مجموع الأصوات: 16
نشر قبل 10 أشهر
القراءات: 1098

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ان أولوية الحوزات العلمية هي التبليغ

وفقاً للنظرة السائدة اليوم في الحوزات العلمية فإنّ التبليغ يقع في المرتبة الثانية، بينما المرتبة الأولى هي لأمور أخرى، من قبيل المقامات العلمية ونحوها. التبليغ في المرتبة الثانية، لذا علينا أن نتخطى هذه النظرة، فالتبليغ في المرتبة الأولى. هذا ما أروم قوله.

لماذا نقول هذا؟ فما الذي نراه هدفاً للدين؟ ماذا جاء دين الله ليفعل لنا نحن البشرَ؟ حسناً، لدينا هدف نهائي هو أن يجعلنا نرتقي ونسمو في مسار خليفة الله ومسار الإنسان الكامل – وفقاً للقابليّات التي نملكها طبعاً - وهذا هو الهدف النهائي للدين. ثمة أهداف متوسطة وأوليّة أيضاً؛ مثلاً إقامة القسط: ﴿ ... لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... 1، أو إرساء النظام الإسلامي:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... 2. مركز الطاعة هو الدين. وهذا يعني إرساء النظام الإسلامي. إنه ضمن أهداف الدين، وهو هدف متوسط. أو افترضوا إقامة المعروف، وإشاعة المعروف، وإزالة المنكر، وترويج الكَلِم الطيب والعمل الصالح:﴿ ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ... 3. إذن، هذه هي أهداف الدين. عندما تنظرون إلى أيّ واحدة منها، تجدون أن وسيلة تحقيقها هي التبليغ، ولا يمكن ذلك دون التبليغ. نعم، تارة وعلى نحو استثنائي يدخل نورٌ في قلب شخص ما بإشارة إلهية، فهذا نقاش آخر وأمر استثنائي، لكن دين الله بهذه الأهداف وأمثال هذه الأهداف للناس، لن يتحقق إلّا بالتبليغ. إذن، التبليغ صار في المرتبة والدرجة الأولى. لذلك تلاحظون في القرآن تأكيد مسألة التبليغ.

لقد رجعت إلى فهارس [المصطلحات] القرآنية من أجل حديثي هذا. وردت كلمة «بلاغ» أو «بلاغ مبين» في القرآن نحو اثنتي عشرة مرة أو ثلاث عشرة. «بلاغ مبين» هو ذلك الإفهام الذي لا يترك مجالاً للشبهة:﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ 4؛ ينبغي ألّا يترك مجالاً للشبهة. البلاغ [يعني] الإفهام، إفهام الأسماع والقلوب الرسالة ، وقد تكرّر في القرآن مراراً. تكرر في اثني عشر موضعاً أو ثلاثة عشر. لقد تكرر نقلاً عن لسان الأنبياء:﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ 4. لقد تكرر في خطاب الله المتعالي إلى النبي (ص):﴿ ... فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ... 5. [يوجد] من عنصر البلاغ نفسه:﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ... 6– الآية التي تلاها [القارئ المحترم] – وآيات كثيرة أخرى أيضاً في هذا الصدد:﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ... 7 ، ﴿ ... بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... 8.

في القرآن أيضاً تعابير موازية ومرادفة لـ«بلاغ» إلى ما شاء الله. كم تكرر تبليغ «الدعوة» في القرآن! ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... 9، ﴿ ... اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ... 10، وكذلك كثير من الآيات الأخرى مع تعبير يحمل عنوان «الدعوة». آيات متعددة وكثيرة تحمل عنوان «الإنذار والتبشير». طبعاً، هي كلها دعوة وتبليغ. إذا نظرتم إلى النطاق العريض لـالقرآن الكريم، فسترون أن التركيز على التبليغ. أساساً، يرى القرآن الكريم أن الأنبياء هم المسؤولون عن التبليغ. وماذا عن ورثة الأنبياء؟ «إن العلماء ورثة الأنبياء»11. وأنتم الذين تعدّون ورثة الأنبياء أسّ مهمتكم وأساسها هو التبليغ. يجب أن تبلّغوا. يجب أن توصلوا رسالة الدين والله إلى القلوب والأسماع. قلوب وأسماع من؟ البشر جميعاً. طبعاً هناك أولويات أيضاً. بطبيعة الحال، يكون لمجتمعكم أولوية كبرى، وبعض الأماكن لها الأولوية، وبعض الأماكن لها أولوية أقل، ولكن يجب أن تصل إلى الجميع. إننا ننظر إلى أهمية التبليغ على هذا النحو.

لهذا، ترون أن سنة التبليغ موجودة في الحوزات العلمية منذ البداية، أي منذ ألف عام. بالطبع، لم تتح لي الفرصة للتحقق والمراجعة بمقدار أكثر - لم أجد وقتاً للمراجعة – وهذا هو المقدار الذي كان في ذهني الآن. لنفترض مثلاً زمن الشيخ الصدوق، فهذه الكتب المتعددة للشيخ الصدوق (رض) كلها تبليغ: الأمالي تبليغ، والخصال تبليغ، وعيون أخبار الرضا تبليغ؛ كلها تبليغ. وهي ليست تبليغاً للمذهب فقط؛ إنها تبليغ الأخلاق، وتبليغ الدين، وتبليغ التوحيد... هذه الأمور نفسها التي يتعين علينا فعلها. إن عدداً من رسائل الشيخ المفيد (رض) في الجواب عن أسئلة مختلف البلدان - نُشرت قبل بضع سنوات في مؤتمر الشيخ المفيد 12- هو تبليغ. الشيخ الطوسي - إضافة إلى ذاك الفقه العميق العريق الرائع - لديه الأمالي أيضاً، فأمالي الشيخ [الطوسي] تبليغ، وأمالي الشريف المرتضى تبليغ. لقد قلت: لم يسنح لي المجال الآن لأراجع وأرى – أنتم لديكم وقت وجَلَد أكثر - كيف كان التبليغ في الحوزات العلمية في القرون اللاحقة [لهم]. لكن على سبيل المثال، وفي القرون الأخيرة، المجلسي (رض) - المجلسي إنسان عظيم، وينبغي ألّا يُستهان بالمجلسي، فهو إنسان عظيم جداً - بالإضافة إلى كتاب البحار وعدد من الكتب لديه حول مسألة الحديث، وتبيين الحديث، وشرح الحديث، ونحو ذلك، ما الغرض مثلاً من كتابي حق اليقين وحياة القلوب، وهما من الكتب الفارسية؟ التبليغ طبعاً. المرحوم النراقي [أيضاً] له كتاب فارسي، وبعد ذلك كانت هناك كتب أيضاً وبعضها حاضر في بالي الآن. مثلاً تفسير منهج الصادقين 13 وأمثاله بالفارسية. بالفارسية لِمَن؟ الفارسية ليست للعلماء والفضلاء وما إلى ذلك؛ إنها تبليغ لآحاد الناس. هذا يعني أن العلماء كانوا يولون أهمية لسنّة التبليغ. طبعاً، لم يسنح لي المجال [لأرى] ممن جاء المنبر والشكل التبليغي للمنبر؛ كنت أود أن أراجع لو كان في إمكاني، ولكن على سبيل المثال هذا الملا حسين كاشفي السبزواري في القرنين التاسع والعاشر، أو مثلاً واعظ القزويني في القرن العاشر - هو شاعر عظيم أيضاً - وما يحضر في بالي أن هؤلاء كانوا من أهل المنبر ويذهبون ويتحدثون، وكانت سنّة المنبر هذه منذ تلك الأزمنة. الملا حسين كاشفي هو صاحب روضة الشهداء والعزاء الذين نقرؤه في الحقيقة مأخوذ من كتاب ذلك الجليل. وكذلك لاحقاً علماء عظماء مثل الشيخ جعفر الشوشتري [كانوا من أهل المنبر]. الشيخ جعفر الشوشتري معروفٌ بالوعظ. إنه مُلّا وفقيه عظيم وبالطّبع كان من أهل المنبر. طبعاً، لا ينبغي الخلط بينه وبين الشيخ جعفر كاشف الغطاء. أو المرحوم الشيخ (محمد) رضا الهمداني الواعظ والمُلّا العظيم – مرة أخرى لا ينبغي الخلط بينه وبين الشيخ آقا رضا الهمداني صاحب مصباح الفقيه فهو شخص آخر - وصاحب هدية النملة إلى رئيس الملة كان واعظاً. في زماننا، كان المرحوم آميرزا ​​أبو الحسن القزويني، الفيلسوف الذي درسَ الإمامُ [الخميني] في شبابه مقداراً من الفلسفة عنده، مُلّاً عظيماً. لقد رأيت سماحته بنفسي. كان يصلي في صحن بمسجد طهران هذا، وكان يرتقي المنبر والناس يجلسون ويستمعون لمنبره. قبل سماحته، كان المرحوم الشاه آبادي 14، أستاذ الإمام – ونحن لم ندركه على أيّ حال - يرتقي المنبر في ذاك المسجد نفسه. هؤلاء لم يكونوا يرون ارتقاء المنبر منقصة للشأن. في مدينة مشهد نفسها، كان المرحوم الحاج الميرزا ​​حسين السبزواري، والمرحوم السيد حسن القمي 15، يرتقيان المنبر، أيْ كانت سنّة التبليغ، سواء أكانت على شكل كتابة، أم ارتقاء للمنبر، أم نظم للشعر، موجودة في الحوزات العلمية، وهذا يدلّ على أهميتها 16 17.