تحت إشراف

سماحة الشيخ صالح الكرباسي

 

هل تعلم :

 

 
 
 

 

 

أضف بريدك لقائمتنا البريدية

اشتراك إلغاء الاشتراك

اتصل بنا

ارتباطات

تسديد الحقوق الشرعية

لا تبخل علينا برأيك

آراء نعتزّ بها

مصعب الخير

ارتدى مصعب أفخر ثيابه ، رجّل شعره ، و رشّ على نفسه عطراً زكيّاً و خرج من المنزل .

فاحت رائحة العطر و ملأت أزقّة مكّة ، و تهامست بعض النساء عن هذا الشاب الثري و تمنّت أن يتقدّم مصعب لخطبة بناتها .

كان مصعب لا يفكّر في شيء سوى حياة اللهو مع الأصدقاء . و ذات يوم سمع بأمر جديد أصبح حديث أهل مكّة .

ففي ذلك الوقت أعلن سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) دعوته إلى الإسلام رسالة الله إلى الناس جميعاً .

فكّر مصعب في مقابلة سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و الإصغاء إلى كلامه ، لهذا ذهب إلى دار الأرقم .

دخل مصعب المنزل و في باله انّه سيخرج و يذهب بعد ذلك إلى أصدقائه و رفاقه ليقضي معهم جلسات السمر و اللهو .

عندما جلس مصعب أمام سيّدنا محمّد رأى فيه شيئاً آخر ، رأى فيه الرحمة و الحبّ الصادق و الأخلاق الكريمة ، وأصغى إلى آيات الله يتلوها رسول الله . فخفق قلبه للإيمان و الإسلام . عندها اندفع يعلن إسلامه قائلاً :

ـ أشهد أن لا إله إلاّ الله و أشهد أن محمّداً رسول الله .

و تحوّل مصعب في تلك اللحظة إلى إنسان آخر . . إنسان ينظر إلى السماء ، يشعر بآلام الفقراء و المقهورين ، فمن هو مصعب يا ترى ؟

هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف من بني عبد الدار أحد فروع قبيلة قريش ، و كنيته أبو عبد الله ، كان من فضلاء الصحابة و من السابقين إلى الإسلام ، كتم إسلامه عن أهله ، فلما علموا سجنوه في المنزل ، هاجر إلى الحبشة و عاد منها إلى مكّة بعد بيعة العقبة الأولى ، أرسله النبي إلى المدينة ليعلّم الناس القرآن فكان أوّل المهاجرين ، لقّبه رسول الله بمصعب الخير ، اشترك في معركة بدر و استشهد في معركة اُحد معه لواء الرسول ( صلى الله عليه و آله ) .

الإسلام

عاد مصعب إلى المنزل في المساء ، تناول عشاءه بصمت ، و اكتفى بصنف واحد من الطعام .

كان أبوه ينظر إليه ، و لاحظت والدته ما طرأ عليه من تغيير فسألته عن ذلك فأجاب : لا شيء .

و عندما حان موعد النوم ، تمدّد مصعب في فراشه و راح ينظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم فامتلأت نفسه خشوعاً لله خالق السماوات والأرض ربّ العالمين .

نام الجميع ، أما مصعب فقد ظلّ ساهراً ، نهض من فراشه و توضأ بحذر حتى لا يشعر به أحد ، و دخل حجرته ، و راح يصلّي لله سبحانه .

و في صباح اليوم التالي ، لاحظت الأم ابنها و لفت نظرها تغيّر سلوكه ، فهو لم يقف أمام المرآة ليرجّل شعره ، و لم يرش على نفسه العطر و لم يتألق في ثيابه بل اكتفى بثوب عادي .

كما شاهدت فيه شيئاً آخر هو احترام والديه و التحدّث إليهم بأدب .

و ذات يوم سمعت الأم بأن مصعباً يتردّد إلى دار الأرقم ، فجنّ جنونها ، و انتظرت عودته بفارغ الصبر .

عاد مصعب في المساء ، حيّا اُمّه ، فقابلته بصفعة قاسية و صاحت بغضب :

ـ أتترك دين الآباء و الأجداد و تتبع دين محمّد ؟

قال مصعب بهدوء :

ـ انّه خير الأديان يا اُمّي . .

كادت الاُم أن تفقد صوابها فلم تعهد أحداً يقف في وجهها . حتى زوجها كان يطيعها في كلّ شيء ، فكيف بابنها .

لم تتمالك نفسها فصفعته مرّة اُخرى .

جلس مصعب حزيناً .

و جلست اُمه تفكّر في طريقة تعيد فيها مصعب إلى دين آبائه .

نصحته في البداية و تحدّثت إليه بلين و عطف و قالت أما ترى ما يحلّ بالمسلمين من العذاب ، و انّه دين العبيد ، انّه ينفع أمثال بلال و صهيب و عمّار . أما أنت فرجل قرشي .

رفع مصعب عينيه و خاطب والدته بإشفاق :

ـ كلاّ يا اُمّي إن الإسلام دين الجميع لا فرق بين قرشي و غير قرشي و لا أسود و أبيض إلاّ بتقوى الله . أرجوك يا اُمي ادخلي في دين الله و دعي عبادة الأصنام و الأوثان فانّها لا تضرّ و لا تنفع .

سكتت الاُم كانت تفكّر في وسيلةٍ تبعد فيها ابنها عن محمّد و الإسلام .

أشرقت شمس الصباح و غمرت بأشعتها جبال مكّة و منازلها . كان المنزل خالياً ، فكّر مصعب في نفسه : ترى أين ذهبت اُمّي ؟ أراد مصعب الخروج فاتجه إلى الباب . حاول فتحه فوجده مقفلاً .

انتظر ريثما تعُود اُمّه ، مرّت ساعة ، و فتح الباب .

ظهرت الاُم و معها رجل مُلثّم ، كان الرجل مسلّحاً يحمل في يده سيفاً و في الاُخرى السلاسل .

السجن

قالت الاُم لولدها :

ـ أتريد الذهاب إلى دار الأرقم ؟

سكت مصعب .

و استرسلت الاُم :

ـ ستكون تلك الحجرة سجناً لك حتى تترك دين محمّد .

قال مصعب بثبات :

ـ الموت أحبّ إليّ من ذلك .

قيّد الرجل مصعباً بالسلاسل و دفعته اُمّه باتجاه الحجرة التي أصبحت سجناً .

و تمرّ الأيام و مصعب يعاني آلام السجن من جوع و وحدة .

سمع المسلون بما حصل لمصعب فتألموا من أجله و تأثّر النبي لحاله و دمعت عيناه رحمة له ، و سمع أهل مكّة فتعجبوا لهذا الشاب الذي ترك حياة الترف و اللهو و الدلال و اختار حياة السجن و العذاب .

الحرية

كان مصعب في أيام السجن يعبد الله فيجد حلاوة الإيمان . و لأول مرّة شعر بأن أجمل شيء في الحياة هو الحرية ، و ان الإيمان بالله سبحانه هو طريق الحرية .

شعر مصعب بآلام عبيد مكّة . . هؤلاء الناس الذين لا يملكون في حياتهم أي شيء حتى حرّيتهم .

مرّت الأيام و الأسابيع ، و مصعب في سجنه . و شاء الله أن ينقذه من تلك الآلام .

تسلل أحد المسلمين إليه و هو في سجنه و أخبره بأن بعض المسلمين يستعدّون للهجرة إلى الحبشة و إن سيّدنا محمّد أخبرهم بأن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد .

فرح مصعب و انفتحت له نافذة من الأمل ، و في أحد الأيام وجد مصعب نفسه مع مجموعة من المؤمنين يقطعون الصحراء باتجاه البحر الأحمر .

إلى الحبشة

وصلت القافلة ميناء جدّة و كانت تتألّف من خمسة عشر مسلماً و مسلمة فرّوا بدينهم من أذى المشركين و اضطهادهم . و شاء الله سبحانه أن ترسو سفينة في طريقها إلى الحبشة في هذا الميناء .

ركب المهاجرون السفينة ، و هم يحمدون الله على أن رزقهم نعمة الإيمان و الأمان .

كانت الريح طيّبة و البحر هادئاً و السفينة تمخر عباب البحر باتجاه أرض الحبشة التي تعرف اليوم ب ( أثيوبيا ) .

و بعد أيام و ليال وصلت السفينة أرض الحبشة .

النجاشي

كان النجاشي إمبراطور الحبشة آنذاك رجلاً عادلاً على دين سيّدنا المسيح ( عليه السَّلام ) ، فأكرم المهاجرين و سمح لهم بالإقامة في بلاده .

كان من بين المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ، الزبير بن العوام و عثمان بن مظعون ، و عبد الله بن مسعود و عثمان بن عفان مع زوجته رقية ابنة النبي ( صلى الله عليه و آله ) و معهما اُم أيمن و أبو سلمة مع زوجته اُم سلمة إضافة إلى مصعب بن عمير .

كان المهاجرون يعبدون الله آمنين و يترقبون أخبار النبي ( صلى الله عليه و آله ) و الذين آمنوا و يدعون الله أن ينصرهم على أعدائهم من المشركين .

كان المشركون قد قاموا بحملة لمطاردة المهاجرين و إعادتهم إلى مكّة بالقوّة و لكنّهم عندما وصلوا إلى ميناء جدّة وجدوا أن السفينة قد غادرت المرسى منذ أيام . لهذا فكّروا بطريقة لإعادة هؤلاء الفارّين .

العودة

فكّر المشركون أن يهادنوا سيّدنا محمداً قليلاً و يكفّوا عن إيذاء المسلمين بعد ما رأوا انتشار الإسلام بسرعة ، فقد اسلم حمزة بن عبد المطلب ( رضوان الله عليه ) على أثر اعتداء أبي جهل على النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، و تلا ذلك إسلام عمر بن الخطاب و كان عدو الإسلام اللدود ، و هكذا شعر المسلمون بأنّهم قد أصبحوا قوّة كثيرة .

و في تلك المدّة حدثت ثورة في بلاد الحبشة ضد الإمبراطور بسبب ايوائه المسلمين المهاجرين .

فكّر المسلمون بالعودة حتى لا يحرجوا النجاشي أمام شعبه ، لهذا طلبوا منه أن يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم ، خاصّة و قد وصلتهم أخبار عن هدنة بين المسلمين و المشركين .

و هكذا عاد المسلمون بعد ثلاثة أشهر من الإقامة في بلاد الحبشة .

ودّع المسلمون أرض الهجرة و هم يذكرون النجاشي بخير و يتمنون له النصر على أعدائه .

و قبل أن يصلوا مكّة سمعوا أخباراً لا تبشِّر بخير ، لأن قريش ما تزال على طغيانها و ما تزال مستمرة في تعذيب المسلمين و إضطهادهم .

و كان أمام المسلمين طريقين إما العودة إلى الحبشة أو دخول مكّة و تحمّل الأذى .

فضّل بعض المسلمين العودة إلى الحبشة ، و فضّل البعض الآخر دخول مكّة .

كان مصعب من الذين فضّلوا دخول مكّة و تحمّل الأذى في سبيل الله أسوة بإخوانه المؤمنين .

ذهب مصعب إلى منزله فلعلّ اُمّه غيّرت رأيها .

و لكن الاُم كانت ما تزال على موقفها .

و حاولت أن تعيده إلى السجن مرّة اُخرى ، و لكنّه غادر المنزل و الدموع تملأ عينيه .

كان يتمنى لأُمّه أن تدخل دين الإسلام و تفتح عينها على نور الإيمان .

كان جوابها الأخير :

ـ لا أريد أن يتحدّث الناس عني و يقولون إنني فضّلت دين ابني على دين آبائي .

لقاء في مكّة

كان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) ينتظر موسم الحج ، فيدعو القبائل العربية و قوافل الحجيج إلى الإسلام .

شاء الله سبحانه أن يأتي جماعة من أهل يثرب ، و كانوا ستة أشخاص ، فسألهم النبي ( صلى الله عليه و آله ) :

ـ من أي قبيلة أنتم ؟

فقالوا :

ـ من الخزرج .

فقال لهم سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) :

ـ أمن موالي اليهود أنتم ؟

قالوا :

ـ نعم .

جلس النبي إليهم و تلا عليهم شيئاً من القرآن و دعاهم إلى الإسلام .

كان أهل يثرب قد سمعوا من اليهود انّه سيبعث عمّا قريب نبي ، لهذا قالوا فيما بينهم :

ـ انّه و الله النبي الذي بشّرت به اليهود ، لهذا أعلنوا إسلامهم و قالوا :

ـ إن العداوة بين قبيلة الأوس و الخزرج على أشدّها ، فعسى الله أن يجمعهم بك .

و انصرفوا إلى مدينتهم يثرب و دعوا إلى الإيمان بما جاء به سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .

بيعة العقبة الأولى

لما حلّ موسم الحج ، جاء من أهل يثرب اثنا عشر رجلاً فالتقوا بالنبي ( صلى الله عليه و آله ) في مكان يدعى العقبة فبايعوا سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) على :

ـ أن لا يشركوا بالله سبحانه شيئاً .

ـ و أن لا يسرقوا .

ـ و أن لا يزنوا .

ـ و أن لا يقتلوا بناتهم .

ـ و أن لا يكذبوا .

المهاجر الأول

طلب المسلمون من أهل يثرب من سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) أن يرسل معهم رجلاً يعلمهم الإسلام و يفقههم في شؤون الدين .

وجد سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) إن مصعباً أفضل من يقوم بهذه المهمة فأمره بالإستعداد للهجرة إلى يثرب .

امتثل مصعب بن عمير لأمر النبي ، و مضى مع إخوانه المسلمين إلى مدينتهم .

و هكذا كان مصعب أول من يهاجر في سبيل الله إلى مدينة يثرب .

حل مصعب ضيفاً على سعد بن زرارة و هو أحد السابقين إلى الإسلام .

و مرّت الأيام و مصعب بين إخوانه يعلّمهم الإسلام و يقرأ عليهم القرآن .

انتشار الإسلام

أراد سعد بن زرارة أن ينتشر نور الإسلام في يثرب كلّها فأشار على مصعب أن يتوجها معاً إلى منازل بني الأشهل و منازل بني ظفر ، و كان سعد بن معاذ و أسيد بن حضير سيدي بني الأشهل يومذاك . كاناً ما يزالان على الشرك .

قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير :

ـ اذهب إلى هذين الرجلين فانهرهما و اطردهما عن دورنا . إن سعد بن زرارة ابن خالتي و أنا استحي منه .

أخذ أسيد بن حضير الحربة و مضى اليهما و حولهما جماعة من أهل يثرب يصغون إلى آيات القرآن .

رأى سعد بن زرارة أسيد قادماً نحوهما فقال لمصعب :

ـ هذا سيد قومه فإن أسلم دخل قومه في الإسلام .

وقف أسيد بن حضير قريباً منهما و صاح بهما مهدداً :

ـ إذا كنتما تحبّان الحياة فانصرفا .

أجاب مصعب بأدب الإسلام :

ـ ألا تجلس قليلاً فتستمع فان رضيت أمراً قبلته و إن كرهت ذلك انصرفنا .

قال أسيد : أنصفت .

ركَّز أسيد حربته في الأرض و جلس اليهما .

راح مصعب يتلو بخشوع ما تيسّر له من آيات القرآن الكريم .

شعر أسيد أن الإيمان يدخل في قلبه كما يدخل الماء البارد .

تغيّرت ملامح وجهه بسرعة ، تبددت عنه ملامح الغضب و شاعت البسمة فيه فقال بودّ :

ـ ما أحسن هذا و أجمله .

فقال مصعب :

انّه خير الأديان جاء به نبي معروف بالصدق مشهور بالأمانة و مكارم الأخلاق .

سأل أسيد :

ـ ماذا يصنع المرء إذا أراد الدخول في هذا الدين .

قال مصعب :

يغتسل و يتطهّر ثم يشهد شهادة الحقّ و يصلّي ركعتين .

نهض أسيد و مضى إلى منزله فاغتسل و تطهّر و عاد إليهما فأعلن شهادة الإسلام ، و صلى ركعتين ، و بعدها قال :

ـ إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه و سأرسله إليكما الآن .

إسلام سعد بن معاذ

عاد أسيد بن حضير إلى صديقه سعد . عندما رآه سعد بن معاذ من بعيد قال لمن حوله :

ـ أقسم بالله لقد جاءكم أسيد بوجه آخر .

أي أن أسيد قد تغيّر لم يكن أسيد السابق .

قال سعد لأسيد :

ـ ما فعلت ؟

قال أسيد :

ـ لقد نهيتهما فقالا لا نفعل إلاّ ما تحبّ .

قال سعد :

ـ و أين هما الآن ؟

قال أسيد :

ـ في مكانهما .

قال سعد بغضب :

ـ إذن فأنت لم تفعل شيئاً .

نهض سعد من مكانه و أخذ الحربة من أسيد و انطلق نحو مصعب بن عمير .

عندما وصل هناك صاح بعصبية :

ـ من سمح لكما بالمجيء هنا ؟

ابتسم مصعب و دعاه إلى الجلوس و الإصغاء و قال له :

ـ إن كرهت ما تسمعه منّا انصرفنا .

جلس سعد بعد أن ركَّز الحربة في الأرض .

تلا مصعب شيئاً من القرآن و عرض عليه الإسلام بأخلاقه الكريمة و ما فيه من محبّة و إخاء .

شعر سعد بأن قلبه يخفق لإسلام و دخل الإيمان في قلبه فأعلن شهادة الحقّ .

أصبح سعد مسلماً دون أن يعلم به أحد فقرّر في نفسه شيئاً .

كان سعد بن معاذ سيّد بني الأشهل و زعيمهم ، فذهب إليهم و معه مصعب بن عمير و كانوا ينتظرون عودته .

عندما وصل قريباً منهم لم يجلس بينهم ، فخاطبهم واقفاً :

ـ يا بني الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟

فأجابوا جميعاً :

ـ سيّدنا و أفضلنا رأياً .

عندها قال سعد بن معاذ :

ـ إن كلام رجالكم و نسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله و رسوله .

و هكذا آمن بنو الأشهل جميعاً برسالة الإسلام .

و راح مصعب بن عمير يعلّمهم أصول الإسلام و يفقههم في الدين .

بيعة العقبة الثانية

حلّ موسم الحجّ الجديد ، فخرج مصعب بن عمير و معه جماعة من المسلمين و المشركين إلى مكّة ، كان المشركون يحجّون إلى الكعبة و كانت لهم مراسم خاصّة .

كان مصعب يريد لقاء النبي ( صلى الله عليه و آله ) و إطلاعه على انتشار الإسلام في يثرب .

اتصل وفد من المسلمين بسيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) سرّاً و اتفقوا على الاجتماع به في وادي العقبة ليلاً بعد أن ينام الناس حتى لا تعرف قريش بذلك .

كان المشركون من أهل يثرب لا يعلمون بهذا الاتفاق ، فعندما ناموا تسلل المسلمون بحذر و اتجهوا إلى وادي .

العقبة كانوا ثلاثة و سبعون مسلماً و فيهم امرأتان فقط إحداهما نسيبة بنت كعب اُم عمارة من بني النجار و أسماء بنت عمرو من بني سلمة .

جاء سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) و معه عمّه العباس و كان يكتم إسلامه خوفاً من قريش ، و بايع المسلمون سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) على الدفاع عن الإسلام و الوقوف مع النبي في وجه أعدائه جميعاً .

و عندها سألوا رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) قائلين :

 ـ فما لنا إن نحن بايعناك و وفينا لك .

أجاب سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) :

ـ الجنّة .

الصنم مناة

عاد الوفد إلى المدينة و عاد مصعب بن عمير ، فرحاً بانتصار الإسلام .

انتشر الإسلام و أضاء نوره مدينة يثرب .

لم يبق بيت فيها دون أن يدخله الإسلام ، فيما أصرّ البعض على الشرك و عبادة الأصنام .

كان عمرو بن الجموح أحد الذين بقوا على الشرك ، و كان ابنه معاذ من الذين بايعوا سيّدنا محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) في وادي العقبة .

اتخذ عمرو بن الجموح صنماً من خشب و سمّاه مناة و جعله في ساحة الدار . كان عمرو يتوجّه إلى عبادته كلّ يوم .

فكّر معاذ بطريقة يقنع فيها أباه بأن الأصنام لا تضرّ و لا تنفع . فاتفق مع بعض أصدقائه الذين اعتنقوا الإسلام على أمر .

حلّ المساء و أوى عمرو بن الجموح إلى النوم ، و ظلّ ابنه ساهراً ، كان ينتظر قدوم رفاقه .

و في الساعة المتفق عليها حضر الأصدقاء .

فتح معاذ الباب بحذر و دخل الفتيان إلى ساحة المنزل حيث يوجد الصنم مناة .

شدّوه بالحبال و جرّوه خارج الدار و ذهبوا به خارج المدينة إلى حيث يلقي الناس النفايات و الأوساخ . وجدوا حفرة مليئة بالقاذورات فرموه فيها منكوساً .

عاد معاذ إلى منزله و نام في فراشه دون أن يشعر بخروجه و دخوله أحد .

و في الصباح استيقظ عمرو بن الجموح فلم يجد " مناة " .

راح يبحث عنه في الأزقة و هو يصيح :

ـ مَن سرق آلهتنا ؟!

و بعد أن بحث عنه وجده في الحفرة منكوساً . فأخرجه و عاد به إلى المنزل و راح يغسله من القاذورات و الأوساخ ، ثم رشّه بالعطور و أعاده إلى مكانه و سجد له معتذراً !!

في الليلة التالية حضر الرفاق و ساعدهم معاذ على جرّه إلى خارج الدار ، فانطلقوا به إلى خارج المدينة و رموه في الحفرة نفسها .

استيقظ عمرو بن الجموح ، و عندما لم يجد " مناة " ذهب إلى خارج المدينة و عاد به حيث نظّفه مرّة اُخرى .

كان منزعجاً هذه المرّة فعلّق في رقبة " مناة " سيفاً و خاطبه قائلاً :

ـ إذا كان فيك خير فدافع عن نفسك .

حلّ الظلام و جاء أصدقاء معاذ و جرّوه مرّة اُخرى و ذهبوا به إلى مكان آخر حيث ربطوه مع كلب ميّت و ألقوه في إحدى الحفر .

و في اليوم التالي بحث عمرو بن الجموح عنه . و عندما وجده مربوطاً مع كلب ميت أخذ السيف عن عنقه و ركله بقدمه قائلاً :

ـ تباً لك من إله بائس .

و في تلك اللحظة آمن عمرو بن الجموح برسالة الإسلام و فرح معاذ بإسلام والده .

هجرة النبي

عندما اشتد أذى المشركين أشار النبي على أصحابه بالهجرة إلى المدينة .

راح المسلمون يتسللون من مكّة فرادى و جماعات .

شعرت قريش بهذه الهجرة فألقت القبض على بعضهم و عذّبتهم . و في تلك الفترة و بعد أن مضى ثلاثة عشر سنة على بعثة النبي ( صلى الله عليه و آله ) فكّرت قريش و بتحريض من أبي جهل بقتل سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) .

و هبط الوحي يخبر رسول الله بذلك و يأمره بالهجرة .

استدعى النبي ( صلى الله عليه و آله ) ابن عمّه علي بن أبي طالب و عرض عليه أن ينام في فراشه حتى لا يحسّ المشركون بخروجه ، فرحّب علي بذلك .

و عندما اقتحم المشركون منزل النبيّ و رأوا عليّاً في فراشه تعجّبوا لهذه الشجاعة و هذه التضحية الفريدة .

وصل سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) المدينة و استقبله أهلها بالزغاريد و الأناشيد و خرجت الفتيات ينشدن بفرح :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع *** وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

ايّها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع *** جئت نوّرت المدينة مرحباً يا خير داع

و من ذلك اليوم تحوّل اسم يثرب إلى المدينة المنوّرة ، و بدأ سيدنا محمّد في بناء المجتمع الجديد .

و كان أوّل شيء فعله سيدنا محمّد ( صلى الله عليه و آله ) هو بناء المسجد ليكون رمزاً للتوحيد و عبادة الله وحده لا شريك له ، ثم آخى بين المهاجرين و الأنصار ، فالمسلمون إخوة و هم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر .

معركة بدر

كان المشركون في مكّة قد أغاروا على بيوت المسلمين المهاجرين و نهبوها .

أراد سيّدنا محمّد تأديب قريش و عندما سمع بقرب عودة قافلة تجارية لهم من الشام ، أمر المسلمين بالاستعداد لمصادرتها .

سمع أبو سفيان و كان يقود القافلة بالأخبار ، فأرسل استغاثة إلى قريش ، كما غيّر طريق القافلة .

استعدّ المشركون لمواجهة المسلمين ، فعبأوا جيشاً يتألّف من تسعمائة و خمسين مقاتل و زحفوا باتجاه المدينة .

عبّأ سيدنا محمّد جيشه ، سلّم لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير ، و سلّم لواء الأنصار إلى سعد بن معاذ ، أما رايته و تسمّى " العقاب " فسلّمها إلى علي بن أبي طالب .

و عندما حدثت المعركة خاض المسلمون قتالاً مريراً . نصر الله عباده المؤمنين فقتلوا كثيراً من أعداء الإسلام . و قتل الله أبا جهل ، قتله فتى الأنصار معاذ بن عمرو الجموح . كما قُتل اُمية بن خلف الذي كان يعذّب بلال الحبشي في الصحراء . و وقع في أسر المسلمين الكثير من المشركين من بينهم النضر بن الحارث الذي كان يعذّب المسلمين في مكّة .

قال النضر بن الحارث لمصعب بن عمير :

ـ كلّم صاحبك " أي سيّدنا محمّد " أن يجعلني كرجل من الأسرى .

قال مصعب :

ـ انّك كنت تعذّب أصحابه .

حاول النضر أن يبثّ في روح مصعب حميّة الجاهلية فقال له :

ـ لو أسرتك قريش لمنعتهم عن قتلك .

قال مصعب :

ـ لست مثلك لقد قطع الإسلام العهود .

كان مصعب لا يفكّر في شيء سوى الإسلام و لا يطيع أحداً إلاّ الله و رسوله .

معركة اُحد