|
مصعب الخير
ارتدى مصعب
أفخر ثيابه ، رجّل شعره ، و رشّ على نفسه عطراً زكيّاً و خرج من المنزل .
فاحت رائحة
العطر و ملأت أزقّة مكّة ، و تهامست بعض النساء عن هذا الشاب الثري و تمنّت
أن يتقدّم مصعب لخطبة بناتها .
كان مصعب لا
يفكّر في شيء سوى حياة اللهو مع الأصدقاء . و ذات يوم سمع بأمر جديد أصبح
حديث أهل مكّة .
ففي ذلك الوقت
أعلن سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
دعوته إلى الإسلام رسالة الله إلى الناس جميعاً .
فكّر مصعب في
مقابلة سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و الإصغاء إلى كلامه ، لهذا ذهب إلى دار الأرقم .
دخل مصعب
المنزل و في باله انّه سيخرج و يذهب بعد ذلك إلى أصدقائه و رفاقه ليقضي
معهم جلسات السمر و اللهو .
عندما جلس
مصعب أمام سيّدنا محمّد رأى فيه شيئاً آخر ، رأى فيه الرحمة و الحبّ الصادق
و الأخلاق الكريمة ، وأصغى إلى آيات الله يتلوها رسول الله . فخفق قلبه
للإيمان و الإسلام . عندها اندفع يعلن إسلامه قائلاً :
ـ أشهد أن لا
إله إلاّ الله و أشهد أن محمّداً رسول الله .
و تحوّل مصعب
في تلك اللحظة إلى إنسان آخر . . إنسان ينظر إلى السماء ، يشعر بآلام
الفقراء و المقهورين ، فمن هو مصعب يا ترى ؟
هو مصعب بن
عمير بن هاشم بن عبد مناف من بني عبد الدار أحد فروع قبيلة قريش ، و كنيته
أبو عبد الله ، كان من فضلاء الصحابة و من السابقين إلى الإسلام ، كتم
إسلامه عن أهله ، فلما علموا سجنوه في المنزل ، هاجر إلى الحبشة و عاد منها
إلى مكّة بعد بيعة العقبة الأولى ، أرسله النبي إلى المدينة ليعلّم الناس
القرآن فكان أوّل المهاجرين ، لقّبه رسول الله بمصعب الخير ، اشترك في
معركة بدر و استشهد في معركة اُحد معه لواء الرسول
( صلى الله عليه و آله )
.
الإسلام
عاد مصعب إلى
المنزل في المساء ، تناول عشاءه بصمت ، و اكتفى بصنف واحد من الطعام .
كان أبوه ينظر
إليه ، و لاحظت والدته ما طرأ عليه من تغيير فسألته عن ذلك فأجاب : لا شيء
.
و عندما حان
موعد النوم ، تمدّد مصعب في فراشه و راح ينظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم
فامتلأت نفسه خشوعاً لله خالق السماوات والأرض ربّ العالمين .
نام الجميع ،
أما مصعب فقد ظلّ ساهراً ، نهض من فراشه و توضأ بحذر حتى لا يشعر به أحد ،
و دخل حجرته ، و راح يصلّي لله سبحانه .
و في صباح
اليوم التالي ، لاحظت الأم ابنها و لفت نظرها تغيّر سلوكه ، فهو لم يقف
أمام المرآة ليرجّل شعره ، و لم يرش على نفسه العطر و لم يتألق في ثيابه بل
اكتفى بثوب عادي .
كما شاهدت فيه
شيئاً آخر هو احترام والديه و التحدّث إليهم بأدب .
و ذات يوم
سمعت الأم بأن مصعباً يتردّد إلى دار الأرقم ، فجنّ جنونها ، و انتظرت
عودته بفارغ الصبر .
عاد مصعب في
المساء ، حيّا اُمّه ، فقابلته بصفعة قاسية و صاحت بغضب :
ـ أتترك دين
الآباء و الأجداد و تتبع دين محمّد ؟
قال مصعب
بهدوء :
ـ انّه خير
الأديان يا اُمّي . .
كادت الاُم أن
تفقد صوابها فلم تعهد أحداً يقف في وجهها . حتى زوجها كان يطيعها في كلّ
شيء ، فكيف بابنها .
لم تتمالك
نفسها فصفعته مرّة اُخرى .
جلس مصعب
حزيناً .
و جلست اُمه
تفكّر في طريقة تعيد فيها مصعب إلى دين آبائه .

نصحته في
البداية و تحدّثت إليه بلين و عطف و قالت أما ترى ما يحلّ بالمسلمين من
العذاب ، و انّه دين العبيد ، انّه ينفع أمثال بلال و صهيب و عمّار . أما
أنت فرجل قرشي .
رفع مصعب
عينيه و خاطب والدته بإشفاق :
ـ كلاّ يا
اُمّي إن الإسلام دين الجميع لا فرق بين قرشي و غير قرشي و لا أسود و أبيض
إلاّ بتقوى الله . أرجوك يا اُمي ادخلي في دين الله و دعي عبادة الأصنام و
الأوثان فانّها لا تضرّ و لا تنفع .
سكتت الاُم
كانت تفكّر في وسيلةٍ تبعد فيها ابنها عن محمّد و الإسلام .
أشرقت شمس
الصباح و غمرت بأشعتها جبال مكّة و منازلها . كان المنزل خالياً ، فكّر
مصعب في نفسه : ترى أين ذهبت اُمّي ؟ أراد مصعب الخروج فاتجه إلى الباب .
حاول فتحه فوجده مقفلاً .
انتظر ريثما
تعُود اُمّه ، مرّت ساعة ، و فتح الباب .
ظهرت الاُم و
معها رجل مُلثّم ، كان الرجل مسلّحاً يحمل في يده سيفاً و في الاُخرى
السلاسل .
السجن
قالت الاُم
لولدها :
ـ أتريد
الذهاب إلى دار الأرقم ؟
سكت مصعب .
و استرسلت
الاُم :
ـ ستكون تلك
الحجرة سجناً لك حتى تترك دين محمّد .
قال مصعب
بثبات :
ـ الموت أحبّ
إليّ من ذلك .
قيّد الرجل
مصعباً بالسلاسل و دفعته اُمّه باتجاه الحجرة التي أصبحت سجناً .
و تمرّ الأيام
و مصعب يعاني آلام السجن من جوع و وحدة .
سمع المسلون
بما حصل لمصعب فتألموا من أجله و تأثّر النبي لحاله و دمعت عيناه رحمة له ،
و سمع أهل مكّة فتعجبوا لهذا الشاب الذي ترك حياة الترف و اللهو و الدلال و
اختار حياة السجن و العذاب .
الحرية
كان مصعب في
أيام السجن يعبد الله فيجد حلاوة الإيمان . و لأول مرّة شعر بأن أجمل شيء
في الحياة هو الحرية ، و ان الإيمان بالله سبحانه هو طريق الحرية .
شعر مصعب
بآلام عبيد مكّة . . هؤلاء الناس الذين لا يملكون في حياتهم أي شيء حتى
حرّيتهم .
مرّت الأيام و
الأسابيع ، و مصعب في سجنه . و شاء الله أن ينقذه من تلك الآلام .
تسلل أحد
المسلمين إليه و هو في سجنه و أخبره بأن بعض المسلمين يستعدّون للهجرة إلى
الحبشة و إن سيّدنا محمّد أخبرهم بأن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد .
فرح مصعب و
انفتحت له نافذة من الأمل ، و في أحد الأيام وجد مصعب نفسه مع مجموعة من
المؤمنين يقطعون الصحراء باتجاه البحر الأحمر .
إلى الحبشة
وصلت القافلة
ميناء جدّة و كانت تتألّف من خمسة عشر مسلماً و مسلمة فرّوا بدينهم من أذى
المشركين و اضطهادهم . و شاء الله سبحانه أن ترسو سفينة في طريقها إلى
الحبشة في هذا الميناء .

ركب المهاجرون
السفينة ، و هم يحمدون الله على أن رزقهم نعمة الإيمان و الأمان .
كانت الريح
طيّبة و البحر هادئاً و السفينة تمخر عباب البحر باتجاه أرض الحبشة التي
تعرف اليوم ب ( أثيوبيا ) .
و بعد أيام و
ليال وصلت السفينة أرض الحبشة .
النجاشي
كان النجاشي
إمبراطور الحبشة آنذاك رجلاً عادلاً على دين سيّدنا المسيح
( عليه السَّلام )
، فأكرم المهاجرين و سمح لهم بالإقامة في بلاده .
كان من بين
المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ، الزبير بن العوام و عثمان بن مظعون ، و عبد
الله بن مسعود و عثمان بن عفان مع زوجته رقية ابنة النبي
( صلى الله عليه و آله )
و معهما اُم أيمن و أبو سلمة مع زوجته اُم سلمة إضافة إلى مصعب بن عمير .
كان المهاجرون
يعبدون الله آمنين و يترقبون أخبار النبي
( صلى الله عليه و آله )
و الذين آمنوا و يدعون الله أن ينصرهم على أعدائهم من المشركين .
كان المشركون
قد قاموا بحملة لمطاردة المهاجرين و إعادتهم إلى مكّة بالقوّة و لكنّهم
عندما وصلوا إلى ميناء جدّة وجدوا أن السفينة قد غادرت المرسى منذ أيام .
لهذا فكّروا بطريقة لإعادة هؤلاء الفارّين .
العودة
فكّر المشركون
أن يهادنوا سيّدنا محمداً قليلاً و يكفّوا عن إيذاء المسلمين بعد ما رأوا
انتشار الإسلام بسرعة ، فقد اسلم حمزة بن عبد المطلب
( رضوان الله عليه )
على أثر اعتداء أبي جهل على النبي
( صلى الله عليه و آله )
، و تلا ذلك إسلام عمر بن الخطاب و كان عدو الإسلام اللدود ، و هكذا شعر
المسلمون بأنّهم قد أصبحوا قوّة كثيرة .
و في تلك
المدّة حدثت ثورة في بلاد الحبشة ضد الإمبراطور بسبب ايوائه المسلمين
المهاجرين .
فكّر المسلمون
بالعودة حتى لا يحرجوا النجاشي أمام شعبه ، لهذا طلبوا منه أن يسمح لهم
بالعودة إلى بلادهم ، خاصّة و قد وصلتهم أخبار عن هدنة بين المسلمين و
المشركين .
و هكذا عاد
المسلمون بعد ثلاثة أشهر من الإقامة في بلاد الحبشة .
ودّع المسلمون
أرض الهجرة و هم يذكرون النجاشي بخير و يتمنون له النصر على أعدائه .
و قبل أن
يصلوا مكّة سمعوا أخباراً لا تبشِّر بخير ، لأن قريش ما تزال على طغيانها و
ما تزال مستمرة في تعذيب المسلمين و إضطهادهم .
و كان أمام
المسلمين طريقين إما العودة إلى الحبشة أو دخول مكّة و تحمّل الأذى .
فضّل بعض
المسلمين العودة إلى الحبشة ، و فضّل البعض الآخر دخول مكّة .
كان مصعب من
الذين فضّلوا دخول مكّة و تحمّل الأذى في سبيل الله أسوة بإخوانه المؤمنين
.
ذهب مصعب إلى
منزله فلعلّ اُمّه غيّرت رأيها .
و لكن الاُم
كانت ما تزال على موقفها .
و حاولت أن
تعيده إلى السجن مرّة اُخرى ، و لكنّه غادر المنزل و الدموع تملأ عينيه .
كان يتمنى
لأُمّه أن تدخل دين الإسلام و تفتح عينها على نور الإيمان .
كان جوابها
الأخير :
ـ لا أريد أن
يتحدّث الناس عني و يقولون إنني فضّلت دين ابني على دين آبائي .
لقاء في
مكّة
كان سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
ينتظر موسم الحج ، فيدعو القبائل العربية و قوافل الحجيج إلى الإسلام .
شاء الله
سبحانه أن يأتي جماعة من أهل يثرب ، و كانوا ستة أشخاص ، فسألهم النبي
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ من أي قبيلة
أنتم ؟
فقالوا :
ـ من الخزرج .
فقال لهم
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ أمن موالي
اليهود أنتم ؟
قالوا :
ـ نعم .
جلس النبي
إليهم و تلا عليهم شيئاً من القرآن و دعاهم إلى الإسلام .
كان أهل يثرب
قد سمعوا من اليهود انّه سيبعث عمّا قريب نبي ، لهذا قالوا فيما بينهم :
ـ انّه و الله
النبي الذي بشّرت به اليهود ، لهذا أعلنوا إسلامهم و قالوا :
ـ إن العداوة
بين قبيلة الأوس و الخزرج على أشدّها ، فعسى الله أن يجمعهم بك .
و انصرفوا إلى
مدينتهم يثرب و دعوا إلى الإيمان بما جاء به سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
بيعة
العقبة الأولى
لما حلّ موسم
الحج ، جاء من أهل يثرب اثنا عشر رجلاً فالتقوا بالنبي
( صلى الله عليه و آله )
في مكان يدعى العقبة فبايعوا سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
على :
ـ أن لا
يشركوا بالله سبحانه شيئاً .
ـ و أن لا
يسرقوا .
ـ و أن لا
يزنوا .
ـ و أن لا
يقتلوا بناتهم .
ـ و أن لا
يكذبوا .
المهاجر
الأول
طلب المسلمون
من أهل يثرب من سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
أن يرسل معهم رجلاً يعلمهم الإسلام و يفقههم في شؤون الدين .
وجد سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
إن مصعباً أفضل من يقوم بهذه المهمة فأمره بالإستعداد للهجرة إلى يثرب .
امتثل مصعب بن
عمير لأمر النبي ، و مضى مع إخوانه المسلمين إلى مدينتهم .
و هكذا كان
مصعب أول من يهاجر في سبيل الله إلى مدينة يثرب .
حل مصعب ضيفاً
على سعد بن زرارة و هو أحد السابقين إلى الإسلام .
و مرّت الأيام
و مصعب بين إخوانه يعلّمهم الإسلام و يقرأ عليهم القرآن .
انتشار
الإسلام
أراد سعد بن
زرارة أن ينتشر نور الإسلام في يثرب كلّها فأشار على مصعب أن يتوجها معاً
إلى منازل بني الأشهل و منازل بني ظفر ، و كان سعد بن معاذ و أسيد بن حضير
سيدي بني الأشهل يومذاك . كاناً ما يزالان على الشرك .
قال سعد بن
معاذ لأسيد بن حضير :
ـ اذهب إلى
هذين الرجلين فانهرهما و اطردهما عن دورنا . إن سعد بن زرارة ابن خالتي و
أنا استحي منه .
أخذ أسيد بن
حضير الحربة و مضى اليهما و حولهما جماعة من أهل يثرب يصغون إلى آيات
القرآن .
رأى سعد بن
زرارة أسيد قادماً نحوهما فقال لمصعب :
ـ هذا سيد
قومه فإن أسلم دخل قومه في الإسلام .
وقف أسيد بن
حضير قريباً منهما و صاح بهما مهدداً :
ـ إذا كنتما
تحبّان الحياة فانصرفا .
أجاب مصعب
بأدب الإسلام :
ـ ألا تجلس
قليلاً فتستمع فان رضيت أمراً قبلته و إن كرهت ذلك انصرفنا .
قال أسيد :
أنصفت .
ركَّز أسيد
حربته في الأرض و جلس اليهما .
راح مصعب يتلو
بخشوع ما تيسّر له من آيات القرآن الكريم .
شعر أسيد أن
الإيمان يدخل في قلبه كما يدخل الماء البارد .
تغيّرت ملامح
وجهه بسرعة ، تبددت عنه ملامح الغضب و شاعت البسمة فيه فقال بودّ :
ـ ما أحسن هذا
و أجمله .
فقال مصعب :
انّه خير
الأديان جاء به نبي معروف بالصدق مشهور بالأمانة و مكارم الأخلاق .
سأل أسيد :
ـ ماذا يصنع
المرء إذا أراد الدخول في هذا الدين .
قال مصعب :
يغتسل و
يتطهّر ثم يشهد شهادة الحقّ و يصلّي ركعتين .
نهض أسيد و
مضى إلى منزله فاغتسل و تطهّر و عاد إليهما فأعلن شهادة الإسلام ، و صلى
ركعتين ، و بعدها قال :
ـ إن ورائي
رجلاً إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه و سأرسله إليكما الآن .
إسلام سعد
بن معاذ
عاد أسيد بن
حضير إلى صديقه سعد . عندما رآه سعد بن معاذ من بعيد قال لمن حوله :
ـ أقسم بالله
لقد جاءكم أسيد بوجه آخر .
أي أن أسيد قد
تغيّر لم يكن أسيد السابق .
قال سعد لأسيد
:
ـ ما فعلت ؟
قال أسيد :
ـ لقد نهيتهما
فقالا لا نفعل إلاّ ما تحبّ .
قال سعد :
ـ و أين هما
الآن ؟
قال أسيد :
ـ في مكانهما
.
قال سعد بغضب
:
ـ إذن فأنت لم
تفعل شيئاً .
نهض سعد من
مكانه و أخذ الحربة من أسيد و انطلق نحو مصعب بن عمير .
عندما وصل
هناك صاح بعصبية :
ـ من سمح لكما
بالمجيء هنا ؟
ابتسم مصعب و
دعاه إلى الجلوس و الإصغاء و قال له :
ـ إن كرهت ما
تسمعه منّا انصرفنا .
جلس سعد بعد
أن ركَّز الحربة في الأرض .
تلا مصعب
شيئاً من القرآن و عرض عليه الإسلام بأخلاقه الكريمة و ما فيه من محبّة و
إخاء .
شعر سعد بأن
قلبه يخفق لإسلام و دخل الإيمان في قلبه فأعلن شهادة الحقّ .
أصبح سعد
مسلماً دون أن يعلم به أحد فقرّر في نفسه شيئاً .
كان سعد بن
معاذ سيّد بني الأشهل و زعيمهم ، فذهب إليهم و معه مصعب بن عمير و كانوا
ينتظرون عودته .
عندما وصل
قريباً منهم لم يجلس بينهم ، فخاطبهم واقفاً :
ـ يا بني
الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟
فأجابوا
جميعاً :
ـ سيّدنا و
أفضلنا رأياً .
عندها قال سعد
بن معاذ :
ـ إن كلام
رجالكم و نسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله و رسوله .
و هكذا آمن
بنو الأشهل جميعاً برسالة الإسلام .
و راح مصعب بن
عمير يعلّمهم أصول الإسلام و يفقههم في الدين .
بيعة
العقبة الثانية
حلّ موسم
الحجّ الجديد ، فخرج مصعب بن عمير و معه جماعة من المسلمين و المشركين إلى
مكّة ، كان المشركون يحجّون إلى الكعبة و كانت لهم مراسم خاصّة .
كان مصعب يريد
لقاء النبي
( صلى الله عليه و آله )
و إطلاعه على انتشار الإسلام في يثرب .
اتصل وفد من
المسلمين بسيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
سرّاً و اتفقوا على الاجتماع به في وادي العقبة ليلاً بعد أن ينام الناس
حتى لا تعرف قريش بذلك .
كان المشركون
من أهل يثرب لا يعلمون بهذا الاتفاق ، فعندما ناموا تسلل المسلمون بحذر و
اتجهوا إلى وادي .
العقبة كانوا
ثلاثة و سبعون مسلماً و فيهم امرأتان فقط إحداهما نسيبة بنت كعب اُم عمارة
من بني النجار و أسماء بنت عمرو من بني سلمة .
جاء سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و معه عمّه العباس و كان يكتم إسلامه خوفاً من قريش ، و بايع المسلمون
سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
على الدفاع عن الإسلام و الوقوف مع النبي في وجه أعدائه جميعاً .
و عندها سألوا
رسول الله
( صلى الله عليه و آله )
قائلين :
ـ فما لنا إن
نحن بايعناك و وفينا لك .
أجاب سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ الجنّة .
الصنم مناة
عاد الوفد إلى
المدينة و عاد مصعب بن عمير ، فرحاً بانتصار الإسلام .
انتشر الإسلام
و أضاء نوره مدينة يثرب .
لم يبق بيت
فيها دون أن يدخله الإسلام ، فيما أصرّ البعض على الشرك و عبادة الأصنام .
كان عمرو بن
الجموح أحد الذين بقوا على الشرك ، و كان ابنه معاذ من الذين بايعوا سيّدنا
محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
في وادي العقبة .
اتخذ عمرو بن
الجموح صنماً من خشب و سمّاه مناة و جعله في ساحة الدار . كان عمرو يتوجّه
إلى عبادته كلّ يوم .
فكّر معاذ
بطريقة يقنع فيها أباه بأن الأصنام لا تضرّ و لا تنفع . فاتفق مع بعض
أصدقائه الذين اعتنقوا الإسلام على أمر .
حلّ المساء و
أوى عمرو بن الجموح إلى النوم ، و ظلّ ابنه ساهراً ، كان ينتظر قدوم رفاقه
.
و في الساعة
المتفق عليها حضر الأصدقاء .
فتح معاذ
الباب بحذر و دخل الفتيان إلى ساحة المنزل حيث يوجد الصنم مناة .
شدّوه بالحبال
و جرّوه خارج الدار و ذهبوا به خارج المدينة إلى حيث يلقي الناس النفايات و
الأوساخ . وجدوا حفرة مليئة بالقاذورات فرموه فيها منكوساً .
عاد معاذ إلى
منزله و نام في فراشه دون أن يشعر بخروجه و دخوله أحد .
و في الصباح
استيقظ عمرو بن الجموح فلم يجد " مناة " .
راح يبحث عنه
في الأزقة و هو يصيح :
ـ مَن سرق
آلهتنا ؟!
و بعد أن بحث
عنه وجده في الحفرة منكوساً . فأخرجه و عاد به إلى المنزل و راح يغسله من
القاذورات و الأوساخ ، ثم رشّه بالعطور و أعاده إلى مكانه و سجد له معتذراً
!!
في الليلة
التالية حضر الرفاق و ساعدهم معاذ على جرّه إلى خارج الدار ، فانطلقوا به
إلى خارج المدينة و رموه في الحفرة نفسها .
استيقظ عمرو
بن الجموح ، و عندما لم يجد " مناة " ذهب إلى خارج المدينة و عاد به حيث
نظّفه مرّة اُخرى .
كان منزعجاً
هذه المرّة فعلّق في رقبة " مناة " سيفاً و خاطبه قائلاً :
ـ إذا كان فيك
خير فدافع عن نفسك .
حلّ الظلام و
جاء أصدقاء معاذ و جرّوه مرّة اُخرى و ذهبوا به إلى مكان آخر حيث ربطوه مع
كلب ميّت و ألقوه في إحدى الحفر .
و في اليوم
التالي بحث عمرو بن الجموح عنه . و عندما وجده مربوطاً مع كلب ميت أخذ
السيف عن عنقه و ركله بقدمه قائلاً :
ـ تباً لك من
إله بائس .
و في تلك
اللحظة آمن عمرو بن الجموح برسالة الإسلام و فرح معاذ بإسلام والده .
هجرة النبي
عندما اشتد
أذى المشركين أشار النبي على أصحابه بالهجرة إلى المدينة .
راح المسلمون
يتسللون من مكّة فرادى و جماعات .
شعرت قريش
بهذه الهجرة فألقت القبض على بعضهم و عذّبتهم . و في تلك الفترة و بعد أن
مضى ثلاثة عشر سنة على بعثة النبي
( صلى الله عليه و آله )
فكّرت قريش و بتحريض من أبي جهل بقتل سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
و هبط الوحي
يخبر رسول الله بذلك و يأمره بالهجرة .
استدعى النبي
( صلى الله عليه و آله )
ابن عمّه علي بن أبي طالب و عرض عليه أن ينام في فراشه حتى لا يحسّ
المشركون بخروجه ، فرحّب علي بذلك .
و عندما اقتحم
المشركون منزل النبيّ و رأوا عليّاً في فراشه تعجّبوا لهذه الشجاعة و هذه
التضحية الفريدة .
وصل سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
المدينة و استقبله أهلها بالزغاريد و الأناشيد و خرجت الفتيات ينشدن بفرح :
طلع البدر
علينا من ثنيات الوداع *** وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
ايّها المبعوث
فينا جئت بالأمر المطاع *** جئت نوّرت المدينة مرحباً يا خير داع
و من ذلك
اليوم تحوّل اسم يثرب إلى المدينة المنوّرة ، و بدأ سيدنا محمّد في بناء
المجتمع الجديد .
و كان أوّل
شيء فعله سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
هو بناء المسجد ليكون رمزاً للتوحيد و عبادة الله وحده لا شريك له ، ثم آخى
بين المهاجرين و الأنصار ، فالمسلمون إخوة و هم كالجسد الواحد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر .
معركة بدر
كان المشركون
في مكّة قد أغاروا على بيوت المسلمين المهاجرين و نهبوها .
أراد سيّدنا
محمّد تأديب قريش و عندما سمع بقرب عودة قافلة تجارية لهم من الشام ، أمر
المسلمين بالاستعداد لمصادرتها .
سمع أبو سفيان
و كان يقود القافلة بالأخبار ، فأرسل استغاثة إلى قريش ، كما غيّر طريق
القافلة .
استعدّ
المشركون لمواجهة المسلمين ، فعبأوا جيشاً يتألّف من تسعمائة و خمسين مقاتل
و زحفوا باتجاه المدينة .
عبّأ سيدنا
محمّد جيشه ، سلّم لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير ، و سلّم لواء الأنصار
إلى سعد بن معاذ ، أما رايته و تسمّى " العقاب " فسلّمها إلى علي بن أبي
طالب .
و عندما حدثت
المعركة خاض المسلمون قتالاً مريراً . نصر الله عباده المؤمنين فقتلوا
كثيراً من أعداء الإسلام . و قتل الله أبا جهل ، قتله فتى الأنصار معاذ بن
عمرو الجموح . كما قُتل اُمية بن خلف الذي كان يعذّب بلال الحبشي في
الصحراء . و وقع في أسر المسلمين الكثير من المشركين من بينهم النضر بن
الحارث الذي كان يعذّب المسلمين في مكّة .
قال النضر بن
الحارث لمصعب بن عمير :
ـ كلّم صاحبك
" أي سيّدنا محمّد " أن يجعلني كرجل من الأسرى .
قال مصعب :
ـ انّك كنت
تعذّب أصحابه .
حاول النضر أن
يبثّ في روح مصعب حميّة الجاهلية فقال له :
ـ لو أسرتك
قريش لمنعتهم عن قتلك .
قال مصعب :
ـ لست مثلك
لقد قطع الإسلام العهود .
كان مصعب لا
يفكّر في شيء سوى الإسلام و لا يطيع أحداً إلاّ الله و رسوله .
معركة اُحد
|