|
أبو ذر الغفاري
أبو ذر
الغفاري . . صوت العدالة
كانت قبيلة
غفّار من قبائل العرب الوثنية ، تسكن في المناطق القريبة من المدينة
المنوّرة ( يثرب ) ، حيث تمرّ قوافل مكّة التجارية .
و أفراد قبيلة
غفار يعبدون صنماً اسمه " مناة " و يعتقدون أن " مناة " بيده القضاء و
القدر و الحظ ، و لذلك فإنّ أفراد القبيلة يذهبون إليه و يقدّمون له
القرابين .
و ذات يوم
توجّه شاب من قبيلة " غفار " إلى مناة و كان فقيراً فقدّم إلى مناة " اللبن
" ، و راح ينظر إليه و لكن مناة لم يحرّك ساكناً و لم يشرب اللبن فظلّ
ينتظر . و في الأثناء مرّ ثعلب لم ينتبه إلى وجود " جندب " فشرب اللبن . و
لم يكتف بذلك بل رفع قدمه و بال في اُذن " مناة " ، و ظلّ مناة جامداً .

ضحك الشابّ
ساخراً من " مناة " و من نفسه لأنّه يعبد صخرة صمّاء لا تفهم و لا تعي
شيئاً .
و في طريق
عودته الى القبيلة تذكّر " جندب " كلمات سمعها ذات يوم و هو يمشي في سوق "
عكاظ " في مدينة مكّة . . تذكّر كلمات " قيس بن ساعدة " و هو يهتف بها في
السوق :
أيُّها الناس
اسمعوا و عوا
إنّ من عاش
مات
و من مات فات
و كلّ ماهو
آتٍ آت
ليل داج
و سماء ذات
ابراج .
مالي أرى
الناس يذهبون فلا يرجعون ؟!
أرضوا بالمقام
فأقاموا ؟
أم تركوا هناك
فناموا ؟!
نظر " جندب "
إلى السماء الزرقاء الصافية ، و إلى الصحراء الممتدة بتلالها و رمالها ، و
تذكّر ما فعله الثعلب ب " مناة " ، فآمن بأنّ لهذا العالم إلهاً كبيراً
أكبر من مناة و من هبل و من اللات و من كلّ الأوثان .
و منذ ذلك
الوقت و جندب بن جنادة يتوجّه بقلبه إلى السماء و الأرض .
طلوع الشمس
كان أهل
الكتاب يبشّرون بظهور نبي جديد أطلّ زمانه ، و كانت القبائل العربية تتناقل
هذه الأخبار . و كان الذين يسخرون من الأصنام و الأوثان يتشوّقون لرؤية
النبي الجديد .
و ذات يوم مرّ
رجل قادم من مكّة فقال لجندب :
ـ ان رجلاً في
مكة يقول : لا إله إلاّ الله و يدّعى انّه نبي .
و سال جندب :
ـ من أي قبيلة
هو ؟
قال الرجل :
ـ من قريش .
فقال جندب :
ـ من أي قريش
؟
أجاب الرجل :
ـ من نبي هاشم
.
سأل جندب :
ـ و ماذا فعلت
قريش ؟
قال الرجل :
ـ كذّبته و
قالت انّه ساحر و مجنون .
انصرف الرجل ،
و ظلّ " جندب " يفكّر و يفكّر .
أنيس
فكّر " جندب "
أن يرسل أخاه أنيساً إلى مكّة ليأتيه بأخبار النبيّ الجديد ، و انطلق أنيس
يقطع مئات الأميال الى مكّة ، و سرعان ما عاد ليخبر أخاه :
ـ رأيت رجلاً
يأمر بالخير و ينهى عن الشرور و يدعو إلى عبادة الله وحده .
و رأيته يصلّي
عند الكعبة و إلى جانبه فتى اسمه علي بن أبي طالب و هو ابن عمّه ، و خلفهما
امرأة و هي زوجته خديجة .
و سأل جندب
أخاه :
ـ و ماذا رأيت
بعد ؟
أجاب أنيس :
ـ هذا ما
رأيته و لم أجرؤ على الاقتراب منه خوفاً من زعماء قريش .
إلى مكّة
لم يقنع جندب
بما سمعه ، فانطلق نفسه إلى مكّة ليتعرّف على النبيّ .
مالت الشمس
إلى المغيب عندما وصل الشاب الغفاري مكّة فطاف حول الكعبة ، ثم جلس في
زاوية من الحرم ليستريح و يفكّر في طريقة يلتقي فيها النبي .

حلّ الظلام و
أقفرت الكعبة من الناس ، و في الأثناء دخل فتىً ساحة المسجد الحرام و راح
يطوف حول الكعبة بخشوع ، و انتبه الفتى إلى وجود الرجل الغريب فتقدّم إليه
و سأله بأدب :
ـ كأنّك غريب
؟
أجاب الغفاري
: نعم .
قال الفتى :
ـ انهض معي
إلى المنزل .
و شكر جندب في
نفسه الفتى و هو يتبعه إلى المنزل صامتاً .
و في الصباح
ودّع جندب الفتى و انطلق إلى بئر زمزم لعلّه يتعرّف على النبيّ .
و مرّت
الساعات و جندب يترقّب و ينتظر إلى أن حلّ الظلام .
اللقاء
مرّةً أُخرى
جاء الفتى و طاف حول الكعبة كعادته و رأى الرجل الغريب في مكانه فقال له :
ـ أما آن
للغريب أن يعرف منزله ؟
أجاب جندب :
ـ لا .
قال الفتى :
ـ انطلق معي
الى المنزل .
نهض " جندب "
مع الفتى إلى منزله ، كان صامتاً أيضاً .
قال الفتى :
ـ أراك تفكّر
، فما هي حاجتك ؟
قال جندب بحذر
:
ـ إذا كتمت
عليّ أخبرتك .
قال الفتى :
ـ أكتم عليك
إن شاء الله .
و ارتاح جندب
إلى ذكر الله فقال بصوت خافت :
ـ سمعت بظهور
نبي في مكة فأردت أن ألقاه .
قال الفتى و
هو يبتسم :
ـ لقد أرشدك
الله . . سأدلّك على منزله فاتبعني من بعيد . فإن رأيتُ أحداً أخافه عليك ،
وقفت كأنّي أصلحُ نعلي ، فلا تقف و امض في طريقك .
و مضى الفتى
إلى منزل سيّدنا محمّد و جندب يتبعه إلى أن وصلا .
الإيمان
و يدخل جندب
منزل النبي و يلتقي سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
، فاذا هو أمام إنسان يجسّد كلّ مكارم الأخلاق .
سأل سيّدُنا
محمّد ضيفه :
ـ ممّن الرجل
؟
أجاب جندب :
ـ من قبيلة
غفار .
و سأل النبيّ
:
ـ ما هي حاجتك
؟
قال جندب :
ـ أعرض عليّ
الإسلام .
قال النبيّ :
ـ الإسلام أن
تشهد أن لا إله إلاّ الله و أني رسول الله .
و بعد ؟
ـ أن تنتهي عن
الفحشاء و المنكر و تسلك مكارم الأخلاق ، و تترك عبادة الأوثان إلى عبادة
الله وحده لا شريك له ، و ان لا تسرف و لا تظلم . .
و امتلأ
الشابّ إيماناً بالله و رسوله ، فقال :
ـ أشهد أن لا
إله إلاّ الله و أنّك رسول الله . . رضيت بالله ربّاً و بك نبيّاً .
و في تلك
اللحظة ولدت شخصية اُخرى هي شخصية الصحابي الكبير أبي ذر الغفاري جُندب بن
جنادة .
نهض أبو ذر و
هتف بحماس :
ـ و الذي بعثك
لأصرخنّ بها .
و قبل أن
يغادر المنزل سأل أبو ذر سيّدنا محمّداً :
ـ من هذا
الفتى الذي دلّني عليك .

أجاب النبيّ
باعتزاز :
ـ هو ابن عمّي
عليّ .
و أوصاه
سيّدنا محمّد قائلاً :
ـ يا أباذر
اكتم هذا الأمر و ارجع إلى بلادك .
و أدرك أبو ذر
أن رسول الله يخشى عليه انتقام قريش فقال :
ـ و الذي بعثك
بالحقّ نبيّاً لأصرخن بها بينهم و لتفعل قريش ما تريد .
و في الصباح
انطلق أبو ذر إلى الكعبة بيت الله الحرام ، كانت الأصنام جامدة في أماكنها
لا تتحرّك و أبو ذر يشقّ طريقه ، و جبابرة قريش جالسون يفكّرون بأمر الدين
الجديد .
و في تلك
اللحظات دوّت صرخة جريئة :
ـ يا معشر
قريش . . إني أشهد أن لا إله إلاّ الله و أشهد أنّ محمداّ رسول الله .
و اهتزت
الأوثان و قلوب المشركين .
و صاح قرشي :
ـ من هذا الذي
يسبّ آلهتنا .
و ركضوا نحوه
و انهالوا عليه ضرباً حتى فقد وعيه و الدماء تنزف منه .
و تدخّل
العباس عمّ سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و أنقذه قائلاً :
ـ ويلكم يا
معشر قريش تقتلون رجلاً من " غفار " ! و طريق قوافلكم على قبيلته .
و أفاق أبو ذر
و ذهب إلى " زمزم " فشرب من مائها و غسل من جسمه الدماء .
و مرّة اُخرى
أراد أبو ذر أن يتحدّى قريش بإيمانه ، فانطلق نحو الكعبة و دوّت صرخته :
ـ أشهد أن لا
إله إلاّ الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمّداً رسول الله .
و هجموا عليه
مثل الذئاب و راحوا يكيلون له الضربات .
و سقط على
الأرض فاقداً وعيه ، و أنقذه العباس أيضاً .
العودة
ذهب أبو ذر
إلى سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
و تألم النبي
لمنظره فقال له بإشفاق :
ـ ارجع إلى
قومك و ادُعهم إلى الإسلام .
قال أبو ذر :
ـ سأذهب يا
رسول الله إلى قومي و سأدعوهم إلى الإسلام و لن أنسى ما فعلته قريش بي .
و عاد أبو ذر
إلى قبيلته و راح يدعوهم إلى نور الإسلام . فأسلم أخوه أنيس و أسلمت اُمّه
و أسلمت نصف قبيلته . أما النصف الآخر فقالوا : حتى يأتي النبيّ .
الهجرة
و تمرّ الأيام
و المشهور و الأعوام . . و يهاجر سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
من مكّة إلى المدينة ، و تصل الأخبار إلى أبي ذر . فخرج مع قبيلته إلى
استقباله في الطريق .

و لاح سيّدنا
محمّد من بعيد على ناقته " القصواء " فأسرع أبو ذر إليه و أخذ بزمام الناقة
و قال مبشّراً :
ـ يا رسول
الله أسلم أخي و أسلمت اُمي و أسلم الكثيرون من قبيلتي .
و فرح سيّدنا
محمّد و هو يشاهد جموع المستقبلين .
قال احدهم :
ـ يا رسول
الله إن أباذر علّمنا ما علمته فأسلمنا و شهدنا انّك رسول الله .
و أسلم
الباقون من قبيلة " غفار " ثم جاءت قبيلة اُخرى مجاورة اسمها " أسلم "
فأسلمت و أعلنت أن لا إله إلاّ الله و أن محمّداً رسول الله .
فقال سيّدنا
محمّد متأثراً :
ـ " غفار "
غفر الله لها ، و " أسلم " سالمها الله .
و مضى رسول
الله إلى مدينة " يثرب " و رافقه أبو ذر مسافة من الطريق .
و عندما عاد
أبو ذر إلى قبيلته سأله بعضهم :
ـ هل حدّثك
رسول الله بشيء ؟
فقال أبو ذر :
ـ نعم أمرني
بسبع :
أمرني بحبّ
المساكين و الدنو منهم .
و أمرني أن
أنظر من هو دوني و لا أنظر من هو فوقي .
و أمرني أن
أصل الرحم و إن أدبرت .
و أمرني أن لا
أسأل أحداً شيئاً .
وأمرني أن
أقول الحق و لو كان مرّاً .
و أمرني أن لا
أخاف في الله لومة لائم .
و أمرني أن
أكثر من قول " لا حول و لا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم " .
فانّهنّ كنز
تحت العرش .
و ظلّ أبو ذر
في قبيلته يرشدهم و يعلّمهم ، و كان مثال المسلم المؤمن .
أوصني يا
رسول الله
ذات يوم دخل
أبو ذر المسجد فوجد سيّدنا محمّداً وحده ، فجلس قربه .
قال سيّدنا
محمّد :
ـ يا أبا ذر
إن للمسجد تحية و هي ركعتان .
نهض أبو ذر و
صلّى ركعتين ثم عاد فجلس قرب النبيّ و قال :
ـ يا رسول
الله أي الأعمال أفضل ؟
ـ إيمان بالله
عز وجل و جهاد في سبيل الله .
ـ أي المؤمنين
أكمل إيماناً ؟
ـ أحسنهم
خلقاً .
ـ يا رسول
الله فأي المؤمنين أسلم ؟
ـ من سلم
الناس من لسانه و يده .
ـ يا رسول
الله فأي الهجرة أفضل ؟
ـ هجر السيئات
.
ـ يا رسول
الله أي الصدقة أفضل ؟
ـ جهد من مقل
يسير إلى فقير .
ـ يا رسول
الله فأي آية مما أنزل الله أعظم ؟
ـ آية الكرسي
. . يا أباذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلاّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة .
ـ يا رسول
الله كم الأنبياء ؟
ـ مائة ألف و
أربعة و عشرون ألفاً . .
يا أبا ذر
أربعة سريانيون : آدم و شيت و خنوخ ـ إدريس ـ و هو أول من خط بالقلم و نوح
، و أربعة من العرب : هود و صالح و شعيب و نبيّك .
ـ يا رسول
الله كم كتاب لله تعالى ؟
ـ مائة كتاب و
أربعة ، أُنزل على شيت خمسون صحيفة ، وأُنزل على خنوخ ( إدريس ) ثلاثون
صحيفة ، و أُنزل على إبراهيم عشر صحائف ، و أُنزل على موسى قبل التوراة عشر
صحائف ، و أُنزل التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان ( القرآن ) .
ـ يا رسول
الله فما كانت صحف إبراهيم
( عليه السَّلام )
؟
ـ أمثالاً
كلّها : " أيّها الملك المسلّط المبتلى المغرور فإنني لم أبعثك لتجمع
الدّنيا بعضها إلى بعض و لكن لترد عني دعوة المظلوم فاني لا أردها و لو
كانت من كافر . .
ـ يا رسول
الله فما كانت صحف موسى
( عليه السَّلام )
؟
ـ كانت عبراً
كلّها : عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح ، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو
يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب ، عجبت لمن رأى الدّنيا و تقلّبها
بأهلها ثم اطمأن إليها ، عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل .
بكى أبو ذر
خشوعاً و قال :
ـ يا رسول
الله أوصني ؟
ـ أوصيك بتقوى
الله فانّه رأس الأمر كلّه .
ـ يا رسول
الله زدني .
ـ عليك بتلاوة
القرآن فهو نور لك في الأرض و ذكر لك في السماء .
ـ يا رسول
الله زدني .
ـ حبّ
المساكين و جالسهم .
في الطريق
إلى تبوك
مضت سنوات و
سنوات ، أصبح المسلمون اُمّة واحدة و أصبح لهم دولة ، و انتصروا على
أعدائهم من المشركين و اليهود . و دخلت القبائل العربيّة دين الله أفواجاً
.
و لمّا كان
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
رسول الله إلى الناس جميعاً ، فقد أراد للإسلام أن يعبر حدود جزيرة العرب
إلى العالم كلّه .
أعلن سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
الجهاد و أمر المسلمين بالاستعداد للتوجّه نحو " تبوك " في شمال الجزيرة
العربية .
و فوجئ
المسلمون بإعلان النبي و تحدّيه لأكبر دولة في العالم آنذاك .
و قال
المنافقون :
ـ سوف يقهرهم
" هرقل " بجيوشه الجرّارة .
و كانوا
يجتمعون في بيت " سويلم " اليهودي و يخوّفون المسلمين من التوجّه إلى تبوك
.
و لمّا غادر
النبي المدينة و تخلّف المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ، قرّر سيّدنا
محمّد أن يستخلف على المدينة ابن عمّه بطل الإسلام علي بن أبي طالب ، حتى
يحبط مؤامرات المنافقين .
و شعر
المنافقون بالضيق من " علي " فأشاعوا بين الناس : إنّ الرسول خلّفه
استثقالاً له .
و لكي تتبيّن
الحقيقة للناس أخذ علي سلاحه و لحق بالنبي خارج المدينة في منطقة تدعى "
الجرف " و أخبره بما يقوله المنافقون :
ـ يا نبيّ
الله زعم المنافقون انّك إنّما خلَّفتني لأنّك استثقلتني .
ابتسم سيّدنا
محمّد و قال :
ـ كذب
المنافقون و لكنّي خلّفتك لتحفظ المدينة و تحميها من مكرهم . أفلا ترضى يا
عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي ؟
أجاب علي :
نعم رضيت يا
رسول الله .
و عاد علي إلى
المدينة مسروراً بكلمات الرسول
( صلى الله عليه وآله )
.
كن أباذر
مضى النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
يقود الجيش الإسلامي عبر الصحراء ، و كان بعض المسلمين من ضعفاء الإيمان
يتخلّفون في الطريق و يعودون إلى المدينة فيخبر بعضهم سيّدنا محمّداً
قائلين : تخلّف فلان . فكان رسول الله يقول :
ـ دعوه فإن
يَكُ فيه خير فسيلحقه الله بكم .
و في منتصف
الطريق قال أحد المسلمين :
ـ يا رسول
الله تخلّف أبو ذر .
فقال النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ دعوه فإن
يَكُ فيه خير فسيلحقه الله بكم .
و استمر الجيش
الإسلامي يطوي الصحراء .
كان أبو ذر
راكباً بعيراً هزيلاً لا يقوى على المسير . . و شيئاً فشيئاً كان يتخلّف عن
الجيش الإسلامي ، حتى برك البعير عاجزاً عن التحرّك خطوة واحدة .
جلس أبو ذر
حزيناً يفكّر ماذا يفعل ؟
هل يعود إلى
المدينة ؟ أم يمضي ماشياً ؟
و لكن أبو ذر
لم يكن ليفكّر في العودة ، فقد كان مؤمناً و يحبّ سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
، فقرّر أن يتبع آثار الجيش ماشياً .
راح أبو ذر
يطري الصحراء الحارقة ، و نفد كلّ ما معه من الزاد و الماء ، و مع ذلك كان
يستمر في المشي يدفعه إلى ذلك إيمانه العميق بالله و حبّه لرسول الله .
كان يشعر بعطش
شديد فرأى في صخرة محفورة ماءً بارداً ، و لمّا ذاقه وجده عذباً ، فأراد أن
يشرب و لكنّه امتنع و قال :
ـ لا أشرب حتى
يشرب منه حبيبي رسول الله .
ملأ قربته من
الماء ، و مضى يطوي الصحراء ماشياً على قدميه .
كان أبو ذر
يسير الليل و النهار حتى يمكنه اللحاق بالجيش الإسلامي .
عسكر الجيش
الإسلامي في بعض المناطق للاستراحة ليلاً لكي يستأنف زحفه باتجاه " تبوك "
.
و عندما أشرقت
شمس اليوم التالي شاهد بعض المسلمين رجلاً قادماً من بعيد ، فتعجّبوا و
قالوا للنبيّ :
ـ يا رسول
الله إن هذا الرجل يمشي وحده !!
فقال سيدنا
محمّد :
ـ كن أبا ذر .
و راح
المسلمون يتطلّعون إليه ، و لمّا أصبح قريباً منهم صاحوا :
ـ هو و الله
أبو ذر .
و رأى النبي
على ملامحه التعب و العطش فقال :
ـ أدركوه
بالماء فانّه عطشان .
و لكن أبو ذر
كان يتجه إلى سيّدنا محمّد و بيده القربة ليشرب رسول الله .
فتساءل النبي
:
ـ يا أباذر
أمعك ماء و أنت عطشان ؟!
فقال أبو ذر :
ـ نعم يا رسول
الله فداك أبي و اُمّي . رأيت في صخرة محفورة ماء المطر فذقته فإذا هو عذب
بارد فقلت لا أشرب حتى يشرب منه رسول الله .
فتأثّر النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
و قال :
ـ رحمك الله
يا أبا ذر . .
تعيش وحدك .
و تموت وحدك .
و تدخل الجنّة
وحدك .
و يسعد بك قوم
من أهل العراق يتولون غسلك و تجهيزك و الصلاة عليك .
أحاديث
النبيّ
تُوفي سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
فحزن المسلمون و كان أبو ذر من أكثرهم حزناً و وفاءً لرسول الله فحفظ ما
سمعه من أحاديثه و جعل منها نبراساً يضيء له الطريق .
كان أبوذر
يؤمن إيماناً عميقاً بأن الخلافة حقّ إلهي مثل النبوّة و أن الله سبحانه
يختار من عباده الصالحين أكثرهم جدارة ، و قد سمع أبو ذر النبيّ يقول لعليّ
: أنت مني بمنزلة هارون من موسى و لكنّه لا نبيّ بعدي .
و سمعه في "
غدير خُم " عندما عاد من حجّة الوداع أمام المسلمين جميعاً : من كنتُ مولاه
فهذا عليٌّ مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، و عادِ من عاداه ، و انصر من
نصره ، و اخذل من خذله .
و سمعه يقول :
عليّ مع الحق و الحقّ مع علي .
و مع الأسف
فإن بعض المسلمين تناسى هذه الأحاديث . و عندما توفي النبيّ
( صلى الله عليه وآله )
و بينما كان ابن عمّه و وصيّه علي بن أبي طالب مشغولاً بهذه المصيبة اجتمع
بعض الصحابة و أصبح أبو بكر هو الخليفة .
اعترض كثير من
الصحابة على ذلك ، منهم سلمان الفارسي الذي قال عنه النبيّ
( صلى الله عليه وآله )
: سلمان منّا أهل البيت .
|