تحت إشراف

سماحة الشيخ صالح الكرباسي

 

هل تعلم :

 

 
 
 

 

 

أضف بريدك لقائمتنا البريدية

اشتراك إلغاء الاشتراك

اتصل بنا

ارتباطات

تسديد الحقوق الشرعية

لا تبخل علينا برأيك

آراء نعتزّ بها

أبو طالب ناصر الرسول

عام الفيل

في عام 570 ميلادي هاجمت جيوش الأحباش بقيادة أبرهة مدينة مكّة المكّرمة تريد هدم الكعبة .

كان عبد المطلب جدّ سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) سيد مكّة آنذاك فطاف حول الكعبة و دعا الله سبحانه أن لا يمكّن " الغزاة " من هدم البيت الذي بناه إبراهيم الخليل ( عليه السَّلام ) و ابنه إسماعيل لعبادة الله وحده .

و استجاب الله تعالى دعاء عبد المطلب ، فما أن تقدّمت الفيلة و الجنود لهدم الكعبة حتى ظهرت في الاُفق طيور أبابيل .

كانت تحمل في مناقيرها حصى مشتعلة و راحت الطيور تقصف الجيش ، و تمزّق الغزاة حول الكعبة و ظهرت قدرة الله سبحانه و وجاهة عبد المطلب ، و سمّي هذا العام بعام الفيل و هو العام الذي ولد فيه سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) و كان عمر أبي طالب آنذاك ثلاثين سنة ، و قد ورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم في سورة الفيل في قوله تعالى :

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ؟

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ؟

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ .

تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ .

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ .

عبد المطلب

كان لعبد المطلب الذي حفر بئر " زمزم " عشرة بنين أحدهم عبد الله و هو أبو النبي ، و آخر اسمه " أبو طالب " و هو عمّه .

كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) يتيماً مات أبوه عبد الله و هو ما يزال جنيناً في بطن أُمه ثم ماتت أُمُّه و كان له من العمر خمس سنين ، فكفله جدّه عبد المطلب و كان يحبّه حبّاً كثيراً ، و يتوسم فيه النبوّة .

كان عبد المطلب حنيفياً على دين إبراهيم و إسماعيل ، و كان يوصي أولاده بمكارم الأخلاق .

و في فراش الموت قال لأولاده : " إن من صلبي لنبيّاً ، فمن أدركه فليؤمن به " .

ثم التفت إلى ولده أبي طالب و همس في أُذنه :

 ـ يا أبا طالب إنّ لمحمّد شأناً عظيماً ، فانصره بيدك و لسانك .

الكفيل

كان عمر سيدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) ثمانية أعوام عندما مات جدّه عبد المطلب فانتقل إلى كفالة عمّه أبي طالب .

و من ذلك الوقت بدأ عهد جديد .

و أبو طالب هو عبد مناف الذي اشتهر بشيخ البطحاء و أُمه فاطمة بنت عمرو من بني مخزوم .

عاش سيدنا محمد في كنف عمّه و كان يجد في أحضانه الدفء و المحبّة ، و كانت فاطمة بنت أسد و هي زوجة عمّه هي الاُخرى تغمره بالحبّ و الرعاية و تقدّمه على سائر أولادها ، و في مثل هذه الاُسرة الكريمة نشأ سيدنا محمد .

كان حبّ أبي طالب لابن أخيه يزداد مع مرور الأيام لما يراه من أخلاقه الكريمة و أدبه العظيم .

فإذا حضر الطعام مثلاً كان الصبي اليتيم يمدّ يده بأدب و يقول بسم الله فإذا انتهى قال : الحمد لله .

ذات مرّة افتقد " أبو طالب " ابن أخيه محمد على المائدة فرفع يده عن الطعام و قال : لا آكل حتى يأتي ابني ، فإذا حضر ناوله وعاء اللبن ليشرب ثم يشرب سائر الأولاد الواحد بعد الآخر فيرتوون جميعاً ، و يعجب العمّ لذلك فيلتفت إلى ابن أخيه و يقول :

ـ إنّك لمبارك يا محمّد .

البشارة

و يسمع أبو طالب من أهل الكتاب بشارات تتحدث عن قرب ظهور نبي أطلّ زمانه ، فيزداد رعاية لابن أخيه و يتوسّم فيه النبوة ، فكان لا يفارقه .

و عندما أراد أبو طالب الذهاب في رحلة تجارية إلى الشام إصطحب معه سيدنا محمداً و كان عمره آنذاك تسع سنين و في مدينة بُصرى التي تقع على طريق القوافل التجارية كان هناك دير يسكن فيه راهب نصراني اسمه بَحيرا ، كان هو الآخر يترقّب ظهور نبي جديد قرب زمانه و عندما وقعت عيناه على محمد وجد في صفاته و ملامحه ما يبشّر بأنّه النبي الموعود .

 و راح الراهب يتأمل في وجه الصبي المكّي في خشوع و بشارة السيد المسيح تتردّد في أعماقه .

سأل الراهب عن اسم الصبي فقال أبو طالب : اسمه محمد .

و يزداد الراهب خشوعاً لهذا الإسم الكريم فيقول لأبي طالب :

ـ عد إلى مكّة و احذر على ابن أخيك من اليهود فانّه كائن له شأن عظيم .

و عاد أبو طالب إلى مكّة و هو أكثر حبّاً لمحمّد و أكثر حرصاً على سلامته .

الصبي المبارك

و تمرّ سنوات ، و أصاب القحط مكّة و ما حولها من القرى ، و جاء الناس إلى شيخ البطحاء يطلبون منه " الإستسقاء " .

ـ يا أبا طالب ، أقْحَطَ الوادي و أجَدَبَ العيال ، فهلّم فاستسق لنا .

و عندما خرج أبو طالب كان أمله بالله سبحانه كبيراً و لكنّه لم ينس أن يأخذ معه ابن أخيه محمّداً .

وقف أبو طالب إلى جانب الكعبة و معه محمّد ، كان قلب الصبي يتدفق رحمة للناس ، و دعا أبو طالب إله إبراهيم و إسماعيل أن يرسل المطر مدراراً .

و نظر محمّد إلى السماء ، و مرّ وقت ، و امتلأت السماء بالسحاب و اشتعلت البروق و دوّى الرعد و انهمر المطر غزيزاً و سالت الأودية .

و عاد الناس فرحين يشكرون الله على نعمة المطر و الخصب , و عاد أبو طالب و هو أكثر حبّاً لابن أخيه .

و تمرّ الأعوام و يبلغ محمّد سنّ الشباب فإذا هو مثال عظيم لكلّ الأخلاق الإنسانية حتى عرف بالصادق الأمين .

كان أبو طالب لا يكره شيئاً مثلما يكره الظلم ، و لا يحبّ أحداً مثلما يحبّ المظلومين .

لهذا كان سيدنا محمّد يحبّ أبا طالب .

ذات مرّة وقعت الحرب بين قبيلة " كنانة " و قبيلة " قيس " و كانت قبيلة قيس هي المعتدية .

جاء رجال من قبيلة كنانة و قالوا لأبي طالب :

ـ يا بن مطعم الطير و ساقي الحجيج ، لا تغب عنّا فإنّا نرى بحضورك الغلبة و الظفر .

فأجابهم أبو طالب :

ـ إذا اجتنبتم الظلم و العدوان و القطيعة و البهتان فإني لا أغيب عنكم فعاهدوه على ذلك .

و وقف سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) إلى جانب عمّه مع كنانة و كان النصر لهم .

و كان بعض أهل مكّة يعتدون على حجّاج بيت الله ، فقد جاء رجل من قبيلة خثعم مع ابنته لحجّ بيت الله ، فقام شاب من أهل مكّة و أخذ الفتاة بالقوّة .

فصاح الرجل الخثعمي : من ينصرني ؟

فأجابه بعضهم : عليك بحلف الفضول .

و انطلق الرجال إلى أبي طالب .

و حلف الفضول تبنّاه أبو طالب ، و هو عهد بين رجال من أهل مكّة اتفقوا فيه على نصرة المظلوم و الانتصاف من الظالم .

و عندما توجّه الخثعمي إليهم طالباً العون ، هبّ رجال مسلّحون إلى بيت ذلك الشاب و هددوه ، و أعادوا الفتاة إلى أبيها ، و كان سيدنا محمّد من ضمن أعضاء الحلف .

الزواج السعيد

كان أبو طالب كثير العيال و ينفق على المحتاجين ، فأصبح في ضائقة .

و شعر سيدنا محمّد بأن عليه أن ينهض بواجبه ، خاصة و قد عرضت عليه خديجة _ و كانت امرأة ثريّة _ أن يذهب في تجارتها إلى الشام .

و كانت الرحلة ناجحة تجارياً ، و أدّى سيدنا محمّد الأمانة إلى أهلها ممّا جعل خديجة تفكّر في أمره ، فعرضت عليه الزواج .

و قد استبشر أبو طالب بهذا الزواج و ذهب بنفسه يخطب خديجة من أهلها ، و كان معه رجال من بني هاشم فيهم الحمزة بن عبد المطلب عمّ سيدنا محمّد .

قال أبو طالب : " الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم و ذريّة إسماعيل ، و جعل لنا بيتاً محجوباً و حرماً آمناً ، و بارك لنا في بلدنا .

و إن ابن أخي محمّد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلاً رجح عليه و لا يقاس بأحد إلاّ كان أعظم منه ، و إن كان في المال قل ، فإن المال رزق حائل و ظلّ زائل ، و له في خديجة رغبة ، و لها فيه رغبة ، و صداق ما سألتموه من مالي ، و له و الله نبأ عظيم " .

جبريل

و تمرّ الأعوام و يبلغ أبو طالب من العمر سبعين سنة ، و كان عمر سيدنا محمّد أربعين عاماً ، و كان يذهب إلى غار حراء كعادته كلّ عام .

و في ذلك العام هبط الوحي من السماء و سمع سيدنا محمّد هاتفاً يقول له :

ـ اقرأ ! أقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ و ربّك الكرم ، الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم . . .

ثم قال : يا محمّد! أنت رسول الله و أنا جبريل .

و عاد محمّد من غار حراء يحمل معه رسالة السماء .

فآمنت خديجة زوجته ، و آمن ابن عمّه علي بن أبي طالب .

و ذات يوم و عندما كان سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) يصلّي و خلفه علي ، جاء أبو طالب فقال بعطف :

ـ ماذا تصنعان يابن أخي ؟

فقال النبي ( صلى الله عليه و آله ) :

ـ نصلي لله على دين الإسلام .

فقال أبو طالب و عيناه تشعّان رضىً :

ـ ما بالذي تصنعان بأس . ثم قال لابنه علي :

ـ يا علي الزم ابن عمّك . . انّه لا يدعوك إلاّ لخير .

في منزل النبي ( صلى الله عليه و آله )

و بعد مدّة هبط جبريل يحمل له أمر الله " و انذر عشيرتك الأقربين و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " .

و أمر رسول الله عليّاً و كان عمره يومذاك عشرة أهوام أن يدعو له عشيرته أي بني هاشم ، و جاء أبو طالب و أبو لهب و غيرهما .

و بعد أن تناول الجميع الطعام قال سيدنا محمّد :

ـ ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به . لقد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة . .

ثم عرض عليهم دين الإسلام .

نهض أبو لهب و قال بحقد :

ـ لقد سحركم محمّد .

فقال أبو طالب بغضب :

ـ اسكت ما أنت و هذا .

و التفت إلى سيدنا محمّد و قال :

ـ قم و تكلّم بما تحبّ و بلِّغ رسالة ربّك فأنت الصادق الأمين .

و عندها نهض سيدنا محمّد و قال :

ـ لقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني ( ينصرني ) على هذا الأمر فيكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم بعدي .

فسكت الجميع .

فاندفع علي يقول بحماس الشباب :

ـ أنا يا رسول الله .

و فرح النبي و عانق ابن عمّه الصغير و هو يبكي .

نهض بنو هاشم و كان أبو لهب يقهقه ساخراً و يقول لأبي طالب :

ـ لقد أمرك محمّد أن تسمع لابنك و تطيع .

و لكن أبا طالب لم يكترث له بل نظر إليه غاضباً .

و خاطب ابن أخيه بعطف :

ـ امض لما أمرت به ، فو الله لا أزال أحوطك و أمنعك .

و ينظر سيدنا محمّد إلى عمّه بتقدير فهو يشعر بالقوّة مادام سيد مكّة إلى جانبه .

الناصر

و بالرغم من ضعف الشيخوخة فقد وقف أبو طالب بقوّة يدافع عن رسالة محمّد ، و كان في الخط الأول في الصراع مع مشركي قريش .

و يدخل عدد كبير من أهل مكّة في دين الله ضاربين عرض الجدار عبادة الأوثان و الأصنام و تهديدات جبابرة قريش .

و ذات يوم جاء زعماء المشركين إلى أبي طالب و كان طريح الفراش و قالوا بغيظ :

ـ يا أبا طالب ! أكفف عنّا ابن أخيك ، فانه قد سفّه أحلامنا و سبّ آلهتنا .

و يحزن أبو طالب من أجل قومه لأنّهم لا يريدون الإصغاء إلى صوت الحقّ : فقال لهم :

ـ أمهلوني حتى أُكلّمه .

و أخبر أبو طالب سيدنا محمّدا بما قاله زعماء قريش ، فقال النبي ( صلى الله عليه و آله ) باحترام :

ـ يا عم ! لا أستطيع أن أعصي أمر ربّي .

فقال أبو جهل و هو أكثرهم حقداً :

ـ سوف نعطيه كلّ ما يريد من الأموال بل نجعله ملكاً علينا إذا شاء .

فقال النبي أنا لا أُريد شيئاً سوى كلمة واحدة .

فقال أبو جهل : ما هي ؟ لنعطيك ها و عشراً من أمثالها .

فقال سيدنا محمّد :

ـ قولوا لا إله إلاّ الله .

فانفجر أبو جهل غيظاً .

ـ اسأل غيرها .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) :

ـ لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غير هذا .

و ساد التوتر ، و نهض المشركون و هم يتوعدون سيدنا محمّداً و يهدّدونه ، فقال أبو طالب لسيدنا محمّد :

ـ أبقِ على نفسك و لا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق .

أجاب النبي و قد دمعت عيناه :

ـ يا عماه و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .

نهض النبي ( صلى الله عليه و آله ) و هو يمسح دموعه ، فناداه أبو طالب برقَة و قال :

ـ أُدن مني يا ابن أخي .

فدنا سيدنا محمّد منه ، فقبّله عمّه و قال :

ـ اذهب يابن أخي و قل ما تشاء ، فو الله لا اُسلمك لشيء أبداً .

ثم راح ينشد متحدّياً جبروت قريش .

ـ و الله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد في التراب دفينا

نور الإسلام

و مضى سيدنا محمّد يبشّر بالدين الجديد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور .

و مرّة اُخرى جاء جبابرة قريش إلى أبي طالب و خاطبوه بأسلوب آخر قائلين :

ـ يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد ( أخو خالد بن الوليد ) أنهد فتى في قريش و أجمله فخذه إليك و سلّمنا محمّداً لنقتله .

و أسف أبو طالب لقومه و هم يفكّرون بهذه الطريقة فأجابهم مستنكراً :

ـ أتعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني لتقتلوه . . هذا و الله لا يكون أبداً أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير ولدها ؟!

و اشتد أذى المشركين و راحوا يعذبون المسلمين ، و خشي أبو طالب أن يمتد أذاهم إلى سيدنا محمّد ، فاستدعى بني هاشم ، و دعاهم إلى حماية النبي ( صلى الله عليه و آله ) و المحافظة عليه ، فاستجابوا له ما عدا أبي لهب .

و سمع أبو طالب بأن أبا جهل و غيره من المشركين يحاولون قتل سيدنا محمد فمضى يبحث عنه ، و كان معه جعفر ابنه و انطلق إلى تلال مكة و راح يبحث عنه هنا و هناك ، فوجده يصلّي لله و عليّ إلى يمينه ، و كان منظر سيدنا محمد وحيداً و ليس معه أحد سوى عليّ يبعث على الحزن ، فأراد أبو طالب أن يشدّ من عضد ابن أخيه فالتفت إلى ابنه جعفر و قال :

ـ صِل جناح ابن عمّك .

أي صلِّ إلى يساره ليشعر بالعزم و القوّة و الثقة أكثر .

و وقف جعفر يصلّي مع سيدنا محمّد و أخيه علي لله خالق السماوات و الأرض ربّ العالمين .

و مرّة اُخرى افتقد أبو طالب سيدنا محمداً و انتظر عودته فلم يعد ، فراح يبحث عنه . و ذهب إلى الأمكنة التي يتردّد إليها سيدنا محمّد فلم يجده .

فعاد و جمع شباب بني هاشم و قال لهم :

ـ ليأخذ كلّ واحد منكم حديدة صارمة و اتبعوني فإذا دخلت المسجد فليجلس كلّ واحد منكم إلى جانب زعيم من زعمائهم و ليقتله إذا تبيّن أن محمّداً قد قتل .

و امتثل شبّان بني هاشم و ترصّد كلّ منهم أحد المشركين .

و جلس أبو طالب ينتظر ، و في الأثناء جاء زيد بن حارثة و أخبره بسلامة النبي .

و هنا أعلن أبو طالب عن خطّته إذا تعرّض أحدهم إلى حياة النبي بسوء .

و شعر المشركين بالذلّ ، و أطرق أبو جهل برأسه و قد أصفرّ وجهه خوفاً .

و كان بعض المشركين يحرّضون صبيانهم و عبيدهم على إيذاء سيدنا محمّد .

و ذات يوم كان النبي ( صلى الله عليه و آله ) يصلّي فجاء غلام و ألقى القاذورات على كتفيه و هو ساجد ، و راح المشركون يقهقهون .

شعر سيدنا محمد بالألم يعتصر قلبه فذهب إلى عمّه شاكياً ، و غضب أبو طالب ، فاخترط سيفه و جاء إليهم و أمر أبو طالب غلامه أن يأخذ تلك الأوساخ و يلطّخ بها وجوههم الواحد بعد الآخر .

فقالوا : حسبك هذا يا أبا طالب .

الحصار

و لمّا رأى المشركون إن أبا طالب لن يتخلّى عن سيدنا محمّد و انّه يتفانى في الدفاع عنه و حمايته ، قرّروا إعلان الحصار الإقتصادي و الإجتماعي على بني هاشم و قطع جميع العلاقات معهم .

وقّع أربعون من زعماء مكة صحيفة المقاطعة و علّقوها في داخل الكعبة ، و كان ذلك في شهر محرّم في السنة السابعة بعد البعثة النبوية الشريفة .

كانت قريش تتوقع استسلام أبي طالب و لكن شيخ البطحاء كان له موقف آخر .

قاد أبو طالب قبيلته إلى وادٍ بين جبلين ، و ذلك لحماية سيدنا محمّد من الاغتيال .

راح أبو طالب يتفقد " الشِعب " أي الوادي و يسدّ الثغور التي قد يتسلّل منها الأعداء ليلاً لقتل سيدنا محمّد .

و بالرغم من شيخوخته فقد كان يتناوب مع أخيه الحمزة و بعض رجال بني هاشم حراسة النبي ليلاً ، و كان ينقل فراشه من مكان إلى آخر ، فقد يترصّد الأعداء في النهار مكان النبي ثم يتسللون في الليل لقتله .

و تمرّ الأيام و الشهور و يقاسي المحاصَرون آلام الجوع و الحرمان في عزلة تامة ، فإذا جاء موسم الحجّ خرجوا ليشتروا ما يلزمهم من غذاء و كساء .

و كان جبابرة قريش و هم أثرياء مكّة يشترون كلّ ما بوسعهم من الطعام حتى لا يبقى في الأسواق منه شيء يشتريه المحاصرون .

و خلال تلك المدّة المريرة ، كان أبو طالب كالجبل لا يلين و لا يتراجع عن الوقوف إلى جانب سيدنا محمّد ، فكان مثال المؤمن الصلب الثابت الجنان ، و طالما سمعه الناس يردد أشعاراً كثيرة منها :

نصرتُ الرسولَ رسولَ المليك *** ببيض تلألأ كلمع البروق

أذبُّ و أحمي رسول الإله *** حماية حامٍ عليه شفيق

و قال مرّة مستنكراً موقف قريش :

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً **** رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب

و أنّ عليه في العباد محبّة *** و لا حيف فيمن خصّه الله في الحبِّ

كان أبو طالب يحبّ سيدنا محمّداً ، يحبّه أكثر من أولاده ، و كان ينظر إليه أحياناً و يبكي و يقول : إذا رأيته ذكرت أخي عبد الله .

و ذات ليلة جاء أبو طالب و أيقظ سيدنا محمّداً من نومه ، و قال لابنه علي :

ـ نم في فراشه يا بني .

كان عُمر علي آنذاك ثمانية عشر عاماً .

قال علي و قد أراد أن يعرف أبوه تضحيته بنفسه :

ـ سوف اُقتل إذن .

فقال الأب :

ـ اصبر من أجل فداء الحبيب و ابن الحبيب .

فقال عليّ بحماس :

ـ أنا لا أخاف الموت و إنما أردت أن تعرف نصرتي .

رَبَتَ أبو طالب على كتف ابنه بحبّ و مضى مع سيدنا محمّد إلى مكان آمن لينام فيه .

و عندما رقد سيدنا محمّد في الفراش ، راح أبو طالب و تمدّد في فراشه ليغمض عينيه هانئاً و قلبه ينبض إيماناً .

و مضت الشهور تلو الشهور و المحاصرون يزدادون جوعاً و صبراً حتى راحوا يقتاتون على ورق الأشجار ، و كان منظر الأطفال الجياع يحزّ في نفس النبي .

البشرى

و ذات يوم جاء سيدنا محمّد إلى عمّه و الفرحة تغمر وجهه المضيئ و قال :

ـ يا عم إنّ ربي قد سلّط " الأُرضة " على صحيفة قريش فلم تدَعْ شيئاً إلاّ اسم الله .

فقال أبو طالب مستبشراً :

ـ أربّك أخبرك بهذا ؟!

ـ نعم .

و نهض أبو طالب على الفور و قلبه مملوء بالإيمان ، و انطلق إلى الكعبة حيث يجلس زعماء قريش في " دار الندوة " .

هتف أبو طالب بالجالسين :

ـ يا معشر قريش .

و نهض الجالسون إجلالاً لشيخ مهيب الطلعة و تطلّعوا إلى ما سيقوله فلعلّه جاء ليعلن تراجعه و هزيمته أمام الحصار ، و لكن شيخ البطحاء قال :

ـ يا معشر قريش : إن ابن أخي محمّد قد أخبرني بأن الله قد سلّط على صحيفتكم الأُرضة فمحت منها كلّ شيء إلاّ اسمه فان كان صادقاً فانتهوا عن قطيعتنا و حصارنا .

قال أبو جهل :

ـ و إن كان كاذباً ؟

أجاب أبو طالب بثقة و إيمان .

ـ أُسلّمكم ابن أخي .

هتف زعماء قريش :

ـ رضينا و لك منّا العهد و الميثاق .

و فُتح باب الكعبة ليجدوا الأُرضة قد أكلت كلّ شيء إلاّ " بسم الله " .

و خرج المحاصرون من " شعب أبي طالب " و راح سيدنا محمّد و الذين آمنوا معه يبشّرون بنور الإسلام الوافدين لزيارة بيت الله الحرام .

الرحيل

تخطى أبو طالب الثمانين من عمره فشعر بالضعف الشديد و سقط في فراش المرض ، و كان لا يفكّر بشيء سوى سيدنا محمّد ، و كان يدرك أنّه إذا مات فانّ قريشاً لن تهاب أحداً بعده و سوف تقتل ابن أخيه .

و جاء زعماء قريش لعيادة شيخ البطحاء و قالوا :

ـ يا أبا طالب أنت شيخنا و سيدنا ، و قد حضرك الموت فضع حدّاً للخصام بيننا و بين ابن أخيك . . و قل له أن يكفّ عنّا لنكفّ عنه ، و يدعنا و ديننا و ندعه و دينه .

نظر أبو طالب إلى أبي جهل و إلى أبي سفيان و غيرهما من زعماء قريش و قال لهم بصوت واهن :

ـ لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد و اتبعتم أمره ، فأطيعوه تنالوا السعادة في دنياكم و آخرتكم .

و نهض المشركون و قال أبو جهل بحقد :

ـ أتريد أن نجعل الآلهة إلهاً واحداً ؟!

و شعر أبو طالب بالحزن لموقف قريش ، و كان يحسّ بالقلق على مصير سيدنا محمّد ، فدعى بني هاشم و أمرهم بنصرة سيدنا محمّد حتى لو كلّفهم ذلك حياتهم ، فامتثلوا جميعاً .

و عندما أغمض أبو طالب عينيه ليموت مطمئن البال .

و سكت شيخ البطحاء ، أصبح جثّة هامدة لا حراك فيها ، و انخرط ابنه عليّ في بكاءٍ مرير ، و انبعثت صرخات الحزن في أرجاء مكّة ، وفرح المشركون و قال أبو جهل بغيظ :

ـ آن الأوان للإنتقام من محمّد .

و جاء سيدنا محمّد من أجل أن يودّعه الوداع الأخير .

قبّل جبينه المضيء و تمتم بحزن :

ـ رحمك الله يا عم ! ربيتني صغيراً و كفلتني يتيماً و نصرتني كبيراً فجزاك الله عني و عن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدين .

ثم بكى و انهمرت دموعه ، و راح يتذكّر أيام طفولته في ظلال عمّه الوارفة يوم كان صبيّاً و أراد عمّه الرحيل في تجارة إلى الشام ، فركض وراء عمّه و أخذ بزمام ناقته و قال باكياً :

ـ إلى مَن تكلني و لا أب لي و لا اُم ألجأ إليهما ؟

و تذكّر بكاء عمّه و هو يقول له :

ـ و الله لا أكلك إلى غيري .

ثم مدّ يده إليه و احتضنه و راح يقبّله و يشمّه . و انطلقت بهما الناقة في رمال الصحراء .

تذكّر سيدنا محمّد كلّ تلك الأيام بحلاوتها و مرارتها فقبّل جبين عمه المضيء ، و عانق ابن عمّه علي و راحا يبكيان معاً .

عام الحزن

و تمرّ أسابيع معدودة . و توفيت خديجة زوجة سيدنا محمّد ، فسمّى ذلك العام " عام الحزن " ، و راحت قريش تصبّ عذابها على سيدنا محمّد و الذين آمنوا معه .

و ذات يوم جاء سيدنا محمّد إلى منزله و قد ألقى السفهاء التراب على رأسه ، و راحت ابنته فاطمة تبكي و هي تغسل عنه التراب ، فمسح على رأسها و قال :

ـ لا تبكي يا ابنتي فإنّ الله مانع أباك و ناصره على أعداء دينه و رسالته ، و جاء جبريل بأمر السماء قائلاً :

ـ يا محمّد اخرج من مكّة فقد مات ناصرك .

و لمّا تآمرت قريش على قتل سيدنا محمّد ، جاء فتى أبي طالب علي هذه المرّة لينام في فراشه أيضاً و يفدي سيدنا محمّداً بروحه .

فعليّ هو ابن أبي طالب شيخ البطحاء .

فيما انطلق سيدنا محمّد باتجاه يثرب المدينة المنوّرة ، و هناك انبثق نور الإسلام ليضيء العالم .