مجموع الأصوات: 10
نشر قبل سنة واحدة
القراءات: 1689

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

حرمة التغني بالقران

بعد السجال الذي شهدته الساحة اللبنانية في الفترة الأخيرة حول التغني بالقرآن الكريم، كان لابد من الوقوف أمام هذه المسألة لتبيان الرأي الشرعي من جهة، ومن جهة أخرى للرد على بعض من يعتبرون أنفسهم الفئة المثقفة والمستنيرة التي تريد الانطلاق مع ما تصل إليه من آراء فكرية من دون أن يردعها رادع أو يمنعها مانع.
المقدمة الأولى: لا بد من الاعتراف بأن القرآن كتاب هداية وإرشاد أنزله الله عز وجل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور من خلال صوره وآياته المتضمنة للقصص والعبر عن الأمم السابقة وما حل فيها من العذاب والعقاب الإلهيين نتيجة الكفر والإلحاد والانحراف عن الصراط المستقيم، كما يتضمن مصير الإنسان في الحياة الآخرة من خلال الحديث عن الجنة ونعيمها وعن النار وآلامها، ويتضمن أيضا أصول التشريع الإسلامي سواء في مجال العبادات والعلاقة مع الله، أو في مجال المعاملات والعلاقة مع البشر، وهذا كله على مستوى المحتوى والمضمون.
المقدمة الثانية: إن للقرآن أحكاما خاصة من جهة حرمة لمس آياته من دون طهارة، وحرمة رميه في الأماكن التي تعرضه للهتك، وحرمة حرقه كسائر الكتب، إلى غير ذلك من الأحكام الخاصة بهذا الكتاب المقدس، وهذا من حيث الشكل والصورة التي ينبغي للمسلمين أن يتعاملوا بها مع ذلك الكتاب الإلهي المصدر والنشأة.
فالمستفاد من المقدمتين إذن أن القرآن الكريم بما أنه كتاب إلهي النشأة والمصدر ينبغي أن تكون له قدسية واحترام لائق بحجم الدور المفترض له، وهذا بذاته يتنافى مع أي تعبير أو تعريف لا يكون منسجماً مع عظمة القرآن ومكانته عند الله والمسلمين قاطبة.
لذا نجد أنه على امتداد التاريخ الإسلامي الطويل، ومع شيوع الغناء حتى في العصور المتقدمة كزمن الأمويين أو العباسيين لم يجرؤ أحد على التعامل مع القرآن بطريقة تخالف قدسيته ومكانته ورمزيته الكبيرة جداً عند الأمة الاسلامية، لا من المسلمين ولا من غيرهم، ولم يثبت التاريخ حادثة واحدة تعرض فيها أحد للقرآن بأي أذىً أو سوء في هذا المجال، لأن القرآن كان منظوراً إليه عند كل أهل الأديان على أنه كتاب سماوي ويجب احترامه وتقديره ووضعه في المكان الصحيح كمقدس إلهي على حد سائر المقدسات كالأنبياء عليهم السلام والأماكن الشريفة كالمساجد.
وبما أن الغناء في الإسلام هو أمر محرم بحد ذاته كما ورد ذلك في القرآن الكريم نظراً لمفاسده الدينية والاجتماعية، فالتغني بالقرآن على هذا يجعل الحرمة مضاعفة لحرمة التعرض للقرآن بالغناء، وجعله كأي كلام عادي "نثرا" أو "شعرا" مما تعارف غناؤه من جانب المغنين والمطربين.
لذا نجد أن فقهاء المسلمين من كل المذاهب والتوجهات الفكرية أجمعوا على حرمة التغني بالقرآن ولو من المسلم فضلاً عن غيره، وهذا الحكم قطعي لا يقبل التأويل أو التبرير، والتغني بالقرآن هو هتك لحرمته وقدسيته، ولو أنكر المغني ذلك، لأن قصد المغني لا دخالة له في المقام حتى يقال بأنه إذا لم يقصد الهتك فلا يكون فعله حراماً، أما إذا قصده فقد فعل حراماً.
من هنا نقول بأن التغني بالقرآن حرام مطلقا ولا ينفع مع هذه الحرمة أي تبرير على الإطلاق، والتبرير هنا هو مجرد محاولة غير نافعة لتمرير ما حصل واعتباره أمراً عادياً مع أنه مس مشاعر المسلمين في لبنان وخارجه ممن وصلت إليهم هذه المسألة وكان تأثرهم بها بالغاً وقوياً.
واحتراما لقدسية القرآن وعظمة منزلته أمر الله عز وجل بقراءة خاصة له وهي"الترتيل"، أي القراءة المتأنية الواضحة وبالصوت الحسن والجميل وبطريقة تناسب شأن القرآن، وهذا ما شجع عليه الإسلام وما يراه المسلمون طوال تاريخهم، وهم قد أبدعوا في هذا المجال إلى الحد الذي صارت فيه قراءة القرآن مرتلاً وسيلة من وسائل تأثير هذا الكتاب الإلهي المقدس في النفوس والقلوب والعقول.
من هنا نعتبر أن الهجمة التي حاول بعض أدعياء الفكر والثقافة والاستنارة أن يشنوها دفاعاً عن حرية الرأي وعن حرية أي تصرف ولو كان يمس عقيدة الناس ومشاعرهم بالأذى هي هجمة في غير محلها، خاصة وأن أدعياء الثقافة هؤلاء قد وصلوا إلى مرحلة اليأس والإفلاس، ووجدوا في هذه القضية – تلحين القرآن- وسيلة من وسائل إعادة الاعتبار لأنفسهم وتوجهاتهم وآرائهم التي عفا عليها الزمن وتجاوزتها الظروف والأحداث.
ونختم كلامنا بالفتوى الصادرة عن ولي أمر المسلمين حول التغني بالقرآن حيث ورد استفتاء وجواب على النحو التالي:
س:هل يجوز مع قراءة القرآن عزف الموسيقى بغير الآلات المتعارف استعمالها في مجالس اللهو واللعب؟
ج: لا مانع من تلاوة آيات القرآن الكريم بصوت جميل وأنغام تناسب شأن القرآن الكريم، بل هو أمر راجح ما لم يصل إلى حد الغناء، وأما عزف الموسيقى معها فلا مبرر ولا وجه له شرعاً1.

  • 1. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد حفظه الله.