|
الذبيح
قصّة
سيدنا اسماعيل عليه السلام
كمال
السيد
هاجَر سيدنا
ابراهيم من أرض النهرين
، أخذ معه زوجته سارة و ابن خالته سيدنا لوط
( عليه السلام )،
ذهبوا إلى مملكة الاقباط ، و هناك أهدى الملك فتاةً اسمها هاجر إلى سارة
إكراماً لزوجة خليل الرحمن .
مضى سيدنا إبراهيم إلى فلسطين ، في الطريق و عندما وصلوا إلىقرية " سدوم "
على سواحل البحر الميّت أمر سيدنا إبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية و
يدعو أهلها إلى عبادة الله سبحانه .
أما سيدنا إبراهيم فقد واصل طريقه مع زوجته سارة و الفتاة هاجر إلى أرض
فلسطين .
رأى سيدنا إبراهيم وادياً جميلاً تحيطه الراوبي و التلال فالقى رحله هناك .
و منذ ذلك التاريخ و قبل آلاف السنين سكن سيدنا إبراهيم الأرض التي تدعى
اليوم بمدينة الخليل .
ضرب سيدنا إبراهيم خيامه في ذلك الوادي الفسيح و ترك ماشيته ترعى بسلام .
كان ذلك الوادي في طريق القوافل المسافرة ، لهذا كان يقصده الكثير من
المسافرين فيجدون عنده الماء العذب ، و الطعام الطيب و الكرم و الاستقبال
الحسن ، و يجدون عنده الكلمات الطيبة . .
كان سيدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه ، و كان همّه أن يعبد الناس الله الواحد
الأحد لا شريك له و لا معبود سواه .
و تمرّ الايام و الأعوام و عرف الناس إبراهيم الرجل الصالح الكريم . .
عرفوا أخلاقه و كرمه و حبّه للضيوف ، عرفوا صلاحه و عبادته و تقواه . و
عرفوا حبّه للخير و الناس .
البشرى :
و لكن من يدقق النظر في وجه سيدنا إبراهيم
( عليه السلام )يرى
حزناً في عينيه . . لماذا ؟ لان سيدنا إبراهيم يحبّ الاطفال .
كان يتمنّى ان يكون له طفل . .
و ها هو الآن قد أصبح شيخاً كبيراً و أصبحت زوجته عجوزاً و لم يرزقا طفلاً
يأنسا به و يملأ بفرحته خيمتهما ، أو يلعب مع الحملان و الخراف .
سارة زوجة سيدنا إبراهيم كانت تحبّ زوجها و لا تريد له أن يحزن ، لهذا قالت
له ذات مساء .
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفال و ذريّة .
قال سيدنا إبراهيم :
ـ انها مشيئة الله و إرادته و أنا راض بذلك .
قالت سارة المرأة الصالحة :
ـ أنا أحب أن يكون لنا طفل نرعاه و . . نحبّه و يحبّنا . .
ـ و لكن !!
ـ يا خليل الرحمن أعرف أنني قد أصبحت عجوزاً و لكن سأهب لك جاريتي هاجر . .
تزوّجها فلعلّ الله أن يرزقنا منها أولاداً .
قال إبراهيم :
ـ أنا لا أريد أن تحزني بسببي يا سارة .
ـ لن أحزن يا خليل الرحمن . . سأفرح بفرحك .
و هكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلى زوجها إبراهيم فتزوّج سيدنا إبراهيم . .

و لم تمض تسعة اشهر حتى سُمع بكاء الطفل . . وفرح الجميع بميلاد إسماعيل .
الرحيل :
وهب الله سبحانه إبراهيم ولداً هو إسماعيل . كان طفلاً محبوباً ملأ قلب
أبيه فرحاً ومسرَّة . لهذا كان يحتضنه ويقبّله و كان يقضي بعض أوقاته في
خيمة أمّه هاجر .
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّ سيدنا إبراهيم ، تحبّ أن يفرح زوجها . . و
لكنها بدأت تغار من هاجر . هاجر التي رزقت طفلاً أمّا هي فظلّت محرومة .
سارة لا تريد للغيرة أن تأكل قلبها . . لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر
بسبب ذلك . .
من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم : انها لا تريد أن ترى هاجر بعد الآن . .
لأنها اذا رأت هاجر فستغار منها وتحقد عليها وهي لا تريد أن تدخل النار
بسبب ذلك .
الله سبحانه رؤوف بعباده . . كانت سارة محرومة من الأطفال تحمّلت العذاب
والهجرة بسبب إيمانها بزوجها إبراهيم و هي صابرة طوال هذه السنين . . ظلّت
مؤمنة بربها و برسوله إبراهيم .
إلى
البيت العتيق :
و قضت مشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيم هاجر و ابنها إسماعيل إلى أرض
بعيدة في الجنوب .
امتثل سيدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهب اليه من
قبل ..
و سار إبراهيم مع زوجته هاجر ، ومعها إسماعيل الطفل الرضيع سارا أيّاماً
طويلة . . و في كل مرّة و عندما يرى سيدنا إبراهيم مكاناً جميلاً أو وادياً
معشباً كان ينظر إلى السماء ، كان يتمنّى أن يكون قد وصل المكان الموعود .
و لكن الملاك يهبط من السماء و يخبره باستئناف المسير .
و هكذا كان سيدنا إبراهيم يسير ويسير ومعه زوجته هاجر و هي تحمل طفلها
الرضيع .
و بعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن وادٍ ليس فيه سوى الرمال ،
وبعض شجيرات الصحاري الجافّة .
في ذلك المكان هبط الملاك و اخبر سيدنا إباهيم بانه قد وصل الأرض المقدسة .
نزل إبراهيم في ذلك الوادي . . كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر و
لا نبع و لا يعيش فيه إنسان .
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل و امّه في هذا المكان .
الوداع :
قبّل سيدنا إبراهيم طفله الوديع إسماعيل . . بكى من أجله .
على إبراهيم أن يعود و يترك هاجر و ابنها في هذا المكان الموحش بكى إبراهيم
من أجلها و هو يبتعد عائداً إلى فلسطين .
التفت هاجر حواليها لم تر شيئاً سوى الرمال وسوى صخور الجبال الصماء . .
قالت لزوجها :
ـ أتتركنا هنا . . في هذا الوادي الموحش ؟!
ـ لقد أمرني الله بذلك يا هاجر .
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت ان الله رؤوف بعباده ويريد لهم الخير و البركات
.
قالت لابراهيم :
ـ ما دام ان الله قد أمرك فهو كفيلنا و هو يرعانا . . انه لا ينسى عباده .
ابتعد إبراهيم بعد ان ودّع ابنه و زوجته .
وقف فوق التلال و نظر إلى السماء و ابتهل إلى الله أن يحفظهما من الشرور .
الماء
! الماء !
اختفى إبراهيم في الافق البعيد . لم تعد هاجر تراه ، أمّا إسماعيل فلم يكن
يعلم ماذا يجري حوله . .
فرشت هاجر لابنها جلد كبش ، وقامت لتصنع لها و لطفلها خيمة صغيرة .
كانت تعمل بكل طمأنينة ، و كأنها في بيتها . . كانت تؤمن أن هناك من يرعاها
و يرعى و ليدها . في النهار تجمع بعض الحطب و في المساء توقد النار و تصنع
لها رغيفاًً تتعشّى به ، و كانت تسهر معظم الليل و هي تنظر إلى السماء
المرصعة بالنجوم .
مضت عدّة أيام و هاجر على هذه الحال . . نفد ما معها من الماء . . لم يبق
في القربة حتى قطرة واحدة .
نفد الماء كلّه . . لم تبق منه قطرة واحدة . . الوادي الموحش يملأه الصمت .
راحت هاجر تدير بصرها في جنبات الوادي . . و لكن لا شيء ، ايقنت ان هذه أرض
جرداء خالية من الماء . . لم يمرّ بها انسان من قبل و لا يطير في سمائها
طائر . .
بكى إسماعيل الطفل الرضيع كان عطشاناً يبحث عن قطرة ماء . . انه لا يدرك ما
يجري حوله . .
لا يدري في أي مكان هو في هذه الأرض .
نظرت امّه اليه باشفاق . . ماذا تفعل . .من أين لها أن تأتي بالماء في هذه
الصحراء ؟!
فجأة تفجَّرت في قلبها إرادة الأمومة . . لابدّ ان تفعل شيئاً . . لا بد أن
يوجد في هذه الأرض ماء و لو قطرة . .
لعل في خلف هذا الجبل غدير أو نبع . . لعل خلف ذاك التلّ بئر حفره إنسان
طيّب من أجل القوافل المسافرة .
نهضت هاجر . . نظرت حواليها لتتأكد من عدم وجود ذئب أو ضبع يفترس ابنها
الرضيع . . لا شيء سوى شجيرات الشوك هنا و هناك . . ركضت هاجر باتجاه جبل
الصفا .
كانت تركض بعزم و أمل و كان هناك خوف في قلبها . . فقد يختطف الذئب صغيرها
الظامئ إسماعيل . .
كان صراخ إسماعيل يدوّي في أذنها . .

ارتقت هاجر قمّة الجبل . . فنظرت في الوادي . . رأت ما يشبه تموجات الماء .
. انحدرت باتجاه الوادي . .
و لكن لا شيء لم تكن هناك غير الرمال . . لقد كان مجرد سراب ما رأته في قلب
الوادي . .
عادت هاجر تركض نحو طفلها إسماعيل . . ما يزال يبكي يصرخ يريد ماءً . .
نظرت إلى جبل المروة في أمل . . لعل هناك ماءً . .
راحت تركض باقصى سرعة . . و كانت الرمال تتطاير تحت قدميها . .
تراءى لها ما يشبه الماء . . ركضت . . ركضت . . ركضت . . بسرعة . . و لكن
لا شيء سوى السراب . . انقطع بكاء إسماعيل غاب عن بصرها . .
عادت بسرعة . . رأته من بعيد يبكي . . ما يزال يطلب الماء . . و ربّما كان
يبحث عن أمّه . . كان خائفاً . .
راحت هاجر تعدو بين جبل الصفا و جبل المروة تبحث عن ماء لوليدها إسماعيل .
. سيموت من الظمأ ، سيموت من العطش . . نظرت إلى السماء صاحت من كل قلبها :
يا رب :
ارتقت جبل المروة غاب إسماعيل عن بصرها . . انقطع بكاؤه . . خافت هاجر
ربّما يكون قد مات . . ربّما افترسه ذئب جائع . .
أقبلت تعدو بكل ما أُتيت من قدرة رأت من بعيد إسماعيل هادئاً كان يحرّك
يديه و قدميه و كان هناك نبع قد تفجّر عند قدميه الصغيرتين .
نظرت هاجر إلى السماء و هي تبكي ، لقد استجاب الله دعوتها فتدفق الماء من
قلب الرمال . .
أسرعت هاجر لتصنع حوضاً حول الماء . . ليكون فيما بعد بئر زمزم التي يشرب
منها الظامئون .
قبيلة
جرهم :
شمّت الطيور رائحة الماء فراحت تدور حول النبع سعيدة . .
هاجر فرحت بمنظر الطيور البيضاء و هي تحلق في سماء الوادي .
إسماعيل أيضاً كان سعيداً و هو يراها تلعب في الفضاء .
كان السكان في تلك الصحاري يعيشون حياة الرحّل . . ذات يوم مرّت قبيلة جرهم
قريباً من الوادي فرأى الناس طيوراً تحلق في السماء . .
عرفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً . . لهذا توجهوا نحوه . .
عندما انحدرت قوافلهم في الوادي شاهدوا منظراً عجيباً لم يكن هناك سوى
امرأة مع ابنها الرضيع . .
قالت لهم المرأة : أنا هاجر زوجة إبراهيم خليل الرحمن .
كان افراد قبيلة جرهم أُناساً طيبين . . قالوا لهاجر :
ـ هل تسمحين لنا في السكن في هذا الوادي ؟
السيدة هاجر قالت لهم : حتى استأذن لكم خليل الرحمن .
ضرب أفراد جرهم خيامهم قريباً من الوادي ريثما يأتي سيدنا إبراهيم
فيستأذنوه . .
جاء سيدنا إبراهيم و رأى مضارب الخيام . . رأى قطعان الماشية و الجمال لهذا
فرح بقدوم تلك القبيلة العربية .
و منذ ذلك الوقت استوطنت قبيلة جرهم الوادي وعاش إسماعيل و هاجر حياة طيبة
. .
أفراد القبيلة قدّموا لاسماعيل كثيراً من الخراف ، و ضربوا له و لوالدته
خيمة جميلة تقيهم حرّ الشمس في الصيف و تحميهم من المطر في الشتاء . .
كبر إسماعيل و تعلّم لغة العرب . . كان فتى طيباً ورث أخلاق أبيه إبراهيم
وتأثَّر بأخلاق العرب الطيبين تعلّم منهم الكرم و الضيافة و الشجاعة و
الفروسية .
الكعبة . . رمز التوحيد
الله ربّنا أمر سيدنا إبراهيم
( عليه السلام )
أن يبني بيتاً و مسجداً يكون رمزاً للتوحيد و مكاناً لعبادة الله .
قال سيدنا إبراهيم لولده :
إنّ الله يامرني أن ابني بيته فوق هذا التل الصغير !
لبّى إبراهيم أمر الله و لبى إسماعيل دعوة أبيه إبراهيم لبناء بيت الله .
كان على إبراهيم الشيخ الكبير و إسماعيل الفتى أن ينهضا بهذه المهمة الشاقة
.
عليهما أولاً أن ينقلا الصخور المناسبة للبناء من الجبال المحيطة بالوادي .
و كان عليهما أن يجمعا التراب و يوفرا الماء الكافي لصنع " الملاط " اللازم
في بناء البيت .
و هكذا بدأ البناء نقلوا أوّلاً الصخور من الجبال المحيطة بالوادي و صنعا
حوضاً للماء و جمعا التراب .
كان الفتى إسماعيل يتولّى حمل الصخور . . كان ينتخب الصخور الصلبة لتكون
أساساً قوياً في البناء . .
جمع كثيراً من الصخور الخضراء اللون . . ثم صبَّ الماء في حوض التراب ليصنع
طيناً لزجاً يشدّ الصخور إلى بعضها .
كان سيدنا إبراهيم يرصف الصخور الخضراء الواحدة بعد الاخرى ليبني أساس
البيت . .
أمّا إسماعيل فكان يناول أباه الصخور . .
في كل يوم كانا يبنيان سافاً واحداً ، ثم يعودا في اليوم التالي لبناء ساف
آخر و هكذا .
في كل يوم كان البناء يرتفع قليلاً . . و في كل يوم كان إبراهيم و إسماعيل
يطوفان حول البناء و يقولان : ربّنا تقبل منّا انك أنت السميع العليم .
ارتفع البناء في الفضاء تسعة أذرع أي ما يقرب من الثمانية أمتار رأى سيدنا
إبراهيم فراغاً في زارية البيت العليا .
في تلك الليلة كانت الشهب تتوهّج في السماء و سقط نيزك فوق سفوح الجبال
القريبة .
في الصباح انطلق سيدنا إبراهيم إلى الجبل المطلّ على الوادي وقعت عيناه على
حجر ابيض مثل الثلج كان حجراً بحجم الفراغ . . لهذا حمله سيدنا إبراهيم و
وضعه في مكانه .
انتهى بناء البيت . . بيت الله الحرام ليكون أول بيت يعبد فيه الله وحده لا
شريك له .

كان للكعبة بابان باب باتجاه الشرق ، وباب باتجاه الغرب جمع سيدنا إبراهيم
نباتاً طيب الرائحة يدعى " الأذخر " فوضعه على الباب ، وجاءت هاجر أم
إسماعيل و أهدت إلى الكعبة كساءً .
الحج
الابراهيمي :
انطلق سيدنا إبراهيم إلى الجبل و ارتقى القمّة ثم هتف بأعلى صوته يدعو
الاجيال البشرية إلى حج البيت العتيق .
سمعت قبيلة جرهم و القبائل العربية المجاورة نداء إبراهيم خليل الرحمن .
لم يحج ذلك العام سوى سيدنا إبراهيم و إسماعيل و هاجر .
هبط الملاك جبريل يُعلّم سيدنا إبراهيم مناسك الحج .
اغتسلوا بمياه زمزم و ارتدوا ثياباً بيضاء ناصعة و بدأوا طوافهم حول الكعبة
سبع مرات ، و أدّوا الصلاة و دعوا الله أن يتقبل منهم أعمالهم . .
و بعدها انطلقوا لقطع الوادي بين جبلي الصفا و المروة و تذكرت هاجر تفاصيل
ذلك اليوم قبل أكثر من اثني عشر عاماً عندما كان إسماعيل صبياً في المهد .
تذكّرت بكاءه و بحثها عن الماء . . تذكّرت كيف قطعت هذا الوادي الموحش سبعة
أشواط تبحث عن الماء و كيف توجهت بقلبها إلى السماء ؟
و كيف تدفق الماء عند قدمي إسماعيل ؟!
الله ربّنا أراد لهذه الحوادث ان تبقى في ذاكرة البشر ، يتذكّروا دائماً ان
الله سبحانه هو وحده القادر على كل شيء .
صعد سيدنا إبراهيم و ابنه إسماعيل جبل الصفا و نظر إلى بيت الله بخشوع و
هتفا :
ـ لا اله الاّ الله وحده لا شريك له . . له الملك و له الحمد يحيي و يميت و
هو على كل شيء قدير .
القربان :
هبط الملاك جبريل و أمر سيدنا إبراهيم ان يتزوّد بالماء ثم يذهب إلى جبل
عرفات و منى ، و من ذلك الوقت سمّي يوم الثامن من ذي الحجة الحرام بيوم
التروية .
أمضى سيدنا إبراهيم ليلته هناك . . نظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم .
نظر إلى ما خلق الله من الكواكب التي تشبه المصابيح فسجد لله الخالق البارئ
المصور له اللاسماء الحسنى يحيي ويميت و هو على كل شيء قدير .
أغمض سيدنا إبراهيم عينيه و نام . . في عالم المنام رأى سيدنا إبراهيم
شيئاً عجيباً!!
رأى نفسه يذبح ولده إسماعيل . . إنتبه من نومه . .كانت السماء ما تزال
زاخرة بالنجوم و رأى ابنه نائماً عاد سيدنا إبراهيم إلى نومه . .
مرّة أخرى تكررت ذات الرؤيا . . رأى نفسه يذبح ابنه و يقدمه قرباناً إلى رب
العالمين !!
استيقظ سيدنا إبراهيم و قد انفلق عمود الفجر . . توضأ و صلى . . و استيقظ
إسماعيل فتوضأ و صلى طلعت الشمس و غمرت التلال بالنور .
كان سيدنا إبراهيم حزيناً . . ان الله عزوجل يمتحنه مرّة أخرى . . يمتحنه
هذه المرّة يذبح ابنه . . ماذا يفعل ؟
لو أمره الله سبحنه بان يقذف نفسه في النار لفعل ، و لكن ماذا يفعل في هذه
المرّة عليه أن يذبح ابنه ؟! ترى ماذا يفعل ؟ هل يخبر ابنه بذلك هل يذبحه
عنوة و اذا أخبر ابنه هل يقبل ابنه بالذبح ، هل يتحمل إسماعيل آلام الذبح
؟
إسماعيل رأى أباه حزيناً فقال له :
ـ لماذا أنت حزين يا أبي ؟
قال سيدنا إبراهيم :
ـ هناك أمر أقلقني . . يا بني إنّي ! أرى في المنام أنّي أذبحك فماذا ترى ؟
أدرك إسماعيل أن الله سبحانه يأمر رسوله إبراهيم أنّ يضحي بولده . .
إسماعيل كان يحب أباه كثيراً يعرف أنّ أباه لا يفعل شيئاً الاّ بأمر ربّه .
. انه خليل الرحمن الذي امتحنه الله عندما كان فتى في بابل و حتى بعد أن
أصبح شيخاً كبيراً .
عرف إسماعيل أن الله يمتحن خليله إبراهيم . . لهذا قال له :
ـ يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين .
سيدنا إبراهيم فرح بذلك كان إسماعيل ولداً بارّاً مطيعاً و مؤمناً بالله و
رسوله .
الذبيح :
أخذ سيدنا إبراهيم مدية و حبلاً و ذهب إلى أحد الوديان القريبة . .
كان إسماعيل يرافق أباه ساكتاً يهيّأ نفسه للحظة الذبح ويدعو الله أن يمنحه
الصبر لتحمل الآلام في سبيله . .
هاجر عندما رأت سيدنا إبراهيم و إسماعيل قد انطلقا نحو الوادي فكّرت انهما
ذهبا لجمع الحطب . .
وصل سيدنا إبراهيم و إسماعيل الوادي . .
نظر إسماعيل إلى أبيه كانت عيناه مليئتان بالدموع . . هو أيضاً بكى من أجل
ابيه الشيخ ـ فأراد أن ينهي الأمر بسرعة قال لأبيه :
ـ يا أبي احكم و ثاقي ، و اكفف ثيابك حتى لا تتلطخ بالدم فتراه أمي . . يا
أبي و اشحذ السكين جيداً و أسرع في ذبحي فان آلام الذبح شديدة .
بكى سيدنا إبراهيم و قال :
ـ نِعْمَ العون أنت يا بني على أمر الله .
أحكم سيدنا إبراهيم الوثاق على كتفي إسماعيل . . كان إسماعيل مستسلماً
تماماً لأمر الله .
اغمض عينيه . . سيدنا إبراهيم أمسك بجبين ولده و أحناه إلى الارض .
جثا إسماعيل الفتى بهدوء كان يودع الحياة ، يودع أمه و أباه . . وضع سيدنا
إبراهيم السكين على عنق إسماعيل . . لحظة واحدة و ينتهي كل شيء .
ماذا حصل في تلك اللحظات المثيرة ؟! هل ذُبح إسماعيل ؟ كلاّ .
سمع سيدنا إيراهيم نداءً سماوياً . . يأمره بذبح كبش فداءً لاسماعيل . .
نظر سيدنا إبراهيم إلى جهة الصوت . . فرأى كبشاً سميناً ينزل من فوق قمة
الجبل . . كان كبشاً أملح له قرون !
حلَّ سيدنا إبراهيم الوثاق عن ابنه إسماعيل . . ثم قدَّم الكبش و ذبحه باسم
الله و قدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم .
و من ذلك اليوم أصبح تقديم الاضاحي من مناسك الحج .

المسلمون في كل مكان يذهبون لزيارة بيت الله . . البيت الذي بناه إبراهيم و
إسماعيل لعبادة الله . . يطوفون حوله و يمجّدون اسمه . . و يسعون بين الصفا
و المروة كما سعت هاجر من قبل ، و يُقدِّمون القرابين كما قدّم إبراهيم
قرباناً من قبل . . يفعلون ذلك لأنهم على دين إبراهيم و دين سيدنا إبراهيم
هو دين الاسلام الحنيف .
أنا
ابن الذبيحين :
هل تعلمون من قال هذه العبارة ؟
إنّه سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
لماذا ؟ لان سيدنا محمد من ذريّة إسماعيل
( عليه السلام )
فقد عاش سيدنا إسماعيل
( عليه السلام )
و تزوّج و أصبحت له ذرّية . .
و من ذرّيته عبد المطلب جدّ سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
و هو الذي حفر زمزم و في عهده هاجم الجيش الحبشي مكّة لتدمير الكعبة فدعا
عبد المطلب الله سبحانه أنا يحمي البيت الحرام من شرّ الأعداء و استجاب
الله دعاء حفيد إبراهيم و إسماعيل و أرسل طيراً أبابيل قصفت جيش ابرهة
الحبشي و مزقته . .
دعا عبد المطلب الله سبحانه ان يرزقه عشرة بنين و نذر إن رزقه الله ذلك أن
يذبح أحدهم قرباناً لله . .

الله سبحانه رزق عبد المطلب عشرة أبناء . . فقال عبدالمطلب :
ـ لقد رزقني الله عشرة أبناء و عليّ أن أفي بالنذر .
اقترع عبد المطلب بين بنيه العشرة فخرجت القرعة على عبد الله والد سيدنا
محمد
( صلى الله عليه و آله )
فأراد عبد المطلب أن يذبح ابنه وفاءً بنذره .
أهل مكّة كانوا يحبّون عبد الله كثيراً لهذا قالوا لعبد المطلب : لا تذبح
إبنك و اقرع بينه و بين الابل . . و اعط ربّك حتى يرضى . .
و هكذا كان عبد المطلب بقرع بينه و بين عشرة من الابل فتخرج القرعة على عبد
الله حتى أصبح عدد الابل مئة و عندها خرجت القرعة على الابل . . لقد رضي
الله بالفداء .

فأمر عبدالمطلب بالابل ان تنحر و أن يوزع لحومها على الفقراء و الجياع .
لقد كان عبد الله على وشك أن يذبح و لكن الله رضي بفدائه فهو كإسماعيل الذي
افتداه الله بذبح عظيم .
لهذا كان سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
يقول : أنا ابن الذبيحين ، لأنه ابن عبد الله بن عبد المطلب الذي هو من
ذريّة ذبيح الله إسماعيل .
و اليوم عندما يذهب المسلمون كل عام إلى مكّة لأداء مراسم الحج فانهم
يتذكرون جميعاً قصة إسماعيل ذلك الفتى البار المطيع لله و لرسوله .
بسم الله
الرحمن الرحيم
{ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا
آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
* فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ
أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ
ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ
أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ *
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا
بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ
إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ *
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ
مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء
اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *
وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء
الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي
الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ }
.
|