الإمام عليّ
بن موسى الرضا
( عليه
السلام )
تأليف
سيّد مهدي آيت
اللّهي
ترجمة
كمال السيّد
الميلاد
:
في 11 ذي
القعدة سنة 148 هجرية وُلد عليّ بن الرضا ( عليه السلام ) في المدينة
المنورة .
أبوه :
الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وأمّه : إمرأة صالحة اسمها
"نجمة".
أمضى طفولته
مع أبيه الإمام ، وكان أبوه يوصي أصحابه ويشير إلى إمامة ابنه .
قال علي بن
يقطين : كنت عند " العبد الصالح " ، فدخل عليه ابنه علي الرضا ، فقال
الإمام : يا علي بن يقطين هذا سيّد ولدي ، فقال هشام بن الحكم : لقد
أخبرك أنّ الأمر له من بعده .
كما سأله
أحد أصحابه عن الإمام من بعده ، فأشار إلى ابنه الرضا وقال : هذا صاحبكم
من بعدي .
وكانت
الظروف في عهده في غاية الخطورة ، فكان الإمام الكاظم يوصي أصحابه
بالكتمان .
أخلاقه :
الأئمة من
أهل البيت ( عليهم السلام ) هم النخبة الذين اصطفاهم الله لهداية الناس
بالحقّ ، فكانوا المثَل الأعلى في الإنسانية والخلق الكريم .

يقول "
إبراهيم بن العباس " : ما رأيت أبا الحسن الرضا جفا أحداً بكلامه قط ،
وما رأيته قطَع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً من حاجة يقدر
عليها ، وما مدّ رجليه بين جليس له قط ، ولا اتّكأ بين يدي جليس له قط ،
ولا شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته تفل قط ، ولا تقهقه في
ضحكه ، بل ضحكه التبسم ، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه عليها
مماليكه حتى البواب والسائس ، ومن زعم انه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه
.
ورافق أحدهم
الإمام الرضا في رحلته إلى خراسان ، فدعا الإمام بالمائدة وجمع عليها
مواليه ومماليكه لتناول الطعام ، فقال الرجل : يابن رسول الله لو جعلت
لهؤلاء مائدة لوحدهم ؟
فقال الإمام
الرضا ( عليه السلام ) : إن الرب تبارك وتعالى واحد ، والأب واحد والأم
واحدة ، والجزاء بالأعمال .
وخاطب أحدهم
الإمام قائلاً : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً . فقال الإمام :
التقوى شرّفتهم .

وأقسم آخر
أيضاً قائلاً : أنت والله خيرُ الناس .
فأجاب
الإمام : لا تحلف يا هذا ، خيرٌ مني من كان أتقى لله عزّ وجل . . والله
ما نُسخت هذه الآية " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند
الله أتقاكم " .
كان الإمام
الرضا ( عليه السلام ) جالساً يحدّث الناس وهم يسألون عن الحلال والحرام
، فدخل رجل من أهل خراسان ، وقال :
السلام عليك
يا بن رسول الله ، أنا رجل من محبّيك و محبّي آبائك وأجدادك (عليهم
السلام ) ، عُدتُ من الحج ، وقد أضعت نفقتي وليس عندي شيء ، فإن رأيت أن
تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة ، فإذا وصلت تصدّقت عنك بنفس المبلغ الذي
تعطيني إيّاه ، فأنا رجل لا أستحقّ الصدقة .
فقال الإمام
بلطف : اجلس رحمك الله .
ثم استأنف
حديثه مع الناس حتى انصرفوا ، فنهض الإمام ودخل الحجرة وأخرج يده من وراء
الباب ونادى : أين الخراساني ؟ فأجابه .
فقال الإمام
: هذه مائتا دينار فاستعن بها على سفرك ولا تتصدّق عني .
فأخذها
الخراساني و ودع الإمام شاكراً .
بعدها خرج
الإمام ، فقال أحد أصحابه : لماذا سترت وجهك عنه يا بن رسول الله ؟
فقال الإمام
: حتى لا أرى ذلّ السؤال في وجهه . أما سمعت حديث رسول الله (صلى الله
عليه وآله ) : " المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة ، والمذيع بالسيئة مخذول
، والمستتر بها مغفور له " .
لا تغترّ
:
كان " أحمد
البزنطي " واحداً من العلماء الكبار ، تبادل مع الإمام كثيراً من الرسائل
، آمن بعدها بإمامة الرضا ( عليه السلام ) ، وقد روى هذه الحكاية :

طلب الإمام
الرضا ( عليه السلام ) حضوري وأرسل لي حماراً له ، فجلسنا نتحدّث ، ثم
قدّم العشاء فتعشيت ، ثم عرض عليّ المبيت فقلت : بلى جعلت فداك ، فطرح
بنفسه علي ملحفة وكساء وقال لي : بيّتك الله في عافية ، وكنّا على السطح
.
ونزل الإمام
، فقلت في نفسي : لقد نلت كرامة من الإمام ما نالها أحد ، وداخلني الغرور
.
وفي الصباح
ودّعني الإمام وشدّ على كفي قائلاً : إنّ أمير المؤمنين علي ( عليه
السلام ) أتى صعصعة بن صوحان يعوده في مرضه ، فلما أراد أن ينهض قال له :
يا صعصعة لا تفتخر على إخوانك بعيادتي إياك .
كأنما قرأ
الإمام ما يجول في خاطره ، فوعظه وذكّره بعيادة جدّه الإمام علي ( عليه
السلام ) لأحد أصحابه .
الإمام
ينصح أخاه :
كان زيد أخو
الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، ثار في مدينة البصرة وأحرق بيوت
العباسيين ، فلُقِّب بزيد النار .

أرسل إليه
المأمون جيشاً كبيراً ، وبعد معارك طاحنة ، طلب زيدٌ الأمان فسلّم نفسه
وأُخذ أسيراً .
وعندما أصبح
الإمام ولياً للعهد ، ارتأى المأمون أن يرسله إلى الإمام .
كان الإمام
غاضباً من عمل أخيه زيد لكثرة ما أحرق من البيوت وما صادره من أموال .
قال الإمام
لأخيه : ويحك يا زيد ما الذي غرّك حتى أرقت الدماء وقطعت السبيل ، أغرّك
قول أهل الكوفة ، أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذرّيتها على النار !
ويحك يا زيد إنّ ذلك ليس لي ولا لك ، لقد عنى رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) بذلك حسناً وحسيناً ، والله ما نالا ذلك إلا بطاعة الله ، فإن كنت
ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة فأنت إذن أكرم على الله منهما ومن أبيك
موسى بن جعفر .
قال زيد :
أنا أخوك .
فقال الإمام
: أنت أخي ما أطعت الله عز وجل ، وإنّ نوحاً قال : ربّ إنّ أبني من أهلي
وإنّ وعدك الحق وأنت أرحم الراحمين . فقال له الله عز وجل : " يا نوح انه
ليس من أهلك انه عمل غير صالح " .
في مجلس
المأمون :
جمع المأمون
زعماء الأديان والمذاهب وأمرهم بمناظرة الإمام الرضا ( عليه السلام).

كان المأمون
يهدف إلى إحراج الإمام بأسئلتهم . وكان " النوفلي " من أصحاب الرضا (
عليه السلام ) وقد سأله الإمام : أتدري لماذا جمع المأمون أهل الشرك ؟
فقال
النوفلي : إنه يريد امتحانك .
فقال الإمام
: يا نوفلي أتحبّ أن تعلم متى يندم المأمون ؟
قال النوفلي
: نعم .
قال الإمام
: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم
وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم .
توضأ الإمام
وانطلق مع أصحابه إلى قصر الخلافة ، وبدأ الحوار .
قال
الجاثليق : أنا لا أريد أن يحاججني رجل بالقرآن لأني أنكره ولا بالنبي (
صلى الله عليه وآله ) لأني لا أؤمن به .
قال الإمام
الرضا : فإن احتججت عليك بالإنجيل أتومن ؟
فقال
الجاثليق : نعم و أقرّ به .
قرأ الإمام
الرضا جزءاً من الإنجيل ، حيث بشّر عيسى بظهور نبي جديد ، كما أخبره بعدد
الحواريين ، وقرأ عليه أيضاً كتاب أشعيا .
قال
الجاثليق مدهوشاً : وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك .
والتفت
الإمام إلى رأس الجالوت واحتجّ عليه بالتوراة والزبور .
وكان "
عمران الصابي " متكلماً ، فسأل الإمام عن وحدانية الله ومسائل كثيرة ،
حتى حان وقت صلاة الظهر ، فنهض الإمام إلى الصلاة .
وبعد الصلاة
استأنف الإمام حواره مع " عمران " حتى انصاع لدين الله الحق ، فاتجه نحو
القبلة وسجد لله معلناً إسلامه .
السفر
إلى مرو :
لا أحد يعرف
الأسباب الحقيقية التي دفعت المأمون إلى انتخاب الإمام الرضا (عليه
السلام ) لولاية العهد .
كان الإمام
الرضا ( عليه السلام ) في المدينة المنورة عندما جاء أمر الخليفة بالسفر
إلى مرو .
شدّ الإمام
الرحال إلى خراسان ، فوصل البصرة ومنها توجه إلى بغداد ثم توقف في مدينة
قم حيث استقبل استقبالاً حافلاً ، ودخل الإمام ضيفاً في أحد بيوتها ، هو
اليوم يحمل اسم المدرسة الرضوية .
في
نيسابور :
كانت
نيسابور مدينة عامرة ، وكانت مركزاً من مراكز العلم ، ثم دُمّرت أيام
الهجوم المغولي .

استقبل أهل
نيسابور موكب الإمام بفرح ، وكان في طليعتهم المئات من العلماء وطلاّب
العلم .
وتجمع
العلماء والمحدثون حول موكب الإمام ؛ والأقلام بأيديهم ينتظرون من الإمام
أن يحدّثهم بأحاديث جدّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وتعلّق
بعضهم بلجام بغلة الإمام ، وأقسموا عليه قائلين : بحق آبائك الطاهرين
إلاّ ما حدّثتنا بحديث نستفيده منك .
فقال الإمام
( عليه السلام ) : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد
يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت
أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول :
سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت جبريل يقول : سمعت
الله عزّ وجل يقول : لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي .

وقد اشتهر
هذا الحديث باسم " حديث سلسلة الذهب " ، وقد بلغ عدد الذين كتبوا هذا
الحديث عشرين ألفاً .
غادر الإمام
نيسابور صباحاً ، وفي الطريق حان وقت صلاة الظهر ، فطلب الإمام ماءً
للوضوء فاعتذر مرافقوه .
بحث الإمام
في الأرض ، فنبع الماء فتوضأ وتوضأ من كان معه ، وما يزال أثره حتى اليوم
.
وصل الإمام
مدينة " سنا آباد " وأسند ظهره إلى جبل هناك كان الناس ينحتون منه قدوراً
للطبخ فدعا الله أن يبارك فيه وأمر أن ينحتوا قدورا له .
ودخل الإمام
دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبّة التي فيها قبر هارون الرشيد ، ثم
خط بيده إلى جانب القبر وقال :
هذه تربتي
وفيها أُدفن ، وسيجعل الله هذا المكان مزاراً لشيعتي ، والله ما يزورني
منهم زائر إلاّ وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت ( عليهم
السلام ) .ثم صلى ركعات وسجد ثم صلى ركعات وسجد سجدة طويلة . . . سبّح
الله فيها خمسمائة مرّة.
مرو :
وصل الإمام
الرضا ( عليه السلام ) " مرو " واستُقبل من قبل المأمون استقبالاً حافلاً
. . محاطاً بكلّ مظاهر الاحترام .

عرَض
المأمون على الإمام التنازل عن الخلافة ، ولكن الإمام رفض ذلك ، وكان
يعرف نوايا المأمون .
لقد قتل
المأمون أخاه الأمين من أجل الحكم والخلافة ، فكيف يتنازل عنها ؟ !
أراد
المأمون أن يتقرّب إلى الناس بالتظاهر بحبّه لأهل البيت ( عليهم السلام )
قرّر المأمون فرض ولاية العهد للإمام ولو بالقوة .
أمام إلحاح
المأمون وإصراره حتى تهديده ، وافق الإمام على أن يكون ولياً للعهد شرط
إلاّ يتدخّل في شؤون الحكم .
ضُربت
النقود باسم الإمام ، وترك الناس لبس السواد وهو شعار العباسيين ، ولبسوا
الأخضر شعار العلويين .
زوّج
المأمونُ ابنته " أم حبيبة " من الإمام الرضا ، كما زوج ابنته الأخرى من
ابن الإمام ؛ وهو محمد الجواد ( عليه السلام ) .
صلاة
العيد :
بُويع
الإمام بولاية العهد في 5 رمضان سنة 201 . وبعد 25 يوماً أطلّ الأوّل من
شوّال عيد الفطر ، فأمر المأمون الإمام الرضا بإمامة المصلّين في صلاة
العيد .
واعتذر
الإمام عن ذلك ، وذكّره بالشروط ، ولكن المأمون أصرّ على موقفه ، وظلّ
يبعث الرسل خلف الإمام .
واستجاب
الإمام شرط أن يخرج إلى الصلاة بالطريقة التي خرج فيها رسولُ الله (صلى
الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
وافق
المأمون على ذلك وأمر القادة العسكريين بالاستعداد والامتثال وأن يخرجوا
إلى منزل الإمام مبكرين .
واحتشد
الناس في الطرقات وفوق سطوح المنازل ، واصطفّ الجنود ينتظرون خروج الإمام
.
أشرقت الشمس
وأرسلت خيوطها الذهبية وغمرت الأرض بالدفء والنور .
اغتسل
الإمام الرضا ، وارتدى ثياباً وعمامة بيضاء وألقى طرفاً من عمامته صدره
وترك الآخر بين كتفيه ، وتعطّر وأخذ بيده عكازاً وأمر مقرّبيه ومواليه
بأن يفعلوا كما يفعل ، وخرجوا بين يديه ، وكان الإمام حافياً .
مشى الإمام
قليلاً ، ثم رفع صوته وهتف : الله اكبر . فكبر معه مواليه .
وعندما لاح
الإمام ورآه الجنود و القادة على هذه الهيئة ، ترجّلوا عن أفراسهم ،
وقطعوا أربطة أحذيتهم واحتَفَوا .
كبّر الإمام
على الباب ، فكبر الناس ، وارتفع صوت التكبير حتى هزّ المدينة بأسرها ،
وخرج الناس من منازلهم ، وازدحمت بهم الشوارع .
لقد شهد
الناس أعياداً كثيرة . . . وحضروا صلاة العيد مرّات ومرّات وكانت تتمّ
بكل أبّهة ، فاصطدموا هذه المرّة بمراسم بعيدة كل البعد عن التكبُّر . .
قريبة كل القرب من روح الإسلام ، بل هي الإسلام الذي جاء به النبي ( صلى
الله عليه وآله ) ، وها هو حفيده الرضا يبعثه من جديد .
كان
الجواسيس يرصدون حركات الإمام والناس ، فنقلوا تقاريرهم إلى المأمون على
وجه السرعة وحذّروه من مغبّة استمرار الإمام في طريقه لأداء الصلاة ،
وماذا سيقول في خطبة العيد ؟ .
فأرسل
المأمون مندوبه إلى الإمام في الطريق ينقل له رسالة شفوية من المأمون :
لقد أتعبناك يا بن رسول الله ولسنا نحب لك إلا الراحة فارجع ، وعاد
الإمام وسط تساؤلات الناس الذين بهرتهم هيئة الإمام وتواضعه الذي يحكي
تواضع آبائه وأجداده .
أهداف
المأمون :
لا ينكر أحد
ذكاء المأمون ودهاءه السياسي ، لقد أراد من وراء تعيين الإمام الرضا
ولياً للعهد أن يحقِّق بعض أهدافه السياسية ؛ وهي :
1.
إرضاء العلويين من الناقمين على الحكم العباسي والذين رفعوا لواء الثورة
في كل مكان من خلال بعض الإجراءات الشكلية كولاية العهد ، وإحلال اللباس
الأخضر محل الأسود .

2.
إغراء العلويين بالمناصب الحكومية لكي يثبت للناس أن ثوراتهم كانت من اجل
الحكم والسلطة وأنهم لا يريدون تطبيق العدالة بل يهدفون إلى الحصول على
حصتهم من ثروات الحكم .
3.
سعى المأمون إلى جمع زعماء العلويين في العاصمة ثم العمل على تصفيتهم
الواحد بعد الآخر والتخلص منهم ، كما حدث للإمام الرضا . لا ننسى أن
الإمام كان يدرك جميع حيل المأمون وكان يسعى إلى إحباطها من خلال مواقف
عديدة كما حصل في حواره مع زعماء الأديان أو صلاة العيد ، أو رفضه التدخل
في شؤون الدولة والسياسة والحكم .
دعبل
الخزاعي :
كان للشعر
في تلك الأيام أهمية فائقة ، وكان يقوم مقام الصحف في أيامنا من الدعاية
والإعلام والتأثير ، وكان الحكام يشجّعون الشعراء ويمنحونهم المكافآت
الكبيرة لتدعيم حكمهم .

كان بعض
الشعراء يرفض التملق إلى الحكومات ، ويبقى إلى جانب الحق حتى لو كان
فقيراً ومضطهداً ، كما نرى مثل ذلك في دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت (
عليهم السلام ) .
سجّل
التاريخ لقاء الشاعر دعبل الخزاعي بالإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فقد
روى أبو الصلت الهروي قال : دخل دعبل الخزاعي على الإمام الرضا ( عليه
السلام ) في مرو وقال له : يابن رسول الله أني قد قلت فيكم قصيدة وعاهدت
نفسي ألاّ أنشدها أحداً قبلك ، فرحّب به الإمام وشكره وطلب منه إنشادها .

وبدأ دعبل
يترنّم بأشعاره ، وقد جاء فيها :
مدارس آياتٍ
خلت من تلاوةٍ ومنزلُ وحيٍ مقفر العرصاتِ
قبور "
بكوفان " وأخرى " بطيبة وأخرى " بفخٍّ " نالها صلواتي
وقبر ببغداد
لنفسٍ زكيةٍ تضمّنها الرحمن في الغرفاتِ
فقال الإمام
مرتجلاً :
وقبر بطوس
يا لها من مصيبةٍ ألحّت على الأحشاء بالزفرات
فقال دعبل
متعجباً : لا أعلم قبراً بطوس ! فلمن هذا القبر ؟!
فقال الإمام
: إنه قبري يا دعبل .
واستأنف
الشاعر إنشاده مستعرضاً الآلام والمصائب التي عصفت بأهل البيت (عليهم
السلام ) ، وكان الإمام يبكي ويكفكف دموعه .

قدم الإمام
100 دينار جائزة لدعبل ، اعتذر دعبل عن قبولها وطلب ثوباً من ثيابه
يتبرّك به ، فأهداه الإمام جبّة من الخز ، إضافة إلى المئة الدينار .
وانصرف دعبل
، وفي طريق عودته اعترض قطاع الطرق القافلة التي كان فيها وأخذوا جميع ما
كان معه ، وجلس اللصوص يقتسمون ما سلبوه من القافلة ، فأنشد أحدهم بيتاً
من القصيدة .
أرى فيئهم
في غيرهم متقسِّماً وأيديهم من فيئهم صفراتِ
سمع دعبل
الخزاعي فسأل الرجل : لمن هذا الشعر ؟ فأجابه الرجل : لدعبل الخزاعي .
فقال دعبل :
أنا هو ، فردّوا عليه أمواله ، كما ردّوا أموال القافلة إكراماً له ،
واعتذروا إليه .
وعندما وصل
مدينة قم عرَض عليه البعض ألف دينار مقابل ثوب الإمام فرفض دعبل ، وتبعه
بعض الشباب خارج المدينة وانتزعوا الجبّة بالقوة وأعطوه الألف دينار
إضافة إلى قطعة من الثوب يتبرك بها ، وودّعهم راضياً .
وفي عودته
وجد زوجته تشكو ألماً في عينيها ، فراجع الأطباء فقالوا : أن لا فائدة من
علاجها ، وأنها ستعمى .
تألّم دعبل
كثيراً ، وتذكّر قطعة الثوب ، فعصّب بها عينيها من أول الليل حتى الصباح
، فنهضت وهي لا تشكو ألماً ببركة الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
شهادة
الإمام :
كان المأمون
ينتهز الفرص للتخلّص من الإمام الرضا ( عليه السلام ) بعد أن يئس من
إغرائه في السلطة ، وبقي كما هو طاهراً . . بعيداً عن الدنيا . . زاهداً
فيها .

وفي بغداد
أعلن العباسيون تمرّدهم ، وبايعوا المغنّي خليفةً بدل المأمون خوفاً من
انتقال الخلافة إلى العلويين .
ولكي يرضي
المأمون بني العباس في بغداد ويحتفظَ بالخلافة ، قرّر اغتيال الإمام ،
فدسّ إليه السمّ في العنب .
واستشهد
الإمام ، متأثراً بالسم ، فمضى إلى الله مظلوماً شهيداً .
استشهد
الإمام سنة 203 هجرية ودُفن في مدينة طوس ( مشهد ) حيث مرقده الآن .
تظاهر
المأمون بالحزن لكي يدفع عن نفسه الشبهات والتهم التي تحوم حوله . وقد
اشترك في تشييع الإمام حافياً وهو يبكي .
من
كلماته المضيئة :
·
من لم يشكر والديه لم يشكر الله .
·
من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر .
·
أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه .
·
المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ،
وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه .
·
إن الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال .
هوية
الإمام :
الاسم : علي
.
اللقب :
الرضا .
الكنية :
أبو الحسن .
اسم الأب :
موسى الكاظم ( عليه السلام ) .
العمر : 55
سنة .
تاريخ
الشهادة : 203 هجري .
محل الدفن :
مشهد .
أسئلة :
1.
لماذا ناول الإمام الرضا النقود من وارء الباب ؟
2.
لماذا أجبر المأمون الإمامَ على قبول ولاية العهد ؟
3.
لماذا سمِّيَ " لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي "
بسلسلة الذهب ؟ .