نشر قبل 3 أسابيع
القراءات: 205

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

شهر رجب مشروع تربوي

 

يمثّل شهر رجب البوابة الأولى لأهل المعرفة و السير إلى الله تعالى في خُطى الإيمان و بناء النفس أخلاقيا و روحيا ، فهو ليس مجرد مناسبة زمنية تشكّل صفحة في تقويم التاريخ يمر عليه الإنسان مرور الكرام ، بل هو ميدان يغترف من مدرسته القيمية ما يُثري شخصيته و يظهر على شكل سلوكيات تليق بإنسانيته و اللائق بتكريمه بالعقل الواعي ، و يأتي هذا الشهر الكريم ليُلقي بظلاله على علاقة الإنسان بربه و ضخّ روافد تقوّيها ، فالعبادات بمختلف أشكالها تنسج معالم الوعي و النضج و النظر الحذِر و ترقّب النتائج لكل ما يصدر عنه ، و كذلك على المستوى السلوكي تمتزج تصرفاته بمدرسة القيم الأخلاقية الرفيعة ، فأي فائدة يجنيها الفرد من بساتين شهر رجب أعظم من مسيره في طريق الهداية و الاستقامة ، فمن أحسَن استثمار هذا الشهر جعل منه نقطة تحوّل حقيقية في حياته و مسارا تصاعديا نحو الكمال الإنساني و القرب الإلهي ؛ لتكون ثماره حاضرة في الفكر و السلوك و الوجدان بنحو تقويم مستمر طوال العام .
يمثّل شهر رجب محطة روحية و معرفية مهمّة في مسيرة الإنسان الإيمانية ، إذ يُعدّ من الأشهر الحُرم التي اختصّها الله تعالى بفيض من الرحمة و البركة كما تظافرت بذلك الروايات الشريفة المبيّنة لمكانة شهر رجب الروحية ، و جعلها سبحانه ميدانا لإعادة بناء العلاقة معه على أساس الوعي و تهذيب النفس من الرذائل الأخلاقية و السلوكيات غير المقبولة ، فهو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات و تصحيح مسار النفس و الانفتاح على القيم الإلهية التي تُحيي القلب و تمنحه معنى الوجود الحقيقي .

و يؤكد علماء التربية و الأخلاق على أن السلوكيات لا تعتمد صفة الاستمرارية و الترسّخ دفعة واحدة و بشكل فجائي غير مسبوق ، فالقيم الإلهية التي يدعو إليها الدين كالصدق و الإخلاص و التواضع و العدل لا تُغرس في النفس دفعة واحدة بل تحتاج إلى مواسم تربوية تُهيّئ القلب لتلقّيها و شهر رجب من أبرز هذه المواسم ، ففي هذا الشهر تتجلّى الدعوة الإلهية للتوبة و الرجوع الصادق و الوقفة الجادة لمحاسبة النفس و تبيّن الأخطاء و أوجه التقصير ، كما في الروايات الشريفة التي تصفه بأنّه شهر الاستغفار حيث يُطلب من الإنسان أن يقف مع ذاته وقفة محاسبة فيراجع أفعاله و مواقفه و علاقاته ، و يُعيد بناء شخصيته على ضوء رضوان الله تعالى لا على أساس الأهواء و المصالح الضيّقة .
و التقرّب إلى الله تعالى في شهر رجب لا ينحصر في كثرة العبادات الشكلية فحسب دون النظر التأملي في القيم و المقاصد الداعية لتبلورها في شخصية الإنسان ، بل يتجلّى القرب الحقيقي في مسار عمق الوعي بمعانيها فالصلاة و الصيام المستحب و الأدعية و المناجاة و الاستغفار كلّها وسائل لتربية النفس و تهذيب السلوك و تحرير الإنسان من أسر الغفلة ، فالعبادة في هذا الشهر ينبغي أن تتحوّل إلى مشروع تربوي متكامل يستهدف مجمل جوانب شخصية الفرد الأخلاقية و المعرفية و الاجتماعية ، هدفه أن يخرج من مدرسة شهر رجب أكثر صفاء و أكثر قدرة على مجاهدة نفسه في شهر شعبان و أكثر استعدادا لاستقبال شهر رمضان و ما بعده بروح واعية و قلب حيّ ينبض بالقيم الأخلاقية و الروحية .