الإمام محمّد
الجواد
( عليه
السلام )
تأليف
سيّد مهدي آيت
اللّهي
ترجمة
كمال السيّد
الميلاد
:
في 10 رجب
سنة 195 هجرية وُلد الإمام محمد الجواد .
أبوه الإمام
علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) .
وأمّه :
"الخيزران" من أسرة "مارية القبطية" زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله) .
دعاه الناس
بألقاب عديدة ؛ اشهرها : " النقي " و " الجواد " .
كان الإمام
الجواد ( عليه السلام ) في السادسة من عمره ، عندما استدعى المأمونُ
والده الرضا ( عليه السلام ) إلى مرو .
كان الصبي
يراقب والده ، وهو يطوف حول الكعبة مودّعاً ، وهو يصلّي في مقام إبراهيم
.
وأدرك أن
والده يودَّع ربوعَ الوحي . وداعاً لا عودة بعده . فشعر بالحزن .
و أوصى
الإمامُ الرضا أصحابه بالرجوع إلى ابنه الجواد عند وفاته ؛ وقد سأل صفوان
بن يحيى الرضا ( عليه السلام ) عن الإمام ، فأشار إلى ابنه .
فقال صفوان
: جُعلتُ فداك هذا عمره ثلاث سنين ؟ !
فقال الإمام
الرضا : وما يضرّه من ذلك ، وقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث
سنين .

نهض الإمام
الجواد بالإمامة وله من العمر 9 سنوات ، وكان عمّه " علي بن جعفر" يكنّ
للإمام بالغَ الاحترام بالرغم من التقدّم في السنّ .
ذات يوم ،
دخل الإمام الجوادُ المسجدَ فنهض عمُّه من مكانه وقبّل يده ، ودعاه
الإمام إلى الجلوس ، فرفض قائلاً : كيف تريدني أن أجلس وأنت قائم .
وتعرض علي
بن جعفر للوم اللائمين ، فكان يجيبهم : لقد قلّده الله الإمامة فوجبت
طاعته علينا .
أخلاق
الإمام :
بالرغم من
صغر سنّ الإمام ، فقد كانت له شخصية قوية تدفع المقابل إلى الإحترام
والإجلال .

ذات يوم مرّ
موكب المأمون ، وكان قد توجّه إلى الصيد ، فمرّ بصبيان يلعبون ومعهم
محمدٌ الجواد .
فرّ الصبيان
، فيما ظلّ محمد الجواد واقفاً في مكانه .
توقف
المأمون ، ونظر إليه بإعجاب وسأله :
لماذا لم
تفرّ مع الصبيان ؟ .
فقال الجواد
( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك ،
ولم يكن لي جريمة فأخشى العقاب ، وظنّي بك حسن ، وأنك لا تعاقب من لا ذنب
له ، فوقفت .
فازداد
المأمون إعجاباً ، وقال له : ما اسمك ؟
فقال : محمد
ابن علي الرضا .
فترحّم
المأمون على أبيه ، واستأنف رحلته إلى الصيد .
رسالة
الإمام الرضا ( عليه السلام ) إلى الجواد ( عليه السلام ) :
كان الإمام
الرضا يعامل ابنه باحترام وإجلال ، ويهتمّ بتربيته . فعن " البزنطي " –
وكان من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) – أنّ الإمام بعث برسالة إلى ابنه
جاء فيها :

يا أبا جعفر
بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير ، وإنما ذلك من بخل
لهم لئلاّ ينال منك أحد خيراً ، فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك
إلاّ من الباب الكبير ، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ، ثم لا يسألك أحد
إلاّ أعطيته . ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين
ديناراً ، والكثير إليك . ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقلّ من خمسة
وعشرين ديناراً ، والكثير إليك ، إني أريد أن يرفعك الله فانفق ولا تخش
من ذي العرش إقتاراً .
مسائل :
أثار صغر
سنّ الإمام الجواد الكثيرَ من الشكوك ، فراح البعض يمتحنه بأمهات المسائل
، وكان الإمام يجيب عنها بكل ثقة ، فيما تظهر علامات الإعجاب والانبهار
على وجوه السائلين .

كان يحيى بن
أكثم شخصية علمية كبيرة ، وكان قاضياً للقضاة ، وهو منصب رفيع ، فأراد
العباسيون امتحان الإمام وكان صبياً ، فرتّبوا لقاءً بينهما .
سأل يحيى بن
أكثم الإمامَ قائلاً : أصلحك الله يا أبا جعفر ، ما تقول في محُرِم قتَل
صيداً ؟
فانبرى
الإمامُ قائلاً : قتَله في حلّ أو حرم ؟ عالما أم جاهلاً ؟ قتله عمداً أو
خطأً ؟ حرّاً كان أم عبداً ؟ صغيراً أو كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم
معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيدُ أم من غيرها ؟ من صغار الصيد أم من
كباره ؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد في
أوكارها أم نهاراً وعياناً ؟ محرماً كان للعمرة أو للحج ؟
ارتبك ابن
أكثم وهو يصغي إلى كل هذه التفاصيل ولم يحر جواباً . واندهش الحاضرون وهم
يستمعون إلى الأجوبة التفصيلية للإمام ، فيما اسودّت وجوه العباسيين
الذين كانوا يطمحون إلى إحراج الإمام والانتقاص من منزلته .
زواج
الإمام :
حامت
الشبهات حول المأمون عندما توفي الإمام الرضا ( عليه السلام ) ؛ وقد حاول
المأمون دفع الشبهات عنه ، فتظاهر بالحزن ، وشارك في تشييع الإمام حافياً
.

ولكي ينفي
الشبهة عنه تماماً ، فكّر في تزويج ابنته " أمّ الفضل " من الإمام محمد
الجواد .
جمع المأمون
بني العباس وأعلن قراره في ذلك .
استاء
العباسيون ورأوا في ذلك خطراً يهدّد حكومتهم في المستقبل . حاول
العباسيون صرف المأمون عن قراره ، ولكن المأمون أصرّ على موقفه ، فقالوا
: انه ما يزال صبياً في الدين بعد ، فأمهله حتى يتعلم .
فقال
المأمون : ويحكم أن أعرف بهذا الفتى منكم ، وإنّه لأفقه وأعلم منكم
جميعاً ، فإن شئتم فامتحنوه .
وهكذا رتّب
العباسيون اجتماعاً ضمّ كثيراً من العلماء ؛ في طليعتهم " ابن أكثم "
قاضي القضاة .
وأسفر
الامتحان عن فوز الإمام ( عليه السلام ) بعد أن تجلّت قابلياته العلمية .
وأعلن
المأمون قرارَ الزواج ونهض الإمام فخطب خطبة الزواج .وتمّ المهر على مثل
مهر الزهراء (عليها السلام ) ، فأقيمت الاحتفالات على أبهى ما يكون .
أهداف
الزواج :
أراد
المأمون من وراء هذا الزواج تحقيق أهداف سياسية منها :

1.
دفع شبهة اغتياله للإمام الرضا ( عليه السلام ) ، والتقرّب إلى الناس في
ذلك .
2.
إن ابنته سوف تراقب الإمام ( عليه السلام ) مراقبة دقيقة جداً .
3.
إغراء الإمام بالبقاء في بغداد حيث حياة القصور واللهو والترف .
عودة
الإمام إلى المدينة المنورة :
عزم الإمام
على العودة إلى المدينة ، فأعلن رغبته في حجّ بيت الله الحرام .
فخرج الناس
يودّعونه إلى الطريق المؤدّية إلى الكوفة ، وهناك نزل الإمام ( عليه
السلام ) بعد أن حان وقت الصلاة ، فتوضّأ في ساحة المسجد عند شجرة نبق ،
وقد بارك الله فيها ، وأثمرت ثمراً حلواً . . ظل أهل بغداد يذكرون بركة
الإمام في ذلك .
رسائل
ومسائل :
رافق رجل من
بني حنيفة الإمام في الحج ، فقال الرجل على المائدة : جُعلت فداك ، إن
والينا رجل يتولاّكم أهلَ البيت ويحبّكم ،وله عليّ " خراج " في ديوانه ،
فإن رأيت أن تكتب إليه كتاباً بالإحسان إليّ ؟
فقال الإمام
: إنّي لا اعرفه .
فقال الرجل
: إنه من محبيكم – أهل البيت – وكتابك ينفعني .
فأخذ الإمام
القرطاس وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ؛ فإنّ حامل كتابي هذا
ذكر عنك مذهباً جميلاً ، وان ما لك من عملك إلاّ ما أحسنت فيه ، فأحسن
إلى إخوانك .
سلّم الرجلُ
الكتاب إلى الوالي ( النيسابوري ) ، فقبّله و وضعه على عينيه ، ثم قال له
: ما حاجتك ؟ فقال الرجل : خراج علي في ديوانك .
فأمر
بإلغائه ، وقال له : لا تؤدي خراجاً ما دمتُ موجوداً .
وكتب له رجل
رسالة يستشيره فيها عن تزويج بناته . فكتب إليه الإمام : فهمت ما ذكرت من
أمر بناتك ، وأنّك لا تجد أحداً مثلك ، فلا تنظر في ذلك رحمك الله ، فإنّ
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه
فزوِّجوه إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .
نهاية
المأمون :
ثار أهل مصر
، فقاد المأمون جيشاً كبيراً وأخمد الثورة ، ومن هناك انطلق نحو أرض
الروم ، وحصلت معارك كان النصر فيها للمسلمين .

وعند عودته
ألم به المرض ، فتوقّف في " الرقّة " ، وكانت فيها عيون جارية ، ومناخها
طيب ، فضربت الخيام ، ولم يلبث أن توفي هناك ودفن .
فتولى
الخلافة من بعد أخوه المعتصم ، وكان رجلاً شديد القسوة . وكان أول عمل
قام به أن استدعى الإمام الجواد من المدينة إلى بغداد ، وراح يدبّر
المؤامرات بالتعاون مع جعفر بن المأمون الذي أغرى أخته " أم الفضل " بدسّ
السم إلى الإمام ، واستجابت "أم الفضل" ، فوضعت السّم في العنب ، وكأنها
تعلّمت ذلك من أبيها المأمون الذي اغتال الإمام الرضا ( عليه السلام )
بنفس الطريقة .

وهكذا
استشهد الإمامُ في 6 ذي الحجة سنة 220 هجرية ، وله من العمر 25 عاماً فقط
.
و حُمل
جثمان الإمام إلى مقابر قريش ( الكاظمية حالياً ) ليدفن إلى جانب جدّه
الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) حث مرقده الآن مزاراً يحجّ له
المسلمون من بقاع العالم .
من
كلماته المضيئة :
·
عزِّ المؤمن غناه عن الناس .
·
المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال : توفيق من الله و واعظ من نفسه وقبول ممن
ينصحه .
·
يوم العدل على الظالم اشدّ من يوم الجور على المظلوم .
·
حسب المرء من كمال المروءة تركه ما لا يجمل به .
·
لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينة على شهوته .
·
موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل ، وحياته بالبر أكثر من حياته
العمر .
هوية
الإمام :
الاسم :
محمد .
اللقب :
الجواد .
الكنية :
أبو جعفر .
اسم الأب :
الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
تاريخ
الولادة : 195 هجري .
تاريخ
الشهادة : 220 هجري .
محل الدفن :
الكاظمية – العراق .
أسئلة :
1.
لماذا زوج المأمون ابنته من الإمام الجواد ( عليه السلام ) ؟
2.
لماذا لم يفرّ الجواد ( عليه السلام ) عندما مرّ موكب المأمون ؟
3.
بماذا استدلّ الإمام الرضا على إمامة الجواد بسبب صغر سنّه ؟