الإمام علي
الهادي
( عليه
السلام )
تأليف
سيّد مهدي آيت
اللّهي
ترجمة
كمال السيّد
الميلاد
:
وُلد الإمام
علي الهادي في 15 ذي الحجة سنة 212 هجرية في المدينة المنورة .
أبوه :
الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) ، والإمام الهادي هو الإمام العاشر
من أئمة أهل البيت .
أمه :
مغربية ؛ امرأة فاضلة تقية اسمها " سمانة " .
استشهد أبوه
مسموماً وله من العمر 8 سنوات فتصدّى إلى الإمامة وهو في هذه السن .
دعاه الناس
بألقاب عديدة ؛ من بينها : المرتضى ، الهادي ، النقي ، العالم ، الفقيه ،
المؤتمن ، الطيب . وأشهرها : الهادي والنقي .
أخلاق
الإمام :
عاش الإمام
حياته زاهداً عابداً ، في حجرة خالية ليس فيها من متاع الدنيا شيء سوى
حصير ، يقضي وقته في قراءة القرآن وتدبّر معانيه .
يستقبل
الناس بوجه بشوش ، يعطف على فقيرهم ويساعد محتاجهم .
أرسل له
الخليفة المتوكل مبلغ ألف دينار ، فوزعها الإمام بين الفقراء والبائسين .
ومرض
المتوكل يوماً فحار الأطباء في علاجه ، فأرسلت أمهُ وزيرَه " الفتح بن
خاقان " إلى الإمام ، فوصف له دواءً سرعان من بأن أثره ، وأدهش الأطباء ،
فبعثت أم المتوكل مبلغ ألف دينار هدية ، فوزعها الإمام على المحتاجين .
حكاية
الفص :
دخل " يونس
النقّاش " على الإمام وهو يرتجف خوفاً ، وبادر الإمامَ قائلاً : يا سيدي
جاءني رجل من القصر ومعه " فصّ فيروز " ثمين ، وطلب مني أن أنقش عليه ،
فانكسر أثناء العمل وأصبح نصفين ، وسيرسل عليّ غداً ولا آمن أن يبطش بي
إذا عرف ذلك .

فطمأنه
الإمام وقال : لن يصلك منه سوء ، بل سيصيبك خير من ذلك بإذن الله .
وفي اليوم
التالي جاء حاجب الخليفة قائلاً : لقد غيّرت رأيي فلو شطرته نصفين ،
وسأضاعف لك الأجر .
تظاهر "
النقاش " بالتفكير ، وقلبه يطير فرحاً وقال : حسناً ، سأجهد نفسي في ذلك
.
شكر الحاجبُ
النقاشَ ومضى لشأنه ، فيما انطلق النقاش إلى منزل الإمام ليقدم له شكره .
وقال له
الإمام : لقد دعوت الله أن يريك خيره ويحميك من شرّه .
المتوكل
:
توفي "
المعتصم " وجاء بعده الواثق ، وكانت مدّة خلافته خمس سنين وتسعة اشهر .

وجاء بعده
إلى الحكم الخليفةُ " المتوكل " ، وفي عهده انتشر الفساد والظلم ، واتسع
نفوذ الأتراك في الحكم حتى اصبحوا الحكام الفعليين ، وصارت الخلافة لعبة
في أيديهم .
وبلغ حقد
التوكل على أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم أن أمر بفتح النهر على
قبر سيدنا الحسين ( عليه السلام ) ومنَع المسلمين من زيارته وقتَل عدداً
كثيراً من الزوّار ؛ وإلى ذلك يشير الشاعر :
تالله إن
كانت أمية قد أتت | قتل ابن بنت نبيها مظلوماً
فـلقد أتته
بنو أبيه بـمثله | فغدا لعـمرك قبره مهدوماً
أسفوا على
ألاّ يكونوا شاركوا | في قتله ، فتتبّعوه رمــيماً
كان المتوكل
قد فرَض رقابة شديدة على الإمام في المدينة المنورة ، وكان الجواسيس
ينقلون له مباشرة حركات الإمام وأحاديثة .

خاف
المتوكلُ بعد أن اصبح الإمام شخصية مرموقة محبوبة من قبل الناس ، فلقد
كان يُحسن إليهم ويقضي أكثر وقته في المسجد الشريف .
أرسل
المتوكل مبعوثاً خاصاً لإحضار الإمام ، ودخل " يحيى بن هرثمة " المدينة
المنورة .
وانتشرت
شائعات حول أهداف المتوكل ، واجتمع الناس حول محل إقامة مبعوث المتوكل
للتعبير عن قلقهم بشأن مصير الإمام .
يقول " يحيى
بن هرثمة " نفسه : فجعلت اُطمئِنهم وأحلف لهم بأني لم أؤمر فيه بمكروه .
كان المتوكل
يفكّر في طريقة للحطّ من مكانة الإمام ( عليه السلام ) فاقترح بعض
مستشاريه أن يشوش على سمعة الإمام الهادي بالاستفادة من أخيه " موسى "
وكان سيئَ السيرة منحرفَ الأخلاق .
ورحب
المتوكل بهذه الفكرة ، فأرسل وراء موسى ، وكان الإمام الهادي قد حذر أخاه
قائلاً : إنّ الخليفة قد أحضرك ليهتكك ويضع من قدرك فاتّقِ الله يا أخي
ولا ترتكب محظوراً .
ولم يصغِ
موسى إلى نصيحة الإمام ، وأصرّ على موقفه ، ويبدو أن المتوكل قد احتقره
فلم يستقبله أبداً .
كلمة حق
أمام سلطان جائر :
كان " ابن
السكيت " عالماً كبيراً ، قال " أبو العباس المبرّد " ما رأيت للبغداديين
كتاباً أحسن من كتاب " ابن السكيت في المنطق " .

طلب المتوكل
من ابن السكيت أن يشرف على تربية ولديه : " المعتز " و " المؤيد".
فسأله ذات
يوم : أيهما احب إليك ؛ ابناي هذان أم الحسن والحسين فقال العالم بشجاعة
: والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ولديك .
فوجئ
المتوكل بجواب ابن السكيت واستشاط غضباً وأمر جلاوزته من الأتراك أن
يستلّوا لسانه من قفاه ؛ فمضى إلى ربّه شهيداً .
لقد قال
سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) : سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة عند
سلطان جائر .
سياسة
المتوكل :
كان المتوكل
يتلاعب بأموال المسلمين ، وكانت حياته كلها ترف وبذخ ، وقضى عمره في
السكر والعربدة واللهو ، ويبعثر الملايين ، فيما يعيش الناس في حياة صعبة
، وفي فقر وبؤس . أما العلويون فقد كانوا يعيشون حالة من الفقر المدقع ،
محرومين من أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة .
استُدعي
الإمام الهادي ( عليه السلام ) إلى سامرّاء فوصلها مع ابنه الحسن ( عليه
السلام ) وأُنزل في إحدى الخيام حيث يرابط جيش المتوكل هناك ، ليكون تحت
مراقبة جنودٍ غاية في القسوة والشدّة والجهل بمنزلة أهل البيت ( عليهم
السلام ) ، فقد كانوا أتراكا غلاظاً ساعدت بيئتهم وتربتهم في تكوين شخصية
لا تعرف غير طاعة الملوك والحكام .
حكايات :
كان لأحدهم
ابنٌ تصيبه الحصاة أي في كليته حصى ، فنصحه الطبيب بالجراحة ، وعندما
أجريت العملية مات الصبي ، فلامه الناس وقالوا :
قد قتلت
ولدك وأنت شريك في دمه .

فاشتكى ذلك
إلى الإمام .
فقال الهادي
( عليه السلام ) : ليس عليك فيما فعلت شيء ، إنما التمست له الدواء وكان
أجله في ذلك .
وقدّم له
صبيٌ وردة فأخذها وقبّلها و وضعها على عينيه ، ثم ناولها إلى أحد أصحابه
وقال : من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه ثم صلّى على
محمد وآل محمد كتب اللهُ له من الحسنات مثل رمل " عالج "
ومحا عنه من السيئات مثل ذلك .
يروي " يحيى
بن هرثمة " الذي أشرف على سفر الإمام من المدينة إلى سامرّاء قائلاً :
كنا نسير والسماء صحو ، فأمر الإمام أصحابه أن يهيّئوا ما يقيهم من المطر
ن فتعجب بعضنا وضحك آخرون ، فما هي إلاّ دقائق حتى اكتظّت السماء بالغيوم
وهطل المطر ، والتفت الإمام إليّ وقال :
لقد أنكرت
ذلك ثم ظننت أني أعلم الغيب وليس ذلك كما تظن ، ولكني نشأت في البادية ،
فأنا أعرف الرياح التي يعقبها المطر ، وقد هبّت ريح شممت فيها رائحة
المطر ، فتأهبت لذلك .
نذر المتوكل
يوماً عندما اُصيب بوعكة صحية أن يتصدّق بمال كثير ولم يعيّن مقداره .
ولما أراد
الوفاء بنذره اختلف الفقهاء في تحديد المبلغ ، ولم ينتهوا إلى نتيحة ،
فأشار عليه البعض أن يسأل أبا الحسن علي الهادي ( عليه السلام ) .
وعندما سئل
الإمام عن الكثير قال : إنّ الكثير ثمانون ، فسئل عن دليله على ذلك ،
فأجاب الإمام : قال سبحانه وتعالى : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة "
فعددنا تلك المواطن " المعارك الإسلامية " فكانت ثمانين .
اقتحام
منزل الإمام :
بالرغم من
الإقامة الجبرية المفروضة على الإمام الهادي ( عليه السلام ) فإنه لم
يسلم من الوشايات والاتهامات الباطلة .

فقد نقل
أحدهم إلى المتوكل بأن الإمام يجمع السلاح والأموال للثورة ، فأمر
المتوكل سعيد الحاجب أن يقتحم المنزل ليلاً ويتأكّد من صحة الأخبار .
وعندما
اقتحم المنزل وجد الإمام في حجرة خالية تماماً إلاّ من حصير وكان الإمام
يصلّي بخشوع .
وقد فتّش
المنزل بدقّة فلم يعثر على أي شيء فقال الحاجب معتذراً :
يا سيدي إني
مأمور ومعذور .
فردّ الإمام
بحزن : " و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .
بركة
السباع :
ادّعت امرأة
أنها زينب بنت علي ( عليه السلام ) ، وأن شبابها يتجدد كل خميس سنة ،
فأرسل المتوكل وراء رجال من بني طالب ، فقالوا :
إن زينب
ماتت في تاريخ كذا وقد دفنت .
غير أن
المرأة بقيت على ادّعائها ؛ فقال " الفتح بن خاقان " وزير المتوكل : لا
يخبرك بهذا إلاّ ابن الرضا ( عليه السلام ) .
فأرسل
المتوكل وراء الإمام الهادي وسأله عن ذلك فقال الإمام ( عليه السلام ) :
إن في ولد علي ( عليه السلام ) علامة ، وهي لا تعرض لهم السباع بسوء ،
فألقها إلى السباع فإن لم تعرض لها فهي صادقة .
فأراد
المتوكل امتحان ذلك بالإمام ، نزل الإمام إلى بركة السباع بكلّ ثقة ،
وكانت المفاجأة حيث ظلّت السباع تبصبص عند قدميه .
وهنا أمر
المتوكل بإلقاء المرأة ، فصرخت مذعورة وتراجعت عن ادعائها .
في مجلس
المتوكل :
في لحظة سكر
، أمر المتوكل بإحضار الإمام فوراً ، وانطلق الجلاوزة واقتحموا الدار
بقسوة ، واقتادوا الإمام إلى قصر الخلافة .

كان المتوكل
يشرب الخمر ويعربد . وقف الإمام قريباً منه ، فناوله المتوكل كأساً من
الخمر .
اعتذر
الإمام قائلاً : والله ما خامر لحمي و دمي .
فقال
المتوكل : إذن أنشدني شعراً .
فاعتذر
الإمام وقال : أني لقليل الرواية للشعر .
أصرّ
المتوكل على موقفه ، فانطلق الإمام يهزّه بشعر لم يكن يتوقّعه أبداً :
باتوا على
قلل الأجبال تحرسهم | غلب الرجال فما أغنتهم القللُ
واستنزلوا
بعد عزٍّ من مـعاقلهم | فأُودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم
صارخٌ من بعد ما قبروا | أين الأسرّة والتيجان والحُللُ
أين الوجوه
التي كانت منعّمة | من دونها تُضرب الأستار والكُلَلُ
فأفصح
القبرُ عنهم حين ساءلهم | تلك الوجوهُ عليها الدود ينتقلُ
قد طالما
أكلوا دهراُ وما شربوا | فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
وطالما
عمّروا دوراً لتـحصنهم | ففارقوا الدور والأهلين وانـتقلوا
وطالما
كنزوا الأموال وادّخـروا | فخلّفوها إلى الأعداء وارتـحلوا
أضحت
منازلهم قفراً معـطلـة | وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
وكان الشعر
مؤثراً جداً . . إنّ نهاية كل شيء هو الفناء . نهاية القصور والطواغيت
والنفوذ الشرف وكل ما يخدع الإنسان مصيره الزوال .
وهنا انفجر
المتوكل باكياً ونهض إجلالاً للإمام وودَّعه باحترام .
استشهاد
الإمام :
لقي المتوكل
مصرعه في إحدى المؤامرات التي تحوكها الأطماع ، وجاء بعد ابنه المنتصر
وقد حكم ستة اشهر فقط ، ثم أعقبه خليفة آخر هو المستعين فحكم ثلاث سنوات
، وتلاه المعتزّ الذي عمل على اغتيال الإمام بالسم ، فمضى إلى ربّه
شهيداً ، وذلك سنة 254 هجرية . وله من العمر 42 سنة ، ومرقده اليوم في
مدينة سامراء قبة ذهبية تعانق السماء و مزاراً للمسلمين .
تلامذة
الإمام :
بالرغم من
المراقبة الشديدة والمضايقات ، فقد كان للإمام تلامذة ومريدون ، يتحمّلون
الصعاب من أجل لقائه ، من بينهم :
1.
عبد العظيم الحسني : وكان من كبار العلماء على جانب كبير من التقوى ، وقد
امتدحه الإمام وأثنى عليه في عديد من المناسبات ، تعرض لمطاردة الحكام
فاختفى في مدينة الري – جنوب طهران اليوم ، ومرقده اليوم مزار يؤمه
المسلمون تبرّكاً .
2.
الحسن بن سعيد الأهوازي : وكان من أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام )
والإمام الجواد ( عليه السلام ) . عاش في الكوفة والأهواز وانتقل إلى قم
حيث توفي هناك . له ثلاثون مؤلف في الفقه والآداب والأخلاق ، وكان من
الثقات في الرواية والحديث .
3.
الفضل بن شاذان النيسابوري : فقيه كبير ومتكلم روى كثيراً من أحاديث
الإمام ، ولازم ابنه الإمام الحسن العسكري . أثنى عليه الإمام ونصح أهل
خراسان بالرجوع إليه فيما يهمّهم من المسائل .
من
كلماته المضيئة :
·
من أطاع الخالق لم يبالِ بسخط المخلوقين .
·
من هانت عليه نفسه فلا تأمن شرّه .
·
من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه .
·
الغضب على من تملك لؤم .
·
خير من الخير فاعله ، شرّ من الشرّ جالبه .
·
العتاب خير من الحقد .
·
قال للمتوكل : لا تطلب الوفاء ممن غدرت به .
أسئلة :
1.
كيف تنبّأ الإمام بهطول المطر ؟
2.
لماذا بكى المتوكل ؟
3.
ما هي نصيحة الإمام لأخيه ؟
هوية
الإمام :
الاسم : علي
.
اللقب :
الهادي .
الكنية :
أبو الحسن .
اسم الأب :
الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) .
تاريخ
الولادة : 212 هجري .
تاريخ
الشهادة : 254 هجري .
العمر : 22
سنة .
محل الدفن :
سامراء – العراق .