|
عمار بن ياسر
كان الناس في
مكّة يعيشون في جهل و ظلام .
يظلم القويّ
الضعيف و يسلبه حقه فلا ينصره أحد ، و كان زعماء قبيلة قريش يشتغلون في
التجارة ، فكانت لهم رحلتان تجاريتان كلّ عام .
في فصل الصيف
تذهب قوافلهم إلى الشام ، و في فصل الشتاء يتجهون إلى اليمن .
و أهل مكّة
فيهم فقراء و فيهم أثرياء ، فالأثرياء يظلمون الفقراء و يقهرونهم ، و بعض
الفقراء يعيشون عبيداً لا يملكون شيئاً حتى حرّيتهم .
و في ذلك
الزمان عاش سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
، كان يذهب إلى جبل حراء ، يفكّر في مصير الناس ، و يفكر في قومه و في
عبادتهم للأصنام و الأوثان .
و ذات يوم و
عندما بلغ سيّدنا محمّد من العمر أربعين سنة هبط عليه الوحي ، يُبشِّره
بالإسلام رسالة الله سبحانه إلى الناس جميعاً .
و هبط سيّدنا
محمّد من الجبل و هو يحمل معه رسالة الإسلام لكي يعيش الناس إخواناً
متحابين .
أصغى الفقراء
و المظلومون إلى نداء الإسلام فآمنوا به و امتلأت قلوبهم بحبّ الإسلام .
و سمع
الظالمون من تجّار قريش و أثريائها فحقدوا على سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و راحوا يكيدون للإسلام و المسلمين .
كان أبو جهل
أكثر المشركين حقداً و كان يؤذي سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
كثيراً .
دار الأرقم
كان سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
يجتمع بالمؤمنين سرّاً في دار الأرقم ، حتى لا ينكشف أمرهم فيتعرّضون
لانتقام أبي جهل و أبي سفيان و غيرهما من المشركين .
و ذات يوم جاء
عمّار بن ياسر فوجد رجلاً واقفاً عند الباب فقال :
ـ ماذا تفعل
هنا يا صهيب ؟
أجاب صهيب :
ـ جئت أسمع
كلام محمّد . . و أنت ؟
قال عمّار :
ـ و أنا
أيضاًَ جئت أسمع كلامه .
و دخل عمّار و
صهيب ، و راحا يصغيان بخشوع إلى كلمات الله و آيات القرآن الكريم .
شعر عمّار
بالإيمان يملأ قلبه ، كما تمتلئ السواقي بماء المطر .
و عندما أراد
عمّار و صهيب أن يخرجا قال سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ امكثا هنا
إلى المساء .
كان رسول الله
( صلى الله عليه و آله )
يخشى عليهما من انتقام قريش .
انتظر عمّار
حتى حلّ الظلام فخرج من دار الأرقم و أسرع نحو منزله .
كانت اُمّه
تنتظر عودته بقلق ، و كذلك كان أبوه هو الآخر ينتظر عودته .
عندما دخل
عمّار ، عمّت الفرحة البيت الصغير . و راح عمّار يحدّث والديه عن الإسلام
دين الله .
آل ياسر
ينتمي عمّار
في نسبه إلى قبائل اليمن ، و لكن ما الذي جاء به إلى مكّة ؟
جاء والده (
ياسر ) مع أخويه الحارث و مالك يبحثون عن أخيهم الرابع الذي انقطعت أخباره
.
بحثوا عنه في
كلّ مكان ، ثم جاءوا إلى مكّة للبحث عنه فلم يعثروا على أثر له .
أراد الحارث و
مالك العودة إلى اليمن ، و لكن ياسراً فضّل البقاء في مكّة قرب بيت الله
الحرام .
لجأ ياسر إلى
قبيلة بني مخزوم و أصبح كأحد أفرادها و تزوّج جارية اسمها سميّة .
و تمرّ
الأيام و تنجب سميّة صبياً فسمّاه أبوه عمّاراً .
عمّار
ولد عمار بن
ياسر قبل عام الفيل بأربع سنين أي قبل ولادة سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
الذي وُلد في عام الفيل .
و عندما أصبح
شاباً ، تعرّف على سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
و أصبح صديقاً له .
كان يحب سيدنا
محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
لأخلاقه و أمانته و إنسانيته .

و ذات يوم كان
يتمشى مع سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
بين جبل الصفا و جبل المروة و كان عمره تسعاً و عشرين سنة و عمر سيدنا محمد
خمساً و عشرين سنة ، جاءت هالة أخت خديجة بنت خويلد و تحدّث مع عمار حول
فكرة زواج سيدنا محمد
( صلى الله عليه و آله )
من خديجة ، و وافق سيدنا محمد حيث تمّ الزواج المبارك .
و عندما بعث
الله سيدنا محمداً برسالة الإسلام آمن عمار و والده ياسر و اُمه سميّة .
الانتقام
سمع أبو جهل
بإسلام عمار و والديه فجنّ جنونه .
قاد أبو جهل
جماعة من المشركين و اتجهوا إلى منزل ياسر . كانت في أيديهم المشاعل
فأحرقوا الدار و اقتيد ياسر و عمار و سمية إلى الصحراء خارج مكّة .
قيّدوهم
بالسلاسل ، و بدأوا بتعذيبهم .
في البداية
انهالوا عليهم بالسياط حتى سالت الدماء .
ثم جاءوا
بمشاعل النار و راحوا يكوون أجسادهم .
و ظلّت هذه
الأسرة الصغيرة المؤمنة ثابتة على إيمانها .
جاء أبو جهل
بالصخور و وضعها فوق صدورهم ، كانوا يتنفسون بصعوبة و لكنّهم ظلوا على
إيمانهم .
حان وقت الظهر
و اشتدت حرارة الشمس فعاد أبو جهل و المشركون إلى مكة و تركوا الأسرة تحت
أشعة الشمس الحارقة .
و في الأثناء
مرّ سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و رآهم على هذه الحالة فبكى رحمة لهم و قال :
ـ صبراً يا آل
ياسر إنّ موعدكم الجنّة .
قالت سميّة و
قد ملأ قلبها الإيمان :
ـ أشهد انّك
رسول الله و أن وعدك الحقّ .
عاد الجلاّدون
يتقدّمهم أبو جهل و بيده حربة طويلة و بدأ يعذّبهم بالحديد و النار .
فقد عمار و
ياسر و سمية وعيهم ، فرشّوهم بالماء ، و عندما أفاقوا صاح أبو جهل بسمية :
ـ اذكري
الآلهة بخير و محمداً بسوء .
بصقت سميّة في
وجهه و قالت :
ـ بؤساً لك و
لآلهتك .
شعر أبو جهل
بالحقد ، فرفع الحربة عالياً و سدّد ضربة إلى بطنها و راح يمزّق جسمها
بالحربة حتى قتلها ، فكانت سميّة أول شهيدة في تاريخ الإسلام .
و اتجه أبو
جهل إلى ياسر و راح يركله بقدمه على بطنه حتى قتله و استشهد ياسر تحت
التعذيب الوحشي .
رأى عمار ما
حلّ بوالديه فبكى . و انهال عليه أبو جهل و المشركون بالسياط و أنواع
العذاب ، و صاح أبو جهل :
ـ سوف أقتلك
إذا لم تذكر آلهتنا بخير .
لم يتحمّل
عمّار ذلك التعذيب الوحشي فقال :
ـ اعل هبل .
ذكر عمّار
آلهتهم بخير لكي يكفّوا عن تعذيبه ، عندها حلّوا وثاقه و تركوه .
الإيمان في
القلب
جاء عمّار إلى
سيدنا محمّد يبكي ، لم يكن يبكي من أجل والديه و لا من أجل نفسه و ما رآه
من عذاب ، جاء يبكي لأنه ذكر الأوثان بخير .

واسى رسول
الله عمّاراً باستشهاد والديه ، و كان عمّار ما يزال يبكي قائلاً :
ـ لم يتركوني
يا رسول الله حتى أكرهوني فذكرت آلهتهم بخير .
قال سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و الرحمة تشعّ من عينيه :
ـ كيف تجد
قلبك يا عمّار ؟
ـ قلبي مطمئن
بالإيمان يا رسول الله .
قال النبي
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ لا عليك يا
عمّار . لقد أنزل الله فيك " إلاّ من أُكره و قلبه مطمئن بالإيمان " .
الهجرة
اشتدت محنة
المسلمين في مكّة ، فأمر سيّدنا محمّد أصحابه بالهجرة إلى " يثرب " ، و
هاجر عمّار مع مَن هاجر في سبيل الله .
و عندما هاجر
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
عمّت الفرحة المدينة المنوّرة و عاش المهاجرون مع إخوانهم الأنصار حياة
طيبة تسودها المحبّة و التعاون و الاخاء .
كان أوّل شيء
فكّر فيه رسول الله
( صلى الله عليه و آله )
هو بناء مسجد يعبد فيه المسلمون الله وحده ، و يكون رمزاً لعزة الإسلام و
قلعة للاُمة الإسلامية .
شمّر المسلمون
عن سواعدهم و راحوا يعملون بحماس لبناء مسجد النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
.
كان بعضهم
يحمل التراب ، و بعض يصنع الآجر ، و آخرون يحملون ما جفّ منه لبناء الجدران
.
كان سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
يعمل مع أصحابه ، و كان عمّار يعمل بنشاط و قد غطّاه الغبار ، كان كلّ فرد
من المسلمين يحمل لبنة ( طابوقة ) واحدة ، أما عمار فكان يحمل لبنتين ،
فقال له سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
: لهم أجر و لك أجران .
و لكي يبثّ في
قلوب إخوانه الحماس في العمل ، كان يردّد شعاراً حماسياً :
ـ لا يستوي من
يعمّر المساجدا
يدأب فيها
قائماً و قاعدا
و من يرى عن
الغبار حائدا
كان بعض
الصحابة يتحاشى الغبار ، فظنّ أن عمّار يعنيه بهذا الشعر .
جاء عثمان إلى
عمّار و قال له مهدّداً :
ـ سوف أضرب
أنفك بهذه العصا .
نظر عمّار
إليه و لم يقل شيئاً .
سمع سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
بذلك فتألم و جاء إلى عمّار و قال :
ـ إنّ عمّاراً
جلدة ما بين عيني و أنفي .
مسح سيّدنا
محمّد عن وجه عمّار الغبار ، فامتلأ قلب الصحابي الجليل حبّاً للنبي الكريم
.
الجهاد في
سبيل الإسلام
مرّت الأيام و
الشهور و شاء الله سبحانه أن يثأر للمظلومين من الذين اضطهدوا للمسلمين في
مكّة و نهبوا أموالهم و صادروا حقوقهم .
وقعت معركة
بدر ، و كان عمّار في طليعة المقاتلين ، الذين خرجوا لاعتراض قافلة لقريش
قادمة من الشام .
جاءت الأخبار
المشركين في مكة قد ألفوا جيشاً بقيادة أبي جهل و أنهم يتجهون نحو المدينة
.
استشار النبي
أصحابه ، و استقر الرأي على مواجهة المشركين .
بعث سيّدنا
محمّد عمار بن ياسر و عبد الله بن مسعود لجمع المعلومات عن عدد أفراد الجيش
و عن عدّتهم .
قام عمّار
بمهمته خير قيام و كان شجاعاً جريئاً فاقترب من قواتهم ليلاً و طاف حول
معسكرهم لجمع المعلومات .
عاد عمّار و
معه صاحبه إلى سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
قال عمّار :
ـ إن القوم
مذعورون خائفون ، و أن الفَرس يريد أن يصهل فيضربه صاحبه على وجهه ، و
السماء تسحّ عليهم بالمطر .
كانت
المعلومات التي قدّمها عمّار حسّاسة جدّاً ، فقد أشار إلى حالتهم المعنوية
المتردّية ، و حالة الخوف المسيطرة عليهم ، كما أشار إلى غزارة الأمطار و
طبيعة الأرض و الطين التي ستحّد من قدرتهم على الحركة .
و في الصباح
عندما استيقظ المشركون وجدوا آثاراً غريبة فجاء " مبنه بن الحجاج " و كان
عالماً بالأثر ، فصاح : و اللات و العزى هذا أثر ابن سمية و ابن اُم عبد أي
عبد الله بن مسعود .
المعركة
في صباح يوم
السابع عشر من شهر رمضان سنة 2 هجرية وقعت معركة بدر الكبرى . . أوّل معركة
في تاريخ الإسلام ، و نصر الله المؤمنين على المشركين .
كان عمّار
يقاتل بحماس المسلم الذي يؤمن بالنصر أو الشهادة .
و عندما انهزم
المشركون ، شاهد عمّار " أبا جهل " جثة هامدة ، فتذكّر تلك الأيام التي كان
فيها أبو جهل يؤذي المسلمين و يعذّب والديه الشهيدين ياسر و سميّة . و ها
هي سيوف المظلومين تقتصّ من الظالمين .
رفع عمّار
عينيه إلى السماء و شكر الله سبحانه على نصره .
عمّار مع
الحق
بلغ عمّار من
العمر ستين سنة ، و لكنه كان يفوق الشباب في حماسه من أجل الجهاد في سبيل
الله .
كان عمّار
عميق الإيمان بالله شديد الحبّ لرسول الإنسانية سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و كان النبيّ
( صلى الله عليه و آله )
هو الآخر يحبّ صديقه القديم الذي رافقه شبابه و آمن به و نصره و وقف إلى
جانبه .
كان سيّدنا
محمّد
( صلى الله عليه و آله )
يشيد بمنزلة عمّار في المناسبات ، فمرّة قال
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ عمّار مع
الحق و الحقّ مع عمّار يدور معه كيفما دار .
و فيه قال :
ـ طوبى لعمّار
تقتله الفئة الباغية .
ـ إن عمّاراً
قد ملئ إيماناً إلى أخمص قدميه .
ـ يا عمّار
تقتلك الفئة الباغية و آخر زادك من الدنيا ضياح ( إناء ) من لبن .
و تمرّ الأيام
و الشهور و الأعوام و عمّار إلى جانب سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
يجاهد في سبيل الله أعداء الإسلام و الإنسانية .
وفاة النبي
( صلى الله عليه و آله )
في السنة
الحادية عشر من الهجرة توفي سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
فحزن المسلمون جميعاً ، و بكى عمّار رسول الله و صديقة القديم و تذكّر أيام
الشباب في مكّة و أيام الجهاد .
و ظلّ عمّار
( رضوان الله عليه )
وفيّاً لإسلامه مجاهداً في سبيل الدين ، يقول كلمة الحق و لا يخاف أحداً
إلاً الله .
كان عمّار
يحبّ عليَّ بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
لأنّه طالما سمع سيّدنا محمّداً يقول :
ـ يا علي لا
يحبّك إلاّ مؤمن و لا يبغضك إلاّ منافق .
ـ يا علي أنت
مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انه لا نبيّ بعدي .
و في عودته من
حجّة الوداع رأى عمّار
( رضوان الله عليه )
سيّدنا محمّداً
( صلى الله عليه و آله )
يمسك بيد سيّدنا علي بن أبي طالب و يرفعها عالياً و يقول :
ـ من كنتُ
مولاه فهذا علي مولاه
اللّهم والِ
من والاه و عادِ من عاداه
و انصر من
نصره و اخذل من خذله
لهذا كان
عمّار يعتقد أن عليّ بن أبي طالب هو خليفة سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
عندما تمّت
البيعة لأبي بكر و امتنع بعض الصحابة من المهاجرين و الأنصار عن البيعة ،
امتنع عمّار عن البيعة و وقف في جانب عليّ بن أبي طالب و فاطمة الزهراء بنت
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
و بعد ستة
أشهر ، توفيت سيدة نساء العالمين و اضطر الإمام علي للبيعة حفاظاً على
مصلحة الإسلام ، و بايع عمّار بن ياسر
( رضوان الله عليه )
اقتداءً بالإمام .
الجهاد
انصرف عمّار
إلى حياة الجهاد فاشترك في معارك الفتح الإسلامي هنا و هناك . كما قاتل
ببسالة في حروب الردّة باليمامة .
عندما أصبح
عمر بن الخطاب خليفةً بعد أبي بكر ، عيّنه والياً على الكوفة فأقام حكم
الله و رأى الناس في سيرته العدل و الرحمة و التواضع و الزهد .
الشورى
في سنة 23
هجرية تعرّض الخليفة عمر بن الخطاب إلى محاولة اغتيال .
جاء بعض
المسلمين و ذكّروا عمر بأن يفكر في الخلافة من بعده .

رأى الخليفة
أن تكون شورى بين ستة أشخاص هم علي بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
و عثمان بن عفان و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد ابن أبي وقاص .
و أمرهم بالاجتماع في أحد المنازل و انتخاب خليفة من بينهم خلال ثلاثة
أيام.
كان عمّار بن
ياسر
( رضوان الله عليه )
يتمنى أن ينتخبوا عليّاً لجهاده الطويل و قرابته من سيّدنا محمّد و علمه و
فضله و سابقته في الإسلام .
مضى يوم ثم
يومان و ليس هناك من نتيجة .
كانت المنافسة
بين عليّ بن أبي طالب و عثمان بن عفان .
اجتمع حول
المنزل بعض الصحابة فيهم المقداد و عمّار بن ياسر و العباس و غيرهم و كانوا
يتمنون انتخاب علي ، و اجتمع بنو أمية و كانوا يريدون انتخاب عثمان . هتف
عمّار لكي يسمعه عبد الرحمن بن عوف :
ـ إن أردت أن
لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً .
فقال المقداد
مؤيداً :
ـ صدق عمّار
إن بايعت عليّاً قلنا : سمعنا و أطعنا .
كان عبد
الرحمن بن عوف يطمع بالخلافة ففكّر لو أنّه بايع عليّاً فانّه لن يساومه
عليها فيما بعد .
لهذا بايع
عبدُ الرحمن عثمانَ حتى يردّها عليه بعد وفاته .
و هكذا أصبح
عثمان الخليفة الثالث .
خرج الإمام
علي بعد أن قال لبعد الرحمن :
ـ ليس هذا
أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا " فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون " و
الله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الأمر إليك ، و الله كلّ يوم هو في شأن .
شعر عمّار
بالحزن من أجل أهل البيت الذين هم أحقّ الناس بالخلافة لأن الله أذهب عنهم
الرجس و طهّرهم تطهيراً .
الانحراف
مرّت ستة
أعوام على خلافة عثمان .
شيئاً فشيئاً
كان الخليفة يبتعد فيها عن الإسلام و عن سيرة سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
و سيرة أبي بكر و عمر .
كان يعيّن
أقرباء ولاةً على المدن ، و كانوا أشخاصاً سيئين ظالمين .
فمثلاً عيّن
الوليد بن عتبة و هو أخاه من أمّة والياً على الكوفة ، فكان يشرب الخمر و
يأتي سكران إلى مسجد و جعل من مروان بن الحكم الحاكم الفعلي للبلاد ، فهو
الذي يأمر و ينهى و يعيّن الولاة و يعزلهم ، عزل الصحابي الجليل سلمان
الفارسي عن ولاية المدائن و عيّن أحد أقربائه و عزل سعد بن أبي وقاص عن
ولاية الكوفة و عيّن الوليد بن عقبة .
كان عثمان
ينفق أموال المسلمين على أقربائه من بني أمية و يترك الناس الفقراء و
المحتاجين يتألمون .
كلمة الحق
كان في بيت
مال المسلمين حلي و جواهر ، فجاء الخليفة عثمان و أخذها و وزّعها على بناته
و نسائه .
شعر المسلمون
بالغضب ، و راحوا يتحدّثون عن سيرة عثمان البعيدة عن روح الإسلام .
لم يتراجع
عثمان بل صعد المنبر و خطب قائلاً :
ـ لنأخذن
حاجتنا من هذا الفيء و إن رغمت أنوف أقوام و أقوام .
كان الإمام
علي بن أبي طالب حاضراً فشعر بالحزن ، و قام عمّار بن ياسر و كان قد بلغ
التسعين من عمره فقال كلمة الحق :
ـ أشهد الله
أن أنفي أوّل راغم من ذلك .
اغتاظ الخليفة
و صاح :
ـ أعليَّ يا
بن ياسر تجترئ .
أشار عثمان
إلى الحرّاس أن يمسكوا بعمّار .
لم يحترم
الحرّاس شيخوخته و لا صحبته من رسول الله . فجرّوه إلى غرفة عثمان ، شدّوا
يديه و رجليه ، و جاء الخليفة و راح يضربه على بطنه ، حتى فقد وعيه ، و جاء
بعض المسلمين و حملوه إلى منزل أُم سلمة زوجة سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
.
كان عمّار ما
يزال فاقد الوعي و فاتته صلاة الظهر و صلاة العصر و صلاة المغرب . و عندما
عاد إليه وعيه ، أدّى تلك الصلوات قضاءً .
تذكّر أيام
التعذيب في مكّة ، كان يتحمّل أضعاف ما قام به عثمان لأنّه كان شابّاً أمّا
اليوم فقد أصبح شيخاً كبيراً لا يقوى على تحمّل الضرب .
تألّمت أُم
سلمة لحاله فقال لها عمّار بشجاعة المؤمن الصابر :
ـ ليس هذا
بأوّل يومٍ أوذينا في الله .
نفي أبي ذر
و نفى الخليفة
عثمان الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري إلى منطقة " الربذة " و هي صحراء لا
يقطنها أحد لمناخها القاسي .
و لم يكتف
بهذا بل أصدر أمراً بمنع توديعه ، و لكن بعض الصحابة تألموا لما قام به
عثمان و خرجوا لتوديع الصحابي الكبير أبي ذر .
خرج علي بن
أبي طالب
( عليه السَّلام )
و سبطا سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
الحسن
( عليه السَّلام )
و الحسين
( عليه السَّلام )
و خرج أيضاً عمّار و ودّع أبا ذر قائلاً :
ـ لا آنس الله
من أوحشك ، و لا آمن من أخافك . أما و الله لو أردت دنياهم لأمّنوك ، و لو
رضيت أعمالهم لأحبّوك .
و مضى أبو ذر
و معه زوجته و ابنته إلى صحراء الربذة ليموت وحيداً .
و تذكّر عمّار
حديثاً سمعه من سيدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
:
ـ يا أبا ذر
تعيش و وحدك و تموت وحدك .
الثورة
تصاعد غضب
المسلمين بسبب سيرة عثمان و ما يقوم ولاتهُ من ظلم . و جاءت الوفود من كلّ
مكان للاحتجاج ، جاءوا من الكوفة و من مصر و البصرة و غيرها من المدن .
و كان الصحابة
في المدينة قد كتبوا إليهم : إن أردتم الجهاد فهلموا ( تعالوا ) إليه ، فان
دين محمد
( صلى الله عليه و آله )
قد أفسده خليفتكم .
جاء الناس
يشكون من الظلم ، و لكن الخليفة لم يصغ إليهم و طردهم فذهبوا إلى علي بن
أبي طالب ابن عمّ سيدنا محمد و وصيّه .
كان الإمام
يتمنى الإصلاح و أن يعود عثمان إلى سيرة الإسلام .
فدخل عليه
وحدّثه و قال له : لا تكن أداة في يد مروان يسوقك حيث يريد ، و لا تنس
منزلتك من رسول الله .
وافق عثمان
على أن يعلن توبته أمام الناس فخرج إليهم و اعتذر لهم و وعدهم بسيرة يرضاها
الله و المسلمون .
و لكن مروان
كان مثل الأفعى فدخل عليه و غيّر رأيه و قال له :
ـ لا تكن
ضعيفاً أمام الناس و هددهم .
و كانت نائلة
زوجة عثمان تعرف أن مروان خبيث يكرهه المسلمون فنصحت زوجها و قالت له :
ـ أصغ إلى علي
بن أبي طالب فان الناس يحبونه و يطيعونه ، و لا تطع مروان فهو شخص ليس له
عند الناس قدر و لا هيبة و لا محبّة .
لم يصغ عثمان
لنصيحة الناصحين فكانت النتيجة أن ثار المسلمون عليه و لقي مصرعه في قصره .
الإمام علي
( عليه السَّلام )
اتجهت جماهير
المسلمين الى منزل الإمام علي
( عليه السَّلام )
و دَعَتْهُ إلى تقلّد منصب الخلافة .
رفض الإمام
ذلك و قال لهم :
ـ ابحثوا عن
رجلٍ غيري .
و لكن الناس
كانوا يدركون ان الإمام هو الرجل الوحيد الذي يستحق هذا المقام ، فأصرّوا
على موقفهم . و أخيراً وافق الإمام على تحمّل هذه المسؤولية ، حتى يسدّ
الطريق على الطامعين بها .
العدالة
لقد ثار
المسلمون من أجل العدالة ، كانوا غاضبين ممّا حلّ بهم من الظلم ، و كان
الإمام علي رمز العدالة و الحق .
لم يخيّب
الإمام أمل المسلمين ، فأصدر منذ اليوم الأول قراراً طَردَ بموجبه جميع
الولاة الظالمين الذين عيّنهم الخليفة السابق ، و عيّن مكانهم ولاة صالحين
معروفين بالتقوى و الصلاح .
قام الإمام
بعزل معاوية عن حكومة الشام ، و لكن معاوية كان يخطّط منذ سنين للاستيلاء
على الشام ثم على بلاد الإسلام ، فأعلن العصيان ، و رفع شعار المطالبة بدم
عثمان و هكذا وقعت حرب صفين على حدود سوريا مع العراق .
كان في جيش
الإمام علي كثير من صحابة رسول الله
( صلى الله عليه و آله )
و في طليعتهم عمّار بن ياسر و مالك الأشتر و عبد الله بن عباس و غيرهم .
و كان في جيش
معاوية أعداء الإسلام من أمثال مروان بن الحكم و عمرو بن العاص و ابن أبي
معيط و الهاربون من عدل علي إلى دنيا معاوية .
تقتلك
الفئة الباغية
كان المسلمون
في العسكرين يرددون حديثاً لسيّدنا محمّد
( صلى الله عليه و آله )
خاطب فيه عماراً قبل أكثر من خمس و عشرين سنة :
ـ يا عمّار
تقتلك الفئة الباغية .
كان عمّار في
جيش الإمام عليّ ، و كان آنذاك شيخاً قد تجاوز التسعين من عمره ، و مع هذا
فقد كان يقاتل في حماس الشباب المؤمن .
رفع عينيه إلى
السماء و قال :
ـ اللّهم لو
أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر " نهر الفرات " لفعلت .
اللّهم إني لا
أعلم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين .
كان عمّار مع
الحقّ و الحقّ مع عمّار يدور معه حيثما دار ، لهذا قال :
ـ و الله لو
ضربونا ( هزمونا ) حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت إنّا على الحق و إنّهم
على الباطل .
و عندما
اشتعلت المعركة ، خاطب عمّار المقاتلين :
ـ من يبتغي (
يريد ) رضوان الله ربّه ؟
|