الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الشيعة و يوم عاشوراء

هذا المقال إجابة على سؤال حول سبب إهتمام الشيعة بذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ، و المقال نشرته مجلة رسالة الإسلام في عددها 43 ، و نحن نعيد نشرها لما يحتويه من الفائدة

حاولت في كلمتي هذه أن أجيب عن سؤال وجهه إليّ اكثر من واحد ، و هو يجول في أفكار الكثيرين ، و هذا هو :
لماذا يهتم الشيعة الإمامية هذا الاهتمام البالغ بذكرى الإمام الحسين عليه السلام ، و يعلنون عليه الحداد ، و يقيمون له التعازي عشرة أيام متوالية من كل عام ؟ !
هل الحسين أعظم و أكرم على الناس من جده محمد و أبيه علي ؟ !
و إذا كان الإمام الحسين إماماً فإن جده خاتم الرسل و الأنبياء ، و أباه سيد الأئمة و الأوصياء ؟!
لماذا لا يحيي الشيعة ذكرى النبي و الوصي ، كما يفعلون و يذكرون الشهيد ؟!
الجواب : إن الشيعة لا يفضلون أحداً على الرسول الأعظم . إنه أشرف الخلق دون استثناء ، و يفضلون علياً على الناس باستثناء الرسول ، فقد ثبت عندهم أن علياً قال مفاخراً : « أنا خاصف النعل » أي مصلح حذاء الرسول .
و قال : « كنا إذا حمى الوطيس لذنا برسول الله » ، أجل أن الشيعة الإمامية يعتقدون أن محمداً لا يوازيه عند الله ملك مقرب و لا نبي مرسل ، و أن علياً خليفته من بعده و خير أهله و صحبه ، و إقامة عزاء الحسين في كل عام مظهر لهذه العقيدة و عمل مجسم لها . و تتضح هذه الحقيقة بعد معرفة الأسرار التالية :
1 ـ تزوج الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ، و هو ابن 25 سنة ، و قبض و له 63 سنة ، و بقي بعد خديجة دون نساء وحده ، ثم تزوج الكثيرات حتى جمع في آن واحد بين تسع ، و امتدت حياته الزوجية 37 عاماً و رزق من خديجة ذكرين : القاسم و عبد الله ، و هما الطيب و الطاهر ، ماتا صغيرين ، كما رزق منها أربع بنات : زينب و أم كلثوم و رقية و فاطمة ، أسلمن و تزوجن و توفين في حياته ما عدا فاطمة ، و ولدت له مارية القبطية إبراهيم ، و قد اختاره الله ، و له من العمر سنة و عشرة أشهر و ثمانية أيام ، فانحصر نسل الرسول بفاطمة و ولديها من علي ، الحسن و الحسين ، فهم أهله الذين ضمهم و إياه « كساء » واحد و بيت واحد .
و قد كان هؤلاء الأربعة عليهم السلام بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سلوة و عزاء للمسلمين عن فقد نبيهم ، و أن عظم الخطب ، لأن البيت الذي كان يأويه ما زال مأهولا بمن يجب عامراً بأهله و أبنائه ، و ماتت فاطمة بعد أبيها بـ 72 يوماً ، فبقي بيت النبي مزيناً و مضيئاً بعلي و الحسن و الحسين ، ثم قتل علي ، فظل الحسنان ، و كان حب المسلمين لهما لا يعادله شيء إلا الحب و الإخلاص لنبيهم الكريم ، لأنهما البقية الباقية من نسله و أهل بيته ، و بعد أن ذهب الحسن إلى ربه لم يبق من أهل البيت إلا الحسين ، فتمثلوا جميعاً في شخصه ، فكان حب المسلمين له حباً لأهل البيت أجمعين ، للنبي و علي و فاطمة و الحسن و الحسين ، تماماً كما لو كان لك خمسة أولاد أعزاء ، و فقدت منهم أربعة و بقي واحد ، فإنه يأخذ سهم الجميع ، و توازي منزلته من قلبك منزلة الخمسة مجتمعين . و بهذا نجد تفسير قول سيدة الطف زينب ، و هي تندب أخاها الحسين يوم العاشر من المحرم : « اليوم مات جدي رسول الله ، اليوم ماتت أمي فاطمة ، اليوم قتل أبي علي ، اليوم سم أخي الحسن » .
و نجد تفسير ما قاله الإمام الشهيد لجيش يزيد حين صمموا على قتله : « فو الله ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري فيكم و لا في غيركم » . و إذا أقفل بيت الرسول بقتل ولده الحسين ، و لم يبق من أهله أحد ، كان ، و الحال هذه استشهاده استشهاداً لأهل البيت جميعاً ، و احياء ذكراه احياء لذكرى الجميع .
2 ـ إن وقعة الطف كانت و ما زالت أبرز و أظهر مأساة عرفها التاريخ على الإطلاق ، فلم تكن حرباً و قتالا بالمعنى المعروف للحرب و القتال ، و إنما كانت مجزرة دامية لآل الرسول كباراً و صغاراً ، فلقد أحاطت بهم كثرة غاشمة باغية من كل جانب ، و منعوا عنهم الطعام و الشراب أياماً ، و حين أشرف آل الرسول على الهلاك من الجوع و العطش انهالوا عليهم رمياً بالسهام و رشقاً بالحجارة و ضرباً بالسيوف و طعناً بالرماح ، و لما سقط الجميع صرعى قطعوا الرؤوس ، و وطأوا الجثث بحوافر الخيل مقبلين و مدبرين ، و بقروا بطون الأطفال ، و أضرموا النار في الأخبية على النساء . فجدير بمن والى و شايع نبيه الأعظم و أهل بيته أن يحزن لحزنهم ، و أن ينسى كل فجيعة و رزية إلا ما حل بهم من الرزايا و الفجائع معدداً مناقبهم و مساوئ أعدائهم ما دام حياً .
حين نكت يزيد ثغر الحسين بالقضيب ، قال له رسول قيصر المسيحي : « إن عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى عليه السلام نحج إليه في كل عام من الأقطار ، و نهدي إليه النذور ، و نعظمه كما تعظمون كتبكم ، فاشهد إنكم على باطل » . لقد شاء الله و قدر أن تكون حادثة كربلاء أعظم و أخلد من كل حادثة عرفها التاريخ كما أنها أفجع و أوجع مأساة مرت و تمر على وجه الأرض .
إن الحسين عند شيعته و العارفين بمقاصده و أهدافه ليس اسماً لشخص فحسب ، و إنما هو رمز عميق الدلالة ، رمز للبطولة و الانسانية و الأمل ، و عنوان للدين و الشريعة ، و للفداء و التضحية في سبيل الحق و العدالة ، كما أن يزيد رمز للفساد و الاستبداد و التهتك و الرذيلة ، فحيثما كان و يكون الفساد و الفوضي و انتهاك الحرمات و إراقة الدماء البرئية و الخلاعة و الفجور و سلب الحقوق و الطغيان ، فثم اسم يزيد و أعمال يزيد ، و حيثما كان و يكون الثبات و الإخلاص و البسالة و الفضيلة و الشرف فثم اسم الحسين و مبادئ الحسين ، و هذا ما عناه الشاعر الشيعي من قوله :
كأن كل مكان كربلاء لدى *** عيني و كل زمان يوم عاشورا
فإحياء بطولة الحسين و جهاده و مبدأه إحياء للحق و الخير و الحرية ، و التضحية من أجلها بالنفس و الأهل و الأصحاب ، و احتجاج صارخ على الحاكم الظالم و أعوانه ، و على كل مسرف يعبت بمقدارات الشعوب ، و يغرق في لهوه و ملذاته و ينطلق مع شهواته و مآثمه كيزيد و أعوان يزيد .
أراد ابن معاوية من التنكيل بأهل البيت أن يطفئ نور الله ، و أن تكون الكلمة العليا للشر و الظلم ، و ظن أنه انتصر ، و تم له ما أراد بقتله الحسين ، و لكن انتصاره كان زائفاً ، و إلى أمد ، فسرعان ما زالت دولة الأمويين و ظلت ذكريات كربلاء و مبادئ الحسين حية إلى يوم يبعثون ، و قد جابهت السيدة زينب يزيد بهذه الحقيقة ، حيث قالت من كلام تخاطبه فيه :
« أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض و آفاق السماء ، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى إن بنا على الله هواناً ، و بك عليه كرامة ؟ !... فمهلا مهلا ... فو الله ما فريت إلا جلدك ، و ما حززت إلا لحمك .. و لئن جرت على الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرتك ، و استعظم تقريعك ، و استكثر توبيخك ، و لئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك .. فكد كيدك ، و اسع سعيك ، و ناصب جهدك ، فو الله لا تمحو ذكرنا ، و لا تميت وحينا و لا يرخص عنك عارها ، و هل رأيك إلا فند ، و أيامك إلا عدد ، و جمعك إلا بدد ؟! » .
و صدقت نبوءة السيدة العظيمة ، فقد سقط يزيد و خلفاء يزيد الواحد بعد الآخر ، و انهارت دولة الأمويين بعد مصرع الحسين بنصف قرن ، و ظل المسلمون يلعنون يزيد و يحتفلون بذكرى الإمام الشهيد يوم قتله و يوم مولده من كل عام .
فهذه مصر تحتشد فيها الحشود ، و تنصب السرادقات و ترتفع دقات الدفوف و إيقاع الطبول ، و تمتلئ بالبهجة أصوات المطربين و المنشدين لمولد الإمام و مولد أخته بطلة كربلاء . فليس الشيعة وحدهم يهتمون و يحتفلون بذكرى الحسين . بل المسلمون عرباً و عجماً في كل مكان ، و إذا اختلفت الأساليب و تعددت المظاهر فالجوهر واحد . قرأت في العدد الثاني من مجلة « الغد » المصرية تاريخ فبراير سنة 1959 كلمة بعنوان « مولد السيدة و أعياد الأمة العربية » جاء فيها :
« خلال أعظم معركة في سبيل العقيدة ، شهدها التاريخ القديم لأمة العرب برزت شخصية السيدة زينب « رئيسة الديوان » كما نسميها نحن أبناء مصر بطلة باسلة مؤمنة شجاعة ، حتى أن يزيد بن معاوية لم يجرؤ على مناقشتها عندما ساقوها إليه ، و رفضت أن تبايعه ، و لعنته كما لعنت كل الذين يغدرون و يطعنون
المؤمنين في ظهورهم ! من أجل ذلك نحن في مصر و في كل الوطن العربي نؤمن ببطولة السيدة زينب ، كما نؤمن بذلك البطل الخالد « الحسين بن علي » أبي الشهداء جميعاً .. نؤمن بأمثال هؤلاء العظام ، و نحتفل بمولدهم و نرقص و نغني و نطرب و ننشد الأغاني حول أضرحتهم ، و ذلك لأننا نحبهم ، و لا أحد يستطيع أن يزيل من قلوبنا الحب الصادق لقائد البطولة الخارقة .. و قد نحيا و نمتلئ بالأمل فنعمل و نكافح ، لأن مثل هذا الرمز يضئ لنا الطريق و يشحننا بالرغبات الطيبة و الايمان بالشرف ... و نحن لا نبالغ إذا اعتبرنا مولد السيدة زينب و مولد الحسين من الأعياد القومية لأمة العرب » .
لقد نظر هذا الكاتب بعين الواقع ، و نطق بلسان الحق ، فإن ظروفنا الماضية و الحاضرة تجعل هذه الأعياد أمراً لا مفر منه . لأنها تذكرنا بالبطولة و النضال من أجل الحرية . مثلنا الأعلى ، و تدفع بنا إلى البحث و التنقيب عن الحاكم المثالي الذي يعمل لوطنه و أمته. لقد مضى على قتل الحسين 1318 عاما و ما زال الشيعة يتذكرون و يذكرون هذا الماضي البعيد و يمجدونه ، ليستخلصوا منه روح الثورة على الظلم .
نحن الشيعة ثوريون بعقيدتنا و تعاليمنا تنفاءل بالثورات التحررية ، و نستبشر بها ، و نحس بعطف عميق نحوها و نحو شهدائها ، فإذا كرمنا الحسين فإنما نكرمه بصفته الباعث الأكبر للثورات ، و المعلم الأول للثائرين من اجل الحق و المساواة ؟ نحن لا نعبد الأفراد ، بل نقدس المبادئ ، لأننا مسلمون قبل كل شيء .
و الحسين يمثل مبادئ جده الرسول خير تمثيل ، و من أجلها قتل هو و أهله و أصحابه و سد بيت نساؤه و أطفاله و من أجلها يفرح المسلمون السنة يوم مولد الحسين ، فيصفقون و يرقصون و يغنون ، لأنه اليوم الذي ابتهج فيه نبي الرحمة و العدالة ، و يحزن المسلمون الشيعة يوم قتله ، فيبكون و يندبون و يلبسون ثوب الحداد ، لأنه يوم حزن و كآبة عليه و على جميع المسلمين ، و ينشد الشيعة يوم العاشر من المحرم مع الشريف الرضي :
لو رسول الله يحيا بعده *** قعد اليوم عليه للعزا
يفرح أولئك بالمولد ، و يحزن هؤلاء للمقتل ، و هدف الجميع واحد ، هو الطاعة و الولاء و التقرب إلى الله و خاتم الانبياء ، و كلا وعد الله الحسنى .

لمزيد من المعلومات يمكنكم مراجعة الروابط التالية:

7 Comments

maher's picture

صيام عاشوراء

كيف يقول اهل السنه في كثير من احاديثهم ان الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوم عاشوراء مع انه عليه السلام توفى قبل ان قتل الامام الحسين عليه السلام . يعني هل يوم حادثه اخرى حصلت في هذا اليوم في حياه الرسول ام انها فقط احاديث غير صحيحه

جاسم عبد الله's picture

صيام عاشوراء بدعة اموية

صيام عاشوراء ليس كما ادعيت أنه مجمع عليه، وعلى فرض جوازه فهل جعل يوم عاشوراء يوم فرح وسرور وعيد كما يتم الاعلان عنه لدى الجماعات الوهابية والتكفيرية صحيح؟ ولا ينم عن حقد دفين تجاه اهل بيت النبي صلى الله عليه واله الذين اوصى بهم الله حيث في آية المودة واوصى بهم الرسول صلى الله عليه واله في مواطن كثيرة!!!
فاتق الله واستغفره

جمال راشد's picture

حب الحسين

حب الحسين من حب النبي صلى الله عليه واله حيث قال: حسين مني وانا من حسين احب الله من احب حسينا. وهذا الحديث مشهور وصحيح يعترف بصحته المسلمون جميعا فكيف يمكن أن يصدق عاقل من يقول باستحباب صيام يوم عاشوراء فرحا وابتهاجا ويدعو الناس لصيام هذا اليوم أنه يحب الحسين ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله؟! لا والله من يكون هكذا لا يكون صادقا بل هو مع قتلة الحسين لكنه يتستر بصيام عاشوراء ليبتهج بقتل الحسين فهو مع قتلة سيد شباب اهل الجنة عليهم لعائن الله وملائكته ورسله والمؤمنون الى يوم القيامة وسيخلد في نار جهنم ابد الابدين.

متبع لسنة اشرف الخلق's picture

سبب صيام عاشوراء هو مصادفته ليوم انفلاق البحر لنبي الله موسى

وهو مارواه الحديث الشهير عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم احد اليهود عن سبب صيامهم ذلك اليوم فقال انه يوم نجاة موسى عليه السلام وبني اسرائيل من فرعون فقال الرسول الاعظم كلمته الشهيرة: نحن احق منكم بصيام هذا اليوم، ارجو عدم التحدث بجهل عن عبادات الطوائف الاخرى ونحن لسنا تكفيريين وانما نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بآيات قرآنية او احاديث نبوية.

امير صادق العامري's picture

تحقيق في شان صيام عاشوراء لكل منصف

المعروف أن بني أمية بعد اغتصاب الخلافة وجعلها ملكاً عضوضاً وملكية مستبدة قاموا بوضع أحاديث تسيء لاهل البيت (عليهم السلام) وتنال من شخصيتهم وتزوير مناسباتهم وما جاء في صيام عاشوراء مثلاً. وهو أمر مستهجن لمن أنصف وتأمل وفكر ولو قليلاً.
وأذكر بعض الأحاديث التي تمسك بها أهل السنة والجماعة على وجوب صيام العاشر من محرم .
ــ عن عائشة: انّ قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله بصيامه حتى فرض رمضان، وقال (صلى الله عليه وسلم): «من شاء فليصمه، ومن شاء أفطر» . (صحيح البخاري رقم 1794) .
ــ عن الربيع، قالت: أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) غداة عاشوراء إلى قرى الانصار: «من اصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن اصبح صائماً فليصم » (صحيح البخاري رقم 1759 كتاب الصوم) .
ــ عن ابن عباس: قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ماهذا». قالوا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني اسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: «فانا أحقّ بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه (صحيح البخاري رقم 1900 وانظر 3727) .
ــ وعن أبي موسى: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، قال النبي: «فصوموه انتم» (صحيح البخاري رقم 1901) .
ــ والحديث السابق له نقل آخر، وفيه: «نحن أحق بصومه» فأمر بصومه (صحيح البخاري رقم 3726) .
ــ عن ابن عباس: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضّله على غيره إلاّ هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان (صحيح البخاري رقم 190) .
ــ وعن عائشة: كان عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي يصومه، فلّما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلّما نزل رمضان كان من شاء صامه ومن شاء لا يصومه (صحيح البخاري رقم 3619 كتاب فضائل الصحابة , اقول : (انظر صحيح مسلم 8 : 4 ـ 13) .
أقول: المستفاد من رواية عائشة وعبدالله بن عمر وغيرهما انّ أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، فصامه النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم أمر الناس بصومه حين قدم المدينة، ثم فرض صوم رمضان ونسخ وجوبه وبقي مستحباً. ولكن المستفاد من خبر عبد الله بن عباس وأبي موسى انّ النبي لم يكن ملتفتاً الى صوم عاشوراء وانّما علم به بعد قدومه المدينة من اليهود، فأمر به لاَحقيّته من اليهود بموسى (عليه السلام)، فالاَحاديث بين ما يسند صومه وصوم المسلمين بأمره (صلى الله عليه وسلم) الى تقليد أهل الجاهلية، وبين ما يسنده الى تقليد اليهود، وهذا مع الاسف حينما يؤخذ على علاته يثير الاستغراب والعجب وهل أن النبي يأخذ دينه من اليهود وهل أنّ النبي هو المشرع؟ أم الله المشرع. هذا فضلاً عن أن اليهود لا يصومون يوم عاشوراء ولم يسبق لهم أن صاموه.
وهنا تناقض آخر نقل في كتاب مسلم عن عبدالله بن عباس، واليك نصّه:
ــ حين صام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يارسول الله انّه يوم تعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «فإذا كان العام المقبل ان شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال فلم يأت العام المقبل حتى توفّى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (صحيح مسلم 8: 12 كتاب الصيام ) .
فترى الحديث يقول: انّ النبي لم يكن عالماً بأنّ اليهود والنصارى يعظّمون يوم عاشوراء، فلمّا علم به عزم على ترك صومه وقصد صوم اليوم التاسع، لكنّه توفي قبل حلول العام المقبل. وفي هذا الحديث امور اخر، منها: انّ امره بصوم يوم عاشوراء كان باقياً الى قبل سنة من موته لا انّه نسخه وجوب صوم رمضان.
و انّ النبي لم يصم اليوم التاسع أصلاً، لكن هنا حديثاً آخر يقول انّه (صلى الله عليه وسلم) كان يصوم اليوم التاسع!، واليك نصّه من كتاب مسلم:
ــ عن الحكم... فقال (عبدالله بن عباس): إذا رأيت هلال المحرم فاعدد واصبح يوم التاسع صائماً.قلت: هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصومه. قال: نعم (صحيح مسلم 8: 11 ) .
وأقول أيعقل ان يقلد النبى (صلى الله عليه وآله) اليهود ويصوم عاشوراء ويأمر أصحابه بصيامه وهو اليوم الذي صامه اليهود حسب «الادعاء» بينما ينهانا عن اتباع سنن أهل الكتاب!
إذ روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لتتبعن سـنن من كان قبلكم شـبراً شـبراً حتى لو دخلوا جحر ضب اتبعتموهم، قلت يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟
وجاء في البخاري في باب قول النبي (صلى الله عليه وآله) «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ».
وعن أبي هريرة انه قال «كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام. فقال النبى (صلى الله عليه وآله) لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل اليكم...»
وأن البخاري أكد في حديث مروي في صحيحه عن ابن عباس قال: كيف تسأل أهل الكتاب عن شىء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله احدث تقرأ محصنا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ولا رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل اليكم.
فكيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتبع اليهود وهو الذي ينهانا عن أتباعهم ، و أن اليهود لم تصم عاشوراء لأن تواريخها لا توافق هذا اليوم لما لهم حساب غير ثابت بسبب اضافة شهر الى الشهور الاثني عشر كل مدة من الزمان حتى تتوافق أعيادهم بالربيع أو الشتاء.
ولعل القرآن يشير الى ذلك في قوله تعالى (( ان عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ))[ التوبة:36] ثم يقول تعالى في آية أخرى (( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ))[التوبة:37].
وبالتالي على فرض أن اليهود صامت عاشوراء فهذا يستدعي التلاعب بسنتهم مما يجعلهم يضيفون أو يزيدون ليوافقوا عاشوراء وهذا النسيء أشار اليه القرآن ووصفه بالكفر (( انما النسيء زيادة في الكفر ))حيث النسيء بمعنى الزيادة وهذا يستدعي فيما اذا قلدهم المسلمون أن يوافقون اليهود ويقروهم على النسيء وهو ليس كفراً فقط بل زيادة بالكفر.
أقول: المتأمّل في هذه الروايات المتعارضة المتضاربة يفهم انّها موضوعة مجعولة من قبل بني أميّة ، ويزيد في وضوح كذبها انّه لا أثر لهذا الصوم في ما نقل عن آثار أهل الجاهلية، وهؤلاء اليهود والنصارى لا يعرفون يوم عاشوراء ولا صومه وهم ببابك!، لعن الله الكاذبين المفترين على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى سنته. هل اليهود تصوم يوم عاشوراء؟
ان المستفاد من مراجعة التاريخ و كلمات اللغو يين و الفقهاء و المحققين و غيرهم ان مدار السنة عند اليهود ليست قمرية بل شمسية و لم يكن صومهم فى عاشوراء و لا فى محرم كما ان اليوم الذى غرق فيه فرعون لم يتقيد بكونه دائماً هو عاشوراء المحرم. و انما هو فى اليوم العاشر من شهر هم الاول: تشرى، و يسمونه يوم كيپور «kipur» - اى الكافرة و هو اليوم الذى تلقى فيه الاسرائيليون اللوح الثانى من الشريعة.
ثم على الفرض - البعيد انه اتفق ذلك اليوم مع قدوم النبى (صلى الله عليه وآله) الكريم المدينة وعاشوراء المحرم فهو محض اتفاق.
اضف الى ذلك ان كيفية الصوم عندهم ايضا تختلف عن الصوم عندنا فانهم يصومون من غروب الشمس الى غروبها فى اليوم التالى.
وعليه فلا وجه و لا اساس لما نسب فى المرويات الى النبى(صلى الله عليه وآله) من ان صوم عاشوراء كان ذا اصل يهودى و انهم كانوا يصومونه فى هذا اليوم. ولنعرض بعض الاقوال فى هذا الشأن:
1- قال الدكتور جواد على: «و يقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء ما يقال له«يوم الكفارة» و هو يوم صوم و انقطاع و يقع قبل عيد المظال بخمسة أيام اى فى يوم عشرة تشري و هو يوم الكبور «kipur» و يكون الصوم فيه من غروب الشمس الى غروبها فى اليوم التالى و له حرمة كحرمة السبت و فيه يدخل الكاهن الاعظم قدس الاقداس لاداء الفروض الدينية المفروضة فى ذلك اليوم.» (المفصل فى تاريخ العرب 6:339. دارالملايين - انظر كتاب المقدس 2:2660) .
2- و قال السقاف: «فى واقعنا الحاضر لانجد اى يهودى يصوم فى العاشر من محرم او يعده عيداًو لم يوجد فى السجلات التاريخيه ما يشير الى انهم صاموا فى العاشر من محرم او عدوه عيداً بل اليهود يصومون يوم العاشر من شهر تشرين و هو الشهر الاول من سنتهم فى تقويمهم و تاريخهم الا انهم لا يسمونه يوم عاشوراء بل يوم او عيد كيپور.» (مجلة الهادى 7 ع 2:37) .
3- قال السقاف ايضا:«ان لليهود تقويماًخاصاًبهم يختلف عن تقويمنا العربى الاسلامى اختلافاً بيناً و يبتدى بشهر (تشرى) ثم (حشران) و ينتهى بشهر (ايلول) و هو الشهر الثانى عشر، و فى كل سنة الكبيسة يضاف اليها شهر واحد حتى يكون للسنة الكبيسة ثلاثة عشر شهراً و هو شهر (آذار الثانى) الذى يتخلل بين آذار الشهر السادس و بين نيسان الشهر الثامن و يكون (آذار الثانى) الشهر السابع و عدد ايام السنة فى السنوات العادية 353 او 354، او 355 يوما و فى الكبيسة 383 او 384 او 385 يوماًو التقويم اليهودى المستعمل الان شهور قمرية و سنواته شمسية.» (مجلة الهادى 7 ع2: 36) .
4- و قال محمود باشا الفلكى فى تقويم العرب قبل الاسلام: «يظهر ان اليهود من العرب كانوا يسمون ايضا عاشوراء و عاشور اليوم العاشر من شهر تشرى الذى هو اول شهور سنتهم المدنية و سابع شهور السنة الدينية عندهم. و السنة عند اليهود شمسية لا قمرية فيوم عاشوراء الذى كان فيه غرق فرعون لا يتقيد بكونه عاشر المحرم بل اتفق و قوعه يوم قدوم النبى.» (دائرة المعارف البستانى 11:446) .
واقول : سوف يتضح انه تخطيط اموى للتغطية على قضية كربلاء، و ما صدر من الجرائم الإنسانية بحق اهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله).
وهذه المصادر ولمن يريد الحق يبحث عن الحقيقة و أقول ما قاله الله عز وجل في كتابه العزيز (( وأكثرهم للحق كارهون )).