تحت إشراف

سماحة الشيخ صالح الكرباسي

 

هل تعلم :

 

 
 
 

 

 

أضف بريدك لقائمتنا البريدية

اشتراك إلغاء الاشتراك

اتصل بنا

ارتباطات

تسديد الحقوق الشرعية

لا تبخل علينا برأيك

آراء نعتزّ بها

أيها الصدّيق !

" قصة سيدنا يوسف ( عليه السلام ) "

كمال السيد

بلغ سيدنا ابراهيم من العمر مئة عام ، و كان عمر زوجته سارة تسعين سنة . . هو شيخ طاعن في السن ، و هي إمرأة عجوز .

ليس عندهما اطفال و لا أولاد .

فاسماعيل ابنه عمره أربعة عشر سنة و هو في مكّة ، و كان ابراهيم يزوره بين عام و آخر .

تذكرون يا أعزّاءنا في قصة سيدنا لوط . . تذكرون الضيوف الثلاثة الذين جاءوا لانقاذ لوط من تلك القرية الفاسدة التي كانت تعمل المنكر . .

و تذكرون انهم مرّوا أولاً بسيدنا ابراهيم . . لقد حزن سيدنا ابراهيم من أجل قوم لوط و ما ينتظرهم من المصير الأسود بسبب أعمالهم . .

الله ربّنا و حتى يدخل الفرح في قلب ابراهيم بشّره بولد من سارة . . ولد اسمه اسحاق . . سيكون نبياً من الانبياء  . و سيكون من إسحاق ولد هو الآخر سيكون نبيّاً له شأن .

سارة سمعت البشرى فشعرت بالدهشة . . قالت :

ـ كيف ألد و أنا عجوز و هذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيء عجيب ؟!

الملائكة قالت :

ـ لا تعجبي من أمر الله . . ان الله قادر على كل شيء . .

وهكذا حدثت المعجزة . .

المرأة العجوز التي بلغت التسعين من العمر تنجب صبياً هو اسحاق النبي . . كان انساناً كريماً . .

سيدنا ابراهيم ابتهج بمولده لان في سلالته أنبياء كثيرون يحملون رسالة التوحيد و النور للناس جميعاً .

فنشأ اسحاق و حمل ميراث ابراهيم . . حمل رسالة الله و كان أميناً في تبليغها مثل كل الانبياء . .

وتحققت بشارة الملائكة فقد رزق اللهُ اسحاق صبياً هو يعقوب . .

الله سبحانه بارك في آل ابراهيم . . أصبح يعقوب نبياً ، فحمل الأمانة و نهض بحمل الرسالة .

وتزوّج سيدنا يعقوب فرزقه الله عشرة بنين : شمعون ، لاوي ، راوبين ، يهوذا ، يساكر ، زوبولون ، دان ، نفتالى ، جادو ، أشير .

ثم تزوج سيدنا يعقوب من راحيل ابنة خاله فولد يوسف ثم شقيقه بنامين .

و هكذا اصبح لسيدنا يعقوب اثنا عشر ولداً . .

عاش آل ابراهيم في أرض فلسطين . . تلك الأرض الطيبة المليئة بالمروج الخضراء و المراعي و أشجار الزيتون .

كان سيدنا يعقوب كأبيه اسحاق و جدّه ابراهيم خليل الرحمن كريماً يساعد الفقراء و يكرم الضيوف و الغرباء . .

لهذا كان سيدنا يعقوب يذبح في كل يوم كبشاً فيطعم من لحمه الفقراء و يأكل هو و عياله منه .

وكان هناك رجل صالح اسمه دميال ، دميال كان رجلاً فقيراً و كان ذلك اليوم صائماً . . لم يكن عنده طعام لافطاره كان ينتظر أن يبعث يعقوب إليه بالطعام . .

سيدنا يعقوب كعادته ذبح كبشاً و وزع لحمه على الفقراء و تعشى هو و عياله منه ، و باتوا ليلتهم تلك شباعاً .

اما الرجل الفقير دميال فقد نام جائعا و نوى الصوم في الغد .

كان دميال ذلك اليوم صائما و ضاعف ألم الجوع أنه لم يجد شيئاً يفطر به في العشاء . . نام جائعاً . . تحمّل آلام الجوع و نام . .

الرؤيا :

و في تلك الليلة بدأت حوادث القصة المثيرة التي وقعت قبل آلاف السنين .

كان يوسف قد بلغ من العمر تسع سنين . . فتى جميل يشع النور من عينيه ، قلبه مفعم بالطهر . .

كان جماله يتلألأ في وجهه . . في عينيه التي تشعان صفاءً .

من أجل هذا أحبّه أبوه كما لم يحبّ أحداً غيره .

سيدنا يعقوب كان يتوسّم فيه النبوّة ربّما يختاره الله نبياً من بعده . .

كان يوسف جميلاً ليس في وجهه فقط بل في روحه و اخلاقه و صفاته .

عندما يراه المرء يشعر أنه أمام ملاك هبط من السماء لهذا كان محبوباً من الجميع . .

وكان أعظمهم حبّاً له أبوه يعقوب . . كان يوسف طاهراً طهر قطرات الندى ، و كانت عيناه صافيتين صفاء السماء و كان وجهه يتألق كالنجوم .

من أجل هذا حسده اخوته العشرة . . في البداية حسدوه ثم حقدوا عليه . . و بعدها كانوا يتمنون له الموت ، و ربّما خطّطوا للتخلص منه .

في تلك الليلة أغمض يوسف عينيه و هو غافل عمّا يحوك اخوته من دسائس و مؤامرات .

ورأى يوسف حلماً عجيباً . . رأى أحد عشر كوكباً و رأى الشمس و القمر . . رأى الجميع يسجدون له . .

كان مشهدا رائعاً يبهر الناظر . . شعر يوسف أنّ تلك الكواكب و أن الشمس و القمر لها شعور و ادراك و أنها جاءت بارادتها لتسجد له و تخضع عند قدميه !!

أمرٌ عجيب . . تعجّب يوسف . . و أحسّ أن تلك الأجرام السماوية المنيرة تبتسم له و  تمجّده .

أضاءت الرؤيا قلبه . . و هزّت وجدانه . . و استيقظ يوسف . . و ما تزال الرؤيا تهيمن على مشاعره و أحاسيسه . .

كانت الرؤيا تملأ قبله و صدره و كيانه . . و كانت صور الكواكب و الشمس و القمر تتراءى له لكأنها ماتزال ماثلة أمامه .

هزّت الرؤيا وجدانه لأنه لا يعرف تفسيرها حار في تعبيرها لهذا جاء الى أبيه و قال :

ـ { يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }.

يا أبي رأيتهم اجتمعوا جميعاً ثم سجدوا . . شعرت ان تلك الكواكب كانت تدرك ما تفعل . . شعرت انها تبتسم لي ، ثم سجدت أمامي بخضوع .

أصغى سيدنا يعقوب باهتمام الى رؤيا يوسف . . ادرك أن ليوسف شأن في المستقبل . . شأن عظيم . .

قال لابنه باشفاق :

ـ { يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }.

يابني لا تخبر إخوتك بهذه الرؤية العجيبة . . لانهم سوف يحسدونك و قد يوسوس الشيطان في انفسهم . .

ان الله سبحنه يا يوسف سوف يختارك لابلاغ رسالته . . و سوف يعلمك تعبير الرؤى و الأحاديث . . سيباركك الله يا ولدي كما بارك آباءك من قبل . . ابراهيم و إسحاق و كما بارك آل يعقوب .

المؤامرة :

تضاعف الحسد في نفوس الإخوة العشرة . . و ازداد حقدهم على يوسف . . ربما سمعوا بالرؤيا ! أو لعلّهم رأوا حبّ ابيهم يزداد أكثر فأكثر . . .

كانوا يذهبون كلّ يوم إلى البوادي لرعي الماشية ، و كانوا يفكرون في شيء واحد فقط هو : كيف يتخلصون من يوسف ؟

الشيطان وسوس في نفوسهم فكّروا في قتله . . و لكن كيف ؟!

الشيطان وسوس في صدورهم قالوا : نأخذه معنا إلى المراتع ثم نتخلّص منه !

وهكذا كانت المؤامرة .

مرّت أيام و هم يتظاهرون بحبِّ يوسف . . يبتسمون له و يحبّبون له الذهاب معهم الى الفلاة ، يلعب في تلك المروج الجيملة .

كان يوسف بريئاً طيباً و كان طاهراً طهر قميصه الأبيض الجميل .

لهذا صدّقهم صدّق حبّهم الكاذب و أحبّ الذهاب معهم الى البادية تلك الأرض الواسعة و الآفاق الجميلة و المروج الخضراء .

ولكن سيدنا يعقوب كان يخاف على ولده الغدر كان لا يسمح له بالذهاب .

ذات مساء جاء الأخوة العشرة من الفلاة . . ابتسموا ليوسف قالوا له :

ما أجمل تلك المراتع و المروج ! ما أجمل تلك الفلوات . . لقد استمتعنا كثيراً و لعبنا كثيراً لماذا لا تأتي معنا يا يوسف ؟

يوسف كان يحب الذهاب ، و لكنه أيضاً كان يُطيع أباه و هو لا يفعل شيئاً دون أذنه .

أُخوة يوسف العشرة قالوا :

سوف نتحدث مع والدنا ليسمح لك بالذهاب معنا . .

و فرح يوسف .

جلس الجميع حول مأدبة العشاء ، و تناولوا طعامهم بصمت ، و كان الأخوة العشرة وحدهم يتبادلون نظرات ذات معنى .

كانوا قد نسجوا مؤامرة دنيئة كما تنسج العنكبوت بيتها المخيف .

في البداية ابتسموا و تظاهروا بحبّ يوسف و قالوا لأبيهم :

ـ { يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ }.

نحن نحبّ يوسف يا أبانا . . نحبّه كثيراً .

{ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .

يا أبانا دعه ينطلق معنا في الغد إلى المراتع ليلعب و يلهو . . سنحافظ عليه و نردّه سالماً .

كان يعقوب لا يرغب بذهاب يوسف مع أخوته انهم يحسدونه و قد يخدعهم الشيطان فيغدروا به .

لهذا قال لهم بحزن :

ـ { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ }.

يا أولادي أنا أُحبُّ يوسف . . انه ما يزال صغيراً و قد تغفلوا عنه و الذئاب كثيرة فيفترسه ذئب .

قال أبناؤه العشرة :

ـ نحن عشرة فتيان فكيف يأكله الذئب ؟! سنحافظ عليه كالرجال الاقوياء ، و { لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ }.

و أقسم الأخوة العشرة على أن يحافظوا على يوسف حتى يردّوه سالماً .

سكت يعقوب ( عليه السلام ) و لم يقل شيئاً و أدرك الجميع انه قد رضي بقضاء الله .

الذئاب البشرية :

طلع الفجر و استعدّ الاخوة العشرة للانطلاق الى البوادي البعيدة حيث المروج الخضراء و الفلوات و النسائم الطيبة .

و جاء يوسف مبتهجاً بذهابه معهم .

كانوا يبتسمون له فتضاعف حبّه لهم . كان يوسف مثل ملاك ليس في قلبه الطاهر سوى المحبّة و الرحمة و الطيبة .

و هكذا انطلق الجميع يسوقون الماشية .

وعندما أمعنوا في الفلاة و غابت عن العيون مضارب الخيام غابت تلك الابتسامات الكاذبة . . ذابت كما يذوب الملح في المياه .

جاء يهوذا و صفع يوسف بشدّة و صاح به :

ـ اسرع يابن راحيل !

تعجب يوسف لهذه العمل . . نظر إلى أخيه بدهشة . . تصوّر انه يمزح معه . . و لكن لا إنّ عينيه تبرقان بالشرّ ، و قد ظهرت أسنانه مثل أنياب ذئب متوحش . .

شعر يوسف بالخوف . . و أسرع في مشيه . . فوجئ بركلة من أخ آخر !! سقط على وجهه و نظر ألى من ركله كان شمعون .

قال يوسف بألم !:

ـ لماذا يا شمعون ؟ أنا أخوك . . أنا ابن يعقوب .

صاح راوبين :

ـ اسكت لا تتفوه أبداً أنت ابن راحيل . .

بكى يوسف خنقته العبرة قال لهم :

ـ انا أخوكم . . انا يوسف .

تحلّقوا حوله جميعاً و صاحوا :

ـ بل أنت عدوّنا . . عدوّنا الذي استحوذ على قلب يعقوب .

برقت العيون بالشرّ و استلّ أحدهم خنجره ليقتله ركض يوسف لا يدري أين يذهب . . .

ركضوا وراءه و امسكوا به . . انهالوا عليه بالضرب . . نزف من أنفه الدم .

تبادل الاخوة العشرة النظرات . .

قال أحدهم :

ـ ماذا تنتظرون . . هذه فرصتنا للتخلّص منه .

قال آخر بصوت يشبه فحيح الافاعي :

ـ لنأخذه الى مكان بعيد و نرميه . . و هناك تفترسه الذئاب و تريحنا منه .

اعترض بعضهم قائلاً :

ـ و ربّما استطاع العودة فيفضحنا أمام أبينا .

قال شمعون :

ـ اصغوا اليّ . . نذهب به الى طريق القوافل . . هناك بئر عميقة الغور . . نلقيه في البئر . . فامّا أن يموت فيها أو تنتشله القوافل و تأخذه بعيداً سوف يباع و يشترى مثل كل العبيد .

اصغى الجميع باهتمام الى خطة شمعون ، و برقت العيون بتلك المؤامرة الدنيئة .

تحوّل الأخوة الى ذئاب لا تعرف غير الغدر ، و ظلّ يوسف ينظر الى أخوته بدهشة . . تصوّر في حلم مخيف . . و لكن . . لا لا . . انها الحقيقة . . ان اخوته يتآمرون عليه منذ وقت طويل .

و أخيراً تمكّنوا من تحقيق هدفهم . . جاءوا به الى هذه الصحراء حتى لا يشاهدهم أحد . . و حتى لا يعرف أحد ماذا فعلوا بيوسف !!

نظر يوسف الى السماء . . تساءل في نفسه . . ألا يدري إخوته ان الله يراقبهم جميعاً و يعرف حتى أسرارهم ؟!

سمعهم يقولون :

ـ سوف نتوب من فعلتنا و نصبح قوماً صالحين !

في أعماق البئر :

يوسف حتى تلك اللحظة لم يصدّق ما يفعله أخوته به . .

ولكن عندما وجد نفسه على حافّة البئر ادرك ان الشيطان قد تمكّن من أخوته ، و قد تحولوا الى ذئاب بشرية لا رحمة في قلوبها .

جرّدوه من قميصه الذي أهداه ابوه اليه . . قميصه الأبيض الجميل . .

كان يوسف يهتف بهم :

ـ أنا أخوكم . . أريد أن أعود الى أبي و أمّي و خيمتي . . أنا أحبكم يا أخوتي لماذا تفعلون بي هكذا . . احقاً تلقوني في هذا البئر المظلم . . شمعون .. راوبين . . يهودا ؟!

راح يوسف يناديهم باسمائهم . . و لكن لا أحد في قلبه رحمة لأخيه . .

اندفع بعضهم و راح يركله بقوة و أخيراً ضعفت مقاومته و لم يستطع أن يتشبث بحافة البئر فهوى الى الأعماق المظلمة . .

الهواء داخل البئر كان رطباً و الفضاء كان مظلماً و كان يوسف ينظر الى فوهة البئر . . كان ينظر السماء الزرقاء الصافية .

شعر يوسف ان قلبه يمتلأ بالنور و أن ملاكاً يحدّثه بهدوء يقول له : اصبر يا يوسف . . لسوف تخرج من هذه البئر و سوف تخبر اخوتك هؤلاء بما فعلوا بك . .

غادر الخوف قلب يوسف . . لقد كان مؤمناً بالله و كان واثقاً بان ما حصل هو امتحان له . . لهذا صبر يوسف و كان ينتظر ما يجري بهدوء .

الصمت يغمر المكان . . يوسف هو الآن في البئر جالس فوق الصخرة التي ينبع من تحتها الماء . .

كان ينظر السماء و شيئاً فشيئاً تلاشت الزرقة . . ادرك ان الشمس قد غابت و أن إخوته سيعودون . . فبكى من أجل ابيه . . و نام يوسف . . .

الحزن الطويل :

غابت الشمس و ما يزال الإخوة العشرة يفكرون بعذر مقبول يقدّمونه الى أبيهم . .

قال أحدهم ان الأرض مليئة بالذئاب . . فنقول له ذهبنا نتسابق و تركنا امتعتنا عند يوسف فجاء الذئب و افترسه . . ثم نعطيه قميص يوسف بعد أن نلطخه بالدم .

في ذلك اليوم انجبت نعجة حملاً صغيراً . . و حتى لا يشك بهم أبوهم ذبخوا الحمل الصغير أمام أمّه دون رحمة . . و لطخوا قميص يوسف بدمه . .

وهكذا عادوا الى أبيهم . .

كان الظلام قد غمر الارض . . اختاروا العودة في الظلام حتى لا يرى يعقوب علامات الكذب في وجوههم .

كان سيدنا يعقوب واقفاً ييتظر عودة أبنائه من بعيد سمع أصوات الماشية وسمع صوت بكاء . .

وشيئا فشيئاً لاح له أبناؤه . . ولكن يوسف لم يكن معهم جاءوا جميعهم إلاّ يوسف . .

رآهم يبكون بصوت عال . . يبكون بلا دموع . .

سأل يعقوب :

ـ أين أخوكم يوسف ؟

أزداد بكاؤهم . . و قدَّم شمعون قميص يوسف المطلخ بدماء المؤامرة الدنيئة ، قال لأبيه :

ـ ذهبنا نتسابق و تركنا أمتعتنا لدى يوسف . . فجاء ذئب و افترس يوسف . . وجدنا قميصه الدامي . . يا أبانا لقد أكل الذئب يوسف في غفلة منا .

فنظر يعقوب الى القميص كان سالماً ليس فيه شق واحد ، أدرك ، يعقوب انهم يكذبون عليه . .

قال و هو يبكي :

ـ ما أرأف ذلك الذئب . . أكل حبيبي يوسف و لم يشق له قميصاً !!

تبادل الاخوة العشرة النظرات . . قالوا في أنفسهم ما أغبانا كيف غفلنا عن هذا الأمر لو أننا مزقنا القميص لصدقنا أبونا .

ولكنهم و بدل أن يعترفوا بجريمتهم قالوا :

ـ أنت لا تصدقنا يا أبانا . . مع اننا لا نكذب أبداً . لقد أكل الذئب يوسف ، و هذا قميصه الدامي !

بكى يعقوب هملت عيناه بالدموع و قال :

{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }.

قال يعقوب سأصبر سأتحمل و أنا اعرف أنَّّ نفوسكم قد وسوست لكم .

في تلك الليلة لم ينم سيدنا يعقوب كان يفكر في شيء واحد فقط هو : اين يوسف ابنه الطاهر . . ولده الطيب المبارّ ؟ و منذ تلك الليلة بدأ حزن يعقوب الطويل .

لؤلؤة في البئر :

الله سبحانه لم يترك يوسف وحيداً ، هو مع كل الناس الطييبين . . كان يوسف حزيناً و لكن كان صابراً يعرف إن ما حدث هو امتحان له . . لهذا كان ينظر الى السماء و يتمتم بكلمات الحمد .

رأى يوسف في عالم الرؤيا أحد عشر كوكباً و رأى الشمس و القمر رآهم يهبطون الى داخل البئر ، فامتلأ نوراً . . رآهم يبتسمون له و يسجدون احتراماً و اجلالاً . .

واستيقظ يوسف من غفوته . . و تطلّع الى السماء الزرقاء . . رأى سرباً من الطيور البيضاء المهاجرة . . فدمعت عيناه من أجل أبيه .

مرّت ثلاثة ايام و يوسف في داخل البئر . . مثل لؤلؤة في أعماق البحر . . مثل لؤلؤة في أعماق الظلمة لا أحد يعرف إنّ في هذه البئر لؤلؤة ما خلق الله منها . . انها روح يوسف ذلك الفتى الطاهر الجميل . . لا أحد يعرف ذلك إلاّ الله سبحانه .

ثلاثة أيام و يوسف لا يأكل شيئاً . . كان يكتفي بشرب الماء . . يوسف تعوّد الصوم كان يصوم مع أبيه . . فتحمل آلام الجوع بصبر .

من أجل هذا كانت روحه شفافة طاهرة . . مثل اجنحة الطير البيضاء المهاجرة .

القافلة :

مرّت ثلاثة أيام على يوسف و هو في البئر لم يسمع خلالها سوى عواء الذئاب و هي تجوب الفلاة .

وفجأة سمع أصوات غريبة ! أرهف سمعه جيداً نعم انها قافلة تجارية . . عرف ذلك من وقع خطى الجمال و أصوات الرجال .

توقفت القافلة قريباً من البئر . . و أرسل التجار " الوارد " ليستقي من البئر . .

ألقى الرجل دلوه الى اعماق البئر كان يوسف ينتظر هذه اللحظة . . كان الحبل هو حبل نجاته و خلاصه من البئر ، تدفق نبع من الفرح في قلبه ! ان الله لا ينسى عباده فانقذه من هذه البئر المظلمة .

مثل لؤلؤة تخرج من صدفة خرج يوسف من البئر . . مثل قمر يشق طريقه وسط الظلام سطع وجه يوسف و أضاء المكان . .

حتى " الوارد " لم يخف من المفاجأة . . صاح :

يا بشرى هذا غلام . . يا للفرحة . .

تجار القافلة ظنوا أن يوسف عبداً من العبيد الآبقين فرّ فسقط في هذه البئر . .

لهذا لم يسألوه عن قبيلته و أصله و قصّته . . جعلوه ضمن البضائع التي سيبيعونها في مصر .

مصر :

استأنفت القافلة طريقها الى مصر . . و بعد اثني عشر يوماً وصلت مصراً ، و هناك بدأ فصل جديد من قصّة يوسف .

يوسف هو الآن في مصر حيث يخترق نهر النيل تلك الأرض و يهبها الخصب .

يوسف ما يزال حتى الآن صغيراً ألقت به المقادير في تلك الأرض . . أصبح بضاعة يريد التجار بيعها في مصر .

يوسف تعلم الصمت . . و لكن قلبه ملئ بالحب . . بحب الله سبحانه الذي أحسن اليه .

التجار خافوا من سكوته . . خافوا إذا ما تكلم و قال انه ليس عبداً لهم لهذا أرادو بيعه و لو بمبلغ زهيد .

رأى يوسف نفسه في أرض جديدة ، ارض لم يرها من قبل ، رأى نهر النيل القادم من الجنوب . . و رأى فيه الزوارق تنساب فوق مياهه النيلية . . و رأى الفلاحين ينقلون المياه بالدلاء لري حقولهم و مزارعهم .

عرضت القافلة بضائعها من خشب و فضة ، و عرضت أيضاً يوسف ، كان هَمُّ التجار بيعه حتى لو بثمن زهيد . .

في ذلك اليوم جاء العزيز و هو المسؤول الأعلى عن أمن مصر ، و تفقد بنفسه القافلة . .

رجال الحرس يحفون بالعزيز و هو يستعرض البضائع و التجار و وقعت عيناه على يوسف . . تساءل عن ذلك الفتى البهي الوجه . .

قالوا له انه غلام للبيع . .

تساءل عن ثمنه فقالوا : نبيعة بعشرين درهماً فقط .

نقدهم العزيز الثمن و كانوا فرحين . . فباعوه و كانوا فيه من الزاهدين .

و هكذا انتقل يوسف الى قصر كبير تحوطه الحدائق ، فهو قصر عزيز مصر الرجل الثاني في الدولة .

دخل يوسف القصر و وقعت عيناه على سيدة حسناء عرف انها زوجة العزيز و صاحبة القصر المنيف .

قال العزيز لزوجته " أكرمي مثواه " انه فتى اتوسّم فيه الخير ربّما ينفعنا " أو نتخذه ولداً " نحن محرومون من الولد فلنتخذ من يوسف ليكون ولدنا .

نظرت " زليخا " الى يوسف . . كان فتى بهي الطلعة مشرق الوجه يشعّ من عينيه الصفا . . لكأنه ملاك هبط من السماء .

في ذلك اليوم اغتسل يوسف في الحمام و ارتدى حلّة جديدة حلّة مصنوعة من خيوط الكتّان كانت أرق من الحرير .

كان المصريون في ذلك الزمن يزرعون الكتان و ينسجون من خيوطه أنواع الثياب و الحلل .

كان يوسف يعيش سيداً في القصر ، و مع ذلك فقانون البلاد يعتبره عبداً للعزيز و زوجته لأنه مِلك لهما .

و هكذا عاش يوسف في واحد من أجمل و أكبر القصور المصرية .

و لكن هل كان يوسف سعيداً بحياته الجديدة ؟ كلاّ .

كان يحنّ الى أبيه و الى تلك البوادي . . هناك يعيش ناعم البال يعبد الله وحده و لا يشرك به شيئاً .

أما هنا فالناس يعبدون الأوثان و يعبدون الملك أيضاً .

ومع ذلك عاش يوسف صابراً مؤمناً بالله و بانبيائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب .

عاش يوسف و كان قلبه يمتلأ كل يوم بالايمان ، و كان الصفاء يشّع من عينيه أكثر فأكثر .

كلُّ الناس أحبّوه . . أحبّوا فيه صفاءه و شهامته و أخلاقه ، و هو أيضاً كان يحبّ الناس يريد لهم الخير . . يساعد الفقير و البائس فاذا رأى فلاحاً متعباً ساعده أو رأى عاملاً عجوزاً هبّ الى إعانته .

هكذا عاش يوسف كان يكبر كل عام و كانت روحه تكبر كل يوم و قلبه يكبر و يكبر ، و يتدفق رحمة و طيبة .

وتمرّ الأعوام حتى إذا بلغ اشدّه و بلغ من العمر ثمانية عشر سنة أضاءت في قلبه الحقيقة . . أصبح يشعر بها أكثر فأكثر ، تضيئ مثل الشمس و النجوم .

كان يوسف مؤمناً بالله . . لا يحبّ أحداً مثل حبّه لله . . لا يخاف من أحد خوفه من الله . . و لا يهاب أحداً غير الله .

الامتحان الصعب :

هو الآن في عنفوان الشباب . . يعيش في قصر كبير منيف و لكن ذلك لم يلوّث روحه الطاهرة . . ظلّت نفسه بيضاء مثل أجنحة الحمام الأبيض .

في القصر الكبير بدأت محنة يوسف ، كل الذين يعرفون يوسف كانوا يحبّونه . . و لكن بعض الذين أحبّوه لم يكن حبهم إلاّ محنة ليوسف . .

عاش يوسف في ذلك القصر المنيف و كانت سيّدة القصر إمرأة حسناء يهابها الجميع .

كان اسمها " زليخا " .

" زليخا " أحبّت يوسف ، عشقته . . و لكنها لم تعشق روحه الطاهر عشقت جماله و حسنه .

لهذا أرادت من يوسف أن يكون لها .

اصبح يوسف أمنيتها في الحياة . . لاتفكر ألاّ فيه حتى " شغفها حباً " .

تنظر اليه بحب و عشق و تتحدّث معه بلهجة الأسير الذليل . . تتقرّب اليه .