الإمام محمد
الباقر
( عليه
السلام )
تأليف
سيّد مهدي آيت
اللّهي
ترجمة
كمال السيّد
الميلاد
:
وُلد الإمام
الباقر في الأول من رجب سنة 57 هجرية في المدينة المنورة ، وهو خامس أئمة
أهل البيت ( عليهم السلام ) .
أبوه الإمام
زينُ العابدين ( عليه السلام ) ، وأمّه " فاطمة " من ذرّية الإمام الحسن
المجتبى ( عليه السلام ) .وعلى هذا فأن الإمام الباقر ( عليه السلام ) هو
أوّل إمام ينحدر من رسول الله أباً وأماً .
أدرك الإمام
الباقرُ جدَّه الحسين ( عليه السلام ) ، وكان عمره أربعة أعوام حين وقعتْ
مذبحةُ كربلاء .وعاش مع والده السجّاد ( عليه السلام ) خمساً وثلاثين سنة
، وعاش بعد والده ثمانية عشر عاماً وهي مدّة إمامته ، انصرف فيها إلى نشر
العلوم والمعرفة الإسلامية .

وسُمّي
بالباقر من بقر الأرض أي شقّها وأخرج مخبآتها ، فهو قد أخرج كنوز العلم
والمعرفة ، فسمّاه الناسُ الباقر ، وله ألقاب أخرى تدلّ على صفاته
الأخلاقية ؛ منها : الشاكر والهادي .
صادفه
الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صغير ، فقال له : يسلّم
عليك رسولُ الله . فتعجّب الناس . فقال لهم جابر : كنت جالساً عند رسول
الله ذات يوم وفي حجره الحسين ( عليه السلام ) يداعبه ، فقال لي :
يا جابر
يولد له مولود ، اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ :
لِيقم سيدُ
العابدين ، ثمّ يولد من علي ولدٌ اسمه محمد يبقر العلم بقرا فإن أدركته
يا جابر فاقرأه عنّي السلام .
وكانت
للإمام بساتين يعمل فيها بيده ، ويشارك الفلاحين طعامهم ، وكان يُنفق
ريعها على الفقراء والمحتاجين ، وكان في ذلك أسخى أهل زمانه .
وقد ورد في
كتب التاريخ أن " محمد بن المنكدر " ، وكان متصوفاً ، قال : ما كنت أرى
أن مثل علي بن الحسين يدع خلفاً أفضل حتى رأيت ابنه " محمداً ( عليه
السلام ) أردت أن أعظه فوعظني ، خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة
حارّة ، فلقيت محمدَ بن علي ( عليه السلام ) وهو متكئ على غلامين له ،
فقلت في نفسي : شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب
الدنيا ، والله لأعظنّه ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فسلّم عليّ وكان
يتصبّب عرقاً ، فقلت : أصلحك الله ، شيخاً من أشياخ قريش في هذه الساعة
في طلب الدنيا . كيف لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة ؟!

فخلّى
الإمام يديه عن الغلامين وتساند وقال " لو جاءني – والله – الموت وأنا
على هذه الحال ، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكفّ بها نفسي عنك وعن
الناس ، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله .
فقلت :
يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني .
كان موقف
الإمام حازماً لكي يدرك الناس أن طلب الرزق عبادة وطاعة لله ، لا ترك
العمل والانقطاع للصلاة والعيش عبئاً على الآخرين كما يفعل المتصوفون من
أمثال بن المنكدر وغيره .
منزلته
العلمية :
كان رجل من
أهل الشام يتردّد على مجلس الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) ؛ وكان
يقول له : لا يوجد أحد في الأرض أبغض إليّ منكم وإنّ طاعة الله وطاعة
رسول الله في بغضكم ، ولكن أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ ، وأن
حضوري مجلسك هو لحسن أدبك ، وكان الإمام في كل مرّة يقول له خيراً أو
يقول له : لن تخفى على الله خافية .

ومرّت أيام
انقطع فيها الرجل الشامي ، فافتقده الإمام وسأل عنه فقال بعضهم : إنه
مريض .
ذهب الإمام
لعيادته ، وجلس عنده يحدّثه وسأله عن علّته ونصحه الإمام بتناول الأطعمة
الباردة ، ثم انصرف .
مضّت أيام
ونهض الشامي من فراشه بعد أن عوفي من مرضه ، فكان أول شيء فعله هو أن
انطلق إلى مجلس الإمام واعتذر إليه ، وأصبح من أصحابه .
وسأل رجلٌ
عبدَ الله بن عمر بن الخطاب عن مسألة فحار في جوابها ثم قال له : اذهب
إلى ذلك الغلام فسله وأعلمني بالجواب ، وأشار إلى محمدٍ الباقر . فجاءه
الرجل وسأل الإمام وعاد إلى ابن عمر .
حوار مع
عالم نصراني :
روى الإمام
الصادق ( عليه السلام ) أنه كان في الشام مع أبيه عندما استدعاه هشام بن
عبد الملك .
وذات يوم
رأى في أحد الميادين جموعاً من الناس تنتظر ، فسأل عن ذلك فقالوا له :
إنهم ينتظرون عالِمهم وهو لا يخرج في العام إلا مرّة فيسألونه ويستفتونه
، فجلس الإمام معهم حتى جاء العالم النصراني ، وعندما رأى النصرانيُّ
الإمامَ ( عليه السلام ) سأله : هل أنت منّا أم من هذه الأمة المرحومة ؟
فقال الباقر
( عليه السلام ) : بل مِن الأمة المرحومة .

فقال
النصراني : مِن جُهّالها أم علمائها ؟ .
فقال الإمام
: لستُ من جُهّالها .
فقال العالم
النصراني : لديَّ أسئلة :
من أين
ادّعيتم أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يتبوّلون ؟
فقال الإمام
: دليلُنا الجنين في بطْن أمّه يُطعم فلا يُحدث .
فقال العالم
النصراني : أخبرني عن ساعة لا هي من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .
فقال الإمام
: الساعة بين طلوع الفجر وطلوع الشمس . . يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها
الساهر .
فوجئ
النصراني بأجوبة الإمام ، فأراد أن يفحمه بسؤال جديد ، فقال : اخبرني عن
مولودَين وُلدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد ، عُمر أحدهما خمسون سنة
وعمْر الآخر مائة وخمسون سنة .
فقال الإمام
: عُزير وأخوه ، وكان عمر عزير خمسة وعشرون سنة . . مرّ على قرية
بأنطاكية وهي خاوية على عروشها فقال : {أنّى يُحيى هذه الله بعد موتها }
. فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، وعاد إلى داره شابّاً ، فيما كان أخوه
شيخاً كبيراً طاعناً في السن ، فعاش مع أخيه خمساً وعشرين سنة ، ثم مات
مع أخيه في يوم واحد .
وتعجّب
العالم النصراني من سعة علم الإمام ، فأعلن إسلامه أمام الملأ كما أسلم
أصحابه .
في مجلس
هشام :
بعث هشام بن
عبد الملك وراء الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) وابنه جعفر الصادق ،
فغادرا المدينة إلى الشام .

كان هدف
هشام أن يستعرض أبهة الملك فدخل عليه الإمام ، وكان جالساً على سرير
الملك ، وحوله الجند مسلحين وبين يديه عِلية القوم يرمون هدفاً بالسهام ،
فقال : يا محمد اِرم مع أشياخ قومك هذا الغرض .
فقال الإمام
: إني قد كبرت عن الرمي فاعفني .
رفض هشام
وأصرّ على الإمام وأشار إلى شيخ من بني أمية أن يناوله القوس . فأخذ
الإمام القوس وتناول سهماً فوضعه فيه وسدّد نحو الهدف فأصاب مركزه ، ثم
تناول الثاني فأصاب المركز مرّة أخرى . . حتى تكاملت تسعة أسهم .

دهش هشام
لبراعة الإمام ومهارته الفائقة فهتف : أجدت يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب
والعجم . . هذا وأنت تقول : كبرت عن الرمي .
ثم قاد
الإمام وأجلسه عن يمينه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش
مادام فيهم مثلك ، لله درّك ! مَن علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟
فقال الإمام
: تعلّمته أيام حداثتي ثم تركته .
فقال هشام :
ما أظن أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي . أيرمي جعفر مثل رميك ؟
فقال الإمام
: نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه (صلى
الله عليه وآله ) في قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .
فقال هشام
وقد احمرّ غضباً : من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم
أنبياء ؟
فقال الإمام
: ورثناه عن جدّنا علي ( عليه السلام ) وقد قال : علّمني رسول الله ألف
باب من العلم . . ينفتح عن كل باب ألفُ باب .
ظلّ هشام
ساكتاً يفكّر ، ثم أمر بإعادة الإمام وابنه إلى المدينة بأسرع وقت خوفاً
من أن يتّجه الناس إليه .
النقد
الإسلامي :
كانت
الاشتباكات على الحدود عنيفة بين الدولة الإسلامية ودولة الروم ، فهدّد
امبراطورُ الروم عبدَ الملك بن مروان بقطع النقد عن الدولة الإسلامية إذا
لم يتنازل عن المناطق المتنازع عليها ، فارتاع عبد الملك ولم يدْرِ ما
يصنع ، وجمع أعيانَ المسلمين يستشيرهم فلم ينتهوا إلى نتيجة ، فأشار
بعضهم بالرجوع إلى الإمام الباقر .
أرسل عبد
الملك يدعو الإمام إلى الشام ، ولبّى الإمام الدعوة ، وعندما عرضت عليه
الأزمة ، قال الإمام لعبد الملك : لا يهولنكّ ما ترى أرسِل إلى ملك الروم
واستمهله مدّة من الزمن ، وخلال هذه المدّة أرسل إلى حكام المدن
والأقاليم وَ أمرهم بجمْع الذهب والفضة ، حتى إذا توفّرت الكمية المناسبة
، باشِر بضرب النقود الإسلامية .
ثم حدّد له
الإمام وزنها وشكلها ، وأمره أن يكتب على أحد وجهيها : " محمد رسول الله
" ، فإذا انتهى العمل منها يمنع التعامل بالنقد الرومي وعندها لا يبقى
لإمبراطور الروم نفوذاً يستغلّه ضد الدولة الإسلامية .
ولما انتهى
العمل وتوفر النقد الإسلامي ، بعث عبد الملك رأيه النهائي في مسالة
الحدود ، ولم يجد إمبراطور الروم وسيلة للضغط الاقتصادي فاختار الحلّ
العسكري ، ولكنه أخفق في ذلك أيضاً بعد أن تصدّى المسلمون لجيوشه .
وهكذا أنقذ
الإمام الباقر دولة الإسلام من استغلال الأعداء وأصبح لهم نقد مستقل يحمل
شعار الإسلام .
أصحاب
الإمام :
توفرت
للإمام الباقر فرصة حسنة لنشر العلم وإرساء معالم مدرسة أهل البيت (عليهم
السلام ) بعد أن انصرف الأمويون إلى إخماد القلاقل هنا وهناك .

وقد برز في
عهد الإمام بعض تلاميذه الذين كان لهم دور كبير في نشر معارف أهل البيت (
عليهم السلام ) ؛ وفي طليعتهم :
1.
أبان بن تغلب : وقد عاصر ثلاثة من أئمة أهل بيت ( عليهم السلام ) ، فقد
حضر مجالسِ الإمام السجّاد والإمام الباقر كما لازم الإمام الصادق (
عليهم السلام ) ولكنه أخذ عن الإمام الباقر أكثر . وكان متفوِّقاً في
علوم الفقه والحديث والأدب واللغة والتفسير والنحو ، وقد قال له الإمام
الباقر : اجلس في مسجد المدينة وَافْتِ الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في
شيعتي مثلك .
2.
زرارة بن أعين : قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : لولا زرارة
لظننت أن أحاديث أبي ستذهب . وكان يترحّم عليه قائلاً : رحم اللهُ زرارة
بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي .
3.
محمد بن مسلم الثقفي : كان الإمام الصادق يجلّه و يحبّه ؛ وهو أحد
الأربعة الذين قال فيهم الصادق ( عليه السلام ) : أربعة أحبّ الناس إليّ
أحياء وأمواتاً ، كما أمر بعض أصحابه بالرجوع إليه قائلاً : سمع أحاديث
أبي وكان عنده وجيهاً ، وكان محمد بن مسلم يقول : سألت أبا جعفر الباقر
عن ثلاثين ألف حديث .
وقد أثنى
الإمامُ الصادق على أصحاب أبيه ، وكان يقول : لو أنّ أصحابي سمعوا
وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه . . . إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً
لنا أحياءً و أمواتاً .
ومن أصحاب
الإمام الباقر أيضاً : الكميت الأسدي الشاعرُ المعروف كان الإمام الباقر
يقول – كلما لقاه : اللهم اغفر للكميت .
شهادة
الإمام :
على الرغم
من انصراف الإمام الباقر إلى العلم ونشر الدين فإنّ حكّام بني أميّة لم
يكونوا يتحملون وجوده ؛ خاصّة يعد أن عرف الناس فضله وعلمه ، وبهرتْهم
شخصيّتُه الأخلاقية والإنسانية ، كما أن انتسابه إلى الرسول ( صلى الله
عليه وآله ) عزَّز من مكانته في قلوب المسلمين .
كان هشام
يفكر في القضاء على الإمام ، وأخيراً سنحتْ له الفرصة فدسّ له السمّ ،
واستشهد الإمام في 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية . بعد أن عاش 57 سنة قضاها
في التقوى والصلاح وخدمة الإسلام والمسلمين ونشْر علوم أهل البيت ( عليهم
السلام ) .
من كلمات
المضيئة :
1.
ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله .
2.
عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد . . والله لموت العالم أحبّ إلى إبليس
من موت سبعين عابداً .
3.
قال لأحد أولاده : يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شرّ ، إنّك
إن كسلت لم تؤدِّ حقاً ، وإن ضجرت لم تصبر على حق .
4.
كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يأمر
الناس بما لا يستطيع التحوّل عنه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه .
5.
قال لأحد أصحابه : أوصيك بخمس : إن ظُلمت فلا تَظلم ، وإن خانوك فلا تخُن
، وإن كُذبت فلا تغضب ، وإن مُدحت فلا تفرح ، وإن ذممت فلا تجزع .
هوية
الإمام :
الاسم :
محمّد .
اللقب :
الباقر .
الكنية :
أبو جعفر .
اسم الأب :
السجّاد ( عليه السلام ) .
تاريخ
الولادة : 1 رجب سنة 57 هجرية .
محل الولادة
: المدينة المنورة .
تاريخ
الشهادة : 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية .
محل الدفن :
البقيع / المدينة المنورة .
أسئلة :
1.
لماذا لُقّب الإمام محمد ( عليه السلام ) بالباقر ؟
2.
ما هي فكرة الإمام في حل أزمة النقد ؟
3.
اذ كر حديثاً للإمام الباقر واشرحه ؟