حق الصحبة ، قال الإمام في معرض بيانه لهذا الحق « تصحبه بالفضل ما وجدت اليه سبيلاً ، و إلا فلا أقل من الإنصاف ، و أن تكرمه كما يكرمك ، و تحفظه كما يحفظك ، و لا يسبقك فيما بينك و بينه إلى مكرمة ، فإن سبقك كافأته ، و لا تقصر به عما يستحقه من المودة و تلزم نفسك نصيحته و حياطته و معاضدته . . . » 39 .
12 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً نحو شريكه ، فيؤدي له حق الشراكة طوعياً قال الإمام في بيان هذا الحق : " و أما حق الشريك فإن غاب كفيته ، و إن حضر ساويته ، و لا تعزم على حكمك دون حكمه ، و لا تعمل برأيك دون مناظرته ، و تحفظ عليه ماله ، و تنفي عنه خيانته فيما عز أو هان ، فقد بلغنا أن يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا ".
13 . و الإنسان الحر يلتزم ذاتياً بمراقبة ما يكسبه من المال : ( فلا تأخذ المال إلا من حله ، و لا تنفقه إلا في حله ، و لا تحرفه عن مواضعه ، و لا تصرفه عن حقائقه ... ) .
14 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً تجاه دائنه ، أو الغريم الذي يطلب دينه ، فيؤدي لهذا الدائن حقه عليه . قال الإمام في معرض بيانه حق الدائن على المدين : « فإن كنت موسراً أوفيته و كفيته و أغنيته، ولم تردده و تمطله ، فإن رسول الله قال : « مطل الغني ظلم » و إن كنت معسراً أرضيته بحسن القول و طلبت اليه طلباً جميلاً ، و رددته عن نفسك رداً لطيفاً ، ولم تجمع ذهاب ماله و سوء معاملته ، فإن ذلك لؤم » 40 .
15 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً تجاه من يخالطه ، قال الإمام في معرض بيان حق الخليط : « لا تغره و لا تغشه و لا تكذبه و لا تغفله و لا تخذعه ، و تتقي الله تبارك و تعالى في أمره ، و لا تعمل في انتقاصه عمل العدو الذي لايبقي على صاحبه ، و إن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك . . . » 41 .
16 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً نحو من ينصحه ، قال الإمام ( عليه السلام ) : « تلين له جناحك ، ثم تشرأب له قلبك ، و تفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته ، ثم تنظر فيها ، فإن كان وفق فيها للصواب حمدت الله على ذلك ، و قبلت منه و عرفت له نصيحته ، و إن لم يكن وفق فيها رحمته ولم تتهمه ، و علمت أنه لم يألك نصحاً إلا أنه أخطأ . . . » 42 .
17 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً تجاه كبير السن ، فيحس أن له عليه حقوقاً ، قال الإمام : « فإن من حقه توقير سنه ، و اجلال إسلامه ، إذا كان من أهل الفضل في الإسلام بتقديمه فيه ، و ترك مقابلته عند الخصام ، و لا تسبقه إلى طريق ، و لا تؤمه في طريق ، و لا تستجهله و إن جهل عليك ، تحملت و أكرمته ‏بحق إسلامه مع سنه ، فإن حق السن بقدر الإسلام » 43 .
18 . و يلتزم الإنسان الحر نحو الصغير بالسن ، قال الإمام ( عليه السلام ) : « فرحمتُه و تثقيفه و تعليمه و العفو عنه ، و الستر عليه ، و الرفق به و المعونة له ، و الستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة و المداراة له ، و ترك مماحكته فإن ذلك أدنى لرشده » 44 .
19 . و يلتزم الإنسان الحر ذاتياً تجاه السائل ، و يشعر أنه له حقاً عليه ، و هو ملزم بأدائه ، قال الإمام ( عليه السلام ) : ( فإعطاؤه إذا تيقنت صدقه ، و قدرت على سد حاجته ، و الدعاء له فيما نزل به ، و المعاونة له على طلبته ، و إن شككت في صدقه ، و سبقت اليه التهمة ولم تعزم على ذلك... تركته بستره و رددته رداً جميلاً » 45 .
20 . و يلتزم الإنسان ذاتياً تجاه أهل ملته ، فيحس أن لهم عليه حقوقاً خاصة ، قال الإمام ( عليه السلام ) : « و أما حق أهل ملتك عامة فإضمار السلامة ، و نشر جناح الرحمة ، و الرفق بمسيئيهم ، و تألفهم ، و استصلاحهم ، و شكر محسنهم إلى نفسه و إليك ، فإن إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك ، إذ كف عنك أذاه ، و كفاك مؤونته ، و حبس عنك نفسه . فعُمَّهم جميعاً بدعوتك ، و انصرهم جميعاً بنصرتك ، و أنزلهم جميعاً منك منازلهم ، كبيرهم بمنزلة الوالد ، و صغيرهم بمنزلة الولد ، و أوسطهم بمنزلة الأخ ، فمن أتاك تعاهدته بلطف و رحمة ، و صل أخاك بما يجب للأخ على أخيه » 46 .
21 . و يلتزم الإنسان ذاتياً تجاه أتباع الديانات السماوية من أهل الذمة ، و يحس بأن لهم حقوقاً عليه ، قال الإمام ( عليه السلام ) : ( و أما حق أهل الذمة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ماقبل الله ، و تفي بما جعل الله لهم من ذمته و عهده ، و تكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم ، و اجبروا عليه ، و تحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك و بينهم من معاملة ، و ليكن بينك و بين ظلمهم من رعاية ذمة الله و الوفاء بعهده و عهد رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) حائل ، فإنه بلغنا أنه قال « من ظلم معاهداً كنت خصمه » ) 47 .

أقسام حق الإنسان بالحرية

1. أقسام حق الحرية

تتعدد أقسام حق الحرية عملياً بتعدد الأفعال و التصرفات التي يمارسها الإنسان استناداً لهذا الحق ، و هي لاحصر لها . لذلك ظهرت توجهات و تقسيمات أخرى لحق الحرية ، بحيث يقسمها إلى مجموعات متماثلة في موضوعاتها ، فهي وجهات نظر تساعد الباحث على الاستفادة من تجارب من سبقه من الباحثين ، و سأستعرض ثلاثة أنواع متعارف عليها لتقسيم حق الحرية ، و هي :
1 ) التقسيم الفلسفي . 2 ) تقسيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . 3 ) التقسيم التقليدي .

التقسيم الفلسفي لحق الحرية

1 . الحرية الطبيعية : المحصلة من طبيعة البشر بأن يستعمل مواهبه و قواه الطبيعية و الأدبية و توجيهها بما يرى فيه نفعه .
2 . الحرية الجسدية : و هي حق الإنسان بأن يعمل مطلقاً بلا عائق و لا حاجز ، أي أن يستعمل قواه الجسدية على الوجه الذي يريد .
3 . الحرية المدنية : و هي الحرية المعطاة لكل إنسان كي يستعمل حقوقه الطبيعية وفقاً لشرائع و عادات المجتمع الذي يعيش فيه و هي : الحقوق الجسدية . حق التملك . حقوق النكاح و التربية و الوصايا . و حرية الضمير مثل حرية إختيار العمل أو التصرف المراد مثل التعليم ، التملك ... أي أن من يملك حقوقه الشخصية يقدر أن يمارس ما يريد تبعاً لشريعة وطنه .
4 . الحرية السياسية : و هي حق التدخل في تكوين السلطة ، و حق مراقبتها أثناء أدائها لوظائفها ، و حق الإجتماع .
5 . الحرية النفسية أو الأدبية : و هي استطاعة اختيار أي عمل بعد فحص أسبابه ، و الحرية الحقيقية النفسانية هي اتباع العقل و طاعة الله و الشرائع ، و المحافظة على النظام و اختيار أحسن الإختيارات ، فبمقدار مايكون الإنسان نقياً و عاقلاً يكون حراً ، فمن صنع نقيصة فهو عبد لها ، و العبد نقيض الحر » 48 .

2. طريقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في تقسيم حق الحرية

بعد حروب إقليمة و عالمية طاحنة ، و بعد أن ضج الناس من البلاء الشامل و سحق حقوق الإنسان ، و بعد مخاض طويل ، أدركت دول العالم كله أن هناك صلة عضوية بين تمكين الإنسان من ممارسة حقوقه و حرياته ، و بين السلم و الإستقرار في العالم ، و اعترفت بصراحة : « بأن الإعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية ، هو أساس الحرية و العدل و السلام في العالم » 49 .
بعد هذا كله صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، و هي بمثابة « برلمان » للأمم المتحدة . و كان صدور هذا الإعلان بتاريخ 10 كانون أول 1948 بالقرار رقم 217 أ « د ـ 6» و هو لا يعدو عن كونه إعلاناً ، و مواده ليست أكثر من توصيات و تمنيات على الدول الأعضاء لمراعاتها .
و مع أنها تشكل الحد الأدنى للإلتزام بحقوق الإنسان ، و ليست فيها وسيلة عملية لضمان التطبيق و الإلتزام بها ، لأن مراعاتها و تطبيقها يتم داخل كل دولة عضو ، و كل دولة عضو محصنة بحق « السيادة الوطنية » و تملك آلة إعلامية جبارة لتبرير أفعالها و تصرفاتها مع شعبها المستضعف ، و إظهار الحق بمظهر الباطل و الباطل بمظهر الحق !
و الدول الكبرى القادرة على ممارسة الرقابة ، دول قائمة على المصالح لا على المبادئ ، و يعنيها بالدرجة الأولى و الأخيرة الإهتمام بمصالحها ، و تأمين الأسواق لمنتجاتها ، و تشجيع الدول الصغرى على التبعية لها و الدوران التام في أفلاكها ، أكثر مما يعنيها شيوع حقوق الإنسان و تمتع أبناء الجنس البشري بها !
و بالتالي فإن العالم المعاصر يتعامل مع الأخلاق و المبادئ و الحقوق كشعارات نظرية مجردة ، لتغطية بعده الشاسع عن الأخلاق و المبادئ و الحقوق الإنسانية ، و تغطية إفراطه بالمادية و إهماله التام للجوانب الروحية و المعنوية للإنسان .
و بالرغم من ذلك كله ، فإن مجرد صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، و إجماع دول العالم عليه ، و شيوع هذه الحقوق و اعتراف الجميع بها و لو نظرياً ، يعتبر نصراً مؤزراً ، و ضوءاً ساطعاً في هذا الليل الدامس الظلمات !
و ما يعنينا هو بيان خطة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتقسيم حق الحرية ، و في سبيل ذلك سأتتبع مواد الإعلان ال « 29 » و أستخرج المادة التي أجد فيه لفظ « حرية » أو « حق الحرية » لنقف على طريقة هذا الإعلان بتقسيم حق الحرية ، و الميادين التي أمتد اليها هذا الحق حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
1 . تحديد المبدأ العام :
المادة 1 : « يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة و الحقوق » . و المقصود من هذه المادة مبدأ عام تسالمت عليه كافة الديانات السماوية ، و هو بارز عند أهل بيت النبوة و شيعتهم ، و لكن التعبير الوارد فيها غير مناسب ، فالإنسان لا يولد حراً لأن الحرية تحتاج إلى بلوغ و إلى عقل و إدراك ، و لكنه يولد مزوداً بمِكنة الحرية أو القدرة عليها ، و لا يستطيع استعمالها إلا إذا وصل الى سن البلوغ و كان سليم العقل.
المادة 2 : « لكل فرد الحق في الحياة و لحرية و سلامة شخصه » . و هذا الحق من البديهات التي يرسلها عوام المسلمين إرسال المسلمات .
المادة 12 : « لكل فرد حرية التنقل و اختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة » .
المادة 18 : « لكل شخص الحق في حرية التفكير و الضمير و الدين ، و يشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته ، و حرية الإعراب عنها بالتعليم و الممارسة و إقامة الشعائر و مراعاتها ، سواء كان ذلك سراً أم مع الجماعة ).
المادة 19 : « لكل شخص الحق في حرية الرأي و التعبير ، و يشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل و استسقاء الأنباء و الأفكار و تلقيها و اذاعتها بأية وسيلة كانت ، دون التقيد بالحدود الجغرافيه ) .
المادة 20 : « لكل شخص الحق في حرية الإشتراك في الجمعيات و الجماعات السلمية ، و لا يجوز إرغام أحد على الإنضمام إلى جمعية ما » .
المادة 21 : « لكل شخص الحق في العمل و له حرية اختياره بشروط عادلة مرضية»
المادة 22 : « لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافية ، و في الإستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي » 50 .
و حسب هذا التقسيم فإننا نكون إمام الأنواع التالية في الحرية :
1 . حرية الشغل و إختيار محل الاقامة .
2 . حرية التفكير و الضمير .
3 . حرية الدين .
4 . حرية الرأي و التعبير .
5 . حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية أو عدم الاشتراك .
6 . حرية الاشتراك في‏الحياة الثقافية للمجتمع 51 .