Posted: 1 week ago
القراءات: 132

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الاستغناء عن الأشياء و الناس ثراء حقيقي

«الزّهد ثروة»
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ» 1.
الثروة هي كثرة المال، و الزهد ثروة أي الزهد في الدنيا يجعل الإنسان غني النفس لا يحتاج كثيرا من الأشياء و لا الناس و يشعر بالاكتفاء فهو ثروة تبعده عن الحاجة إلى الناس، فالزهد ثروة و غنى أكبر، قال عليه السلام في حكمة أخرى: «الْغِنَى الْأَكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» 2.
و في الزهد تعفف عمّا في أيدي الناس و عدم الحاجة إليهم ليصبح الزاهد مستغنيا ثريا بذاته لا حاجة له عند الآخرين ليطلبها، فالمعنى يخرج من الحالة المادية إلى المعنوية و النفسية بغنى النفس بما يحصل لها حين الزهد من القناعة و الراحة و الرضا.
و ليس الزهد فقرا بل هو سعي في تحرير الإنسان من عبودية المادة، و قيمة إيجابية ترفع من قيمة الإنسان الحقيقية، و قياسها معنوي غير مدرك حقيقته و لا يُقاس بالمال، و تظهر آثاره على صاحبه و من حوله من مجتمعه، و هو في تضاد مع الحرص و الطمع و الجشع و الرغبة الشديدة في الحصول على الأشياء و المقتنيات.
كما أنّ الزهد لا يعني أبدا ترك العمل و الكسب في الدنيا فهذا ضروري للحياة و لكنه ترك التكالب عليها و الحرص فيها و التطاحن على متاعها، و لا يعني البخل و الإمساك فإنّ البخيل يملك الأشياء و يبخل في صرفها و الانتفاع بها مع التعلق بالمال، و الزاهد يزهد في التملك خوفا و حذرا و تحرجا.
و في الحكمة تغيير النظرة إلى الزهد من حالة فقد و عدم، إلى حالة وجود و ثراء تظهر آثارها على صاحبها بالكرامة و العزّة و الهيبة، و قلة الأملاك و المقتنيات تفرغ بال الإنسان و ذهنه و تجعله أكثر صفاء، و تبعده عن ضغط المشتريات و الاستهلاك، و تساعده على الطاعة، و الزهد مقدمة لذلك، و كثرتها تشغله عن ضرورياته.
هذا الزهد و القلة توفر لصاحبها وقتا أكثر يغتنمه للتفكر و التدبر، و الزهد في ملذات الأطعمة يوفر لصاحبه صحة أفضل، و يقابله النهم و الشره و تعبئة البطن طريقا للأمراض، و التقليل في العلاقات و تقليصها تخلص صاحبها من صداقات غير الأوفياء فإن قسم من الصداقات مبنية على مصالح مادية، فالزهد تتعدد موارده و جهاته.
و إذا وصل الزاهد إلى مرحلة متقدمة من راحة النفس و طمأنينة القلب فإنّه أثرى من الآخرين إذ هذه الحالة النفسية أغلى من المال، و تحرّر من استعباد الشهوات و الماديات فيكون حرا مستقلا بينما يتخبط آخرون من أصحاب الأموال في تجاراتهم و عبوديتهم.
و كما أنّ الثروة درجات فإنّ الزهد أيضا درجات فكلاهما يختلف فيه البشر باجتهاداتهم و ظروفهم و قد يزهد الإنسان في الكماليات و يكتفي بالضروريات فهذه درجة، و قد ييأس تماما فما في أيدي الناس فهذه درجة، و قد يزهد في السلطة و الشهرة كليا فهذه درجة ثالثة، و تتطور الحالة النفسية للزاهد طبقا بمقدار زهده و فكره، فيستقر الزاهد بالرضا و القناعة و صفاء النفس.
و أقصى طرفي الزهد أو الثراء هو عدم الحزن بما لم يحصل و لم يُدرك، و عدم الفرح بما تحقق و تملّك كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» 3، وَ مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ» 4.
و المراد هو حث على عدم تعلق الإنسان الشديد و تشبثه بالدنيا، و ليعلم بأنّه مفارقها يوما ما، و عليه اغتنام فرصة الحياة فيها للحياة الأبدية في الآخرة فإنّها مقدمة لها.
 

  • 1. نهج البلاغة، حكمة 4: (الْعَجْزُ آفَةٌ، وَ الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ، وَ نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى).
  • 2. نهج البلاغة، حكمة  342.
  • 3. سورة الحديد، آية 23.
  • 4. نهج البلاغة، حكمة 439.