الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

صلة الرحم في الإسلام

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ 1.
وقال أيضاً: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ 2.
(صلة الرحم) من المفاهيم الإسلامية الأصلية والّتي ركّز الإسلام على ضرورة إيلائها المقام اللائق بها والإهتمام العملي اللازم بشأنها، حتّى ورد في تفسير الآيتين المذكورتين أن المسلمين قبل نزول هاتين الآيتين كانوا يتوارثون بسبب قرابة الدين و الاسلام،حتّى نزلت هاتان الآيتان فصار المسلمون يتوارثون بقرابة النسب من الأب أو الأم أو من كلا الطرفين.
وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على مدى أهمية أن يصل الإنسان رحمه الشامل لكلّ من يمتّ إلى الإنسان بصلة قرابة النسب الذي سنوضحه في طيّات هذا البحث.
(والرحم) في اللغة تعني (أسباب القرابة) وأصلها مأخوذة من (الرَّحيم) التي هي منبت الولد، وفي تفسير لغوي آخر أن ذوي الرحم هم الأقارب، ويقع على كلّ من يجمع بينك وبينه نسب، وهذا يشمل القرابة من جهة الأب والقرابة من جهة الأم على حدٍّ سواء.
ولهذا نجد أنّ الله سبحانه عندما أرسل رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة الخاتمة أمره بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ 3 التي تعني الأرحام كالأعمام وأبناء الأعمام كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امتثالاً لأمر ربّه عزّ وجلّ.
وقد ورد في تعظيم شأن صلة الرحم العديد من الأحاديث الشريفة الدالّة على ضرورة التواصل مع صلة الرحم بشكلٍ دائم ومستمر كالحديث التالي: (ايها الناس: إنه لا يستغنى الرجل وإن كان ذا مال عن عترته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم حيطة من ورائه وألمَّهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إن نزلت به ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير من المال يرثه غيره. ألا لا يعدلنَّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته، فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة) 4. والحد الأدنى من الرحم الواجب صلته هو ما ورد من مراتب الإرث المحدّدة في الفقه بمراتبٍ ثلاث:
الأولى: الآباء بما يشمل الأمهات، والأبناء بما يشمل البنات.
الثانية: الأخوة بما يشمل الأخوات، والأجداد بما يشمل الجدّات.
الثالثة: الأعمام بما يشمل العمّات، والأخوال بما يشمل الخالات.
وهذه المراتب تشمل أيضاً ما يتفرّع عنها من أبناء وبنات الأعمام، وأبناء وبنات الأخوال، وأبناء الأخوات.
لكن المسألة من جهةٍ أخرى تتبع العرف أيضاً والعادات والتقاليد، وهنا نرى أنّ (الرحم) هو أوسع دائرة نوعاً ما من التحديد الشرعي لمراتب الإرث، لأنّ العرف يتسامح في مسألة (الرحم) فيوسِّع من دائرتها إلى كلّ من يتقرّب بالإنسان من جهة الأب أو الأم إلى مستوى جيلين أو ثلاثة وحتى أكثر في بعض الأحيان.
وأمّا من جهة التواصل، فلا شكّ أنّ (الرحم) كلّما كان قريباً من الشخص كان وجوب صلته مؤكداً وشديداً، فيأتي في المقدمة الأب والأم والأبناء والبنات، ثمّ الأخوة وهكذا دواليك حتّى نهاية سلسلة الرحم.
ولم يفرض الإسلام طريقةً خاصة للتواصل مع الأرحام، بل ترك المسألة للمسار العرفي والإجتماعي، لأنّ مثل هذه المسائل قابلة للتغيير من جهة الكيفية فالشارع المقدّس يترك للمسلمين حرية الإختيار فيها تبعاً للتحوّلات الإجتماعية والإنسانيّة التي قد تتغير من جيل الى جيل، كما في هذا العصر الذي اتسعت فيه الحياة الإجتماعية، وتباعدت فيه الناس نوعاً ما عن بعضها البعض بسبب ضرورات العلم أو العمل أو غير ذلك من الظروف الطارئة والإستثنائية.
ولصلة الرحم منافع وفوائد عديدة دنيوياً وأخروياً، وقد ورد في الأحاديث الكثير ممّا يشير إلى ذلك، ومنها:

  1. (صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتنسئ من الأجل)، الباقر (عليه السلام).
  2. (صلة الرحم تزيد في العمر، وتنفي الفقر)،رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
  3. (صلة الرحم تعمر الديار، وتزيد في الأعمار، وإن كان أهلها غير أخيار)، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
  4. (إنّ القوم ليكونون فجرة، ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم، وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبراراً بررة؟!)، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
  5. (إنّ صلة الرحم والبر ليهوّنان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبرّوا بإخوانكم ولو بحسن السلام وردّ الجواب)، الإمام الصادق (عليه السلام).
  6. (صلة الرحم تهوّن الحساب وتقي ميتة السوء)، رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولذا نرى تركيز الأحاديث على أنّ صلة الرحم تزيد في العمر وقد ورد بهذا المضمون الكثير من الأحاديث مرّ بعضها ونذكر هذا الحديث بالخصوص لأهميته ولمعرفة مدى دور صلة الرحم في إطالة العمر بالخصوص، فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي له من العمر ثلاث سنين فيصيرها الله عز وجل ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيّرها الله ثلاث سنين ثمّ تلا ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ 5).
ومن هنا ورد في الحديث الشريف أنّ الرحم لا ينبغي أن يقطع الإنسان الصلة بها مهما كانت الأسباب كما في الحديث التالي: (عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يصرم (يقطع) ذوي قرابته ممن لا يعرف الحق؟ قال (عليه السلام): لا ينبغي له أن يصرمه (يقطعه...)،وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام): (حقّ الرحم لا يقطعه شيء وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقان بمعنى حقّ الرحم وحقّ الإسلام الجامع بينه وبينهم).
وصلة الرحم مؤكّدة حتى وإن طالت المسافة واحتاج قطعها إلى وقتٍ وجهد، لأنّ التعب في مثل هذه الحالة مشكورٌ وممدوح ومستحب عند الله عزّ وجلّ، وبهذا نرى أنّ المثل الشعبي القائل: (جارك القريب ولا أخوك البعيد) لا ينسجم مع الوصايا الشرعية بصلة الأرحام، صحيح أنّ للجار حقاً على الجار وهو حقّ كبير في الإسلام، إلاّ أنّ هذا الحق لا يرقى إلى حقّ الرحم بالنسبة إلى الإنسان كأبيه وأخيه وما شابه، ومن هنا ينبغي تصحيح مثل هذا المفهوم الخاطئ عند الناس حتّى لا يصبح عادة وتقليداً و ممارسة فعلية، بحيث يكتفي الإنسان بالجار القريب على حساب الرحم البعيد، بل يعطي لكلٍّ حقّه المناسب.
ولذا ورد في الأحاديث الكثير، ممّا يؤكّد على ذلك مثل: (لا تقطع رحمك، وإن قطعك)، الإمام الصادق (عليه السلام) نقلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و: (إنّ أوصل الناس من وصل من قطعه)، وعن أبي ذر (رض) قال: (أوصاني رسول الله أن أصل رحمي وإن أدبرت).ونكتفي يهذا المقدار من الحديث عن صلة الأرحام لننتقل منها إلى الفتاوى المؤكّدة على هذا الأمر، وسوف نذكر جملة من الإستفتاءات الموجّهة إلى سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه) مع أجوبتها لنرى انعكاس مسألة صلة الرحم في الفقه الإسلامي والشيعي خصوصاً.
استفتاء:
هل يختلف أقرباء الأم عن أقرباء الأب من حيث الرحمية أم لا؟
الجواب:
يجب صلة الرحم بالنسبة إلى أقرباء الأب وأقرباء الأم ولا فرق في ذلك.
إستفتاء:
صلة الرحم الواجبة ما هي حدودها من جهة القرابة، فهل إبن الخالة أو إبن العم داخل في عنوان صلة الرحم أم هناك حد من الأقارب؟
الجواب:
كلّ من يعد عرفاً من أرحام المكلّف فيجب صلته.
إستفتاء: إلى أيّ حدٍّ يستطيع الزوج أن يمنع زوجته من صلة رحمها؟ وهل يفرق في ذلك بين أهلها وأقاربها من حيث التزاور أم لا؟
الجواب:
لا يجوز منع الزوج زوجته عن صلة رحمها الواجبة عليها كما هو الحال في سائر الواجبات عليها، نعم يجوز له أن يمنع من بعض مراتبها.
إستفتاء: هل يجوز قطع من يرتكب المحرّمات الكبيرة بشكلٍ علني ولو قدر أنّه غير معلن لفسقه فهل تجوز مقاطعته أم لا؟
الجواب: لا يجوز قطع الرحم ولو كان كافراً، نعم يجب أن تكون الصلة حينئذٍ بشكلٍ لا يوجب تقويته وجرأته على ارتكاب الحرام.
استفتاء: هل يجوز التعاطي بالمثل لمن بادر إلى قطع رحمه ولو من باب التأديب؟
الجواب: لا يجوز ذلك.
استفتاء: نحب أن نعرف كيف يكون الإنسان قاطعاً لرحمه بالضبط؟
الجواب: إنّ المكلّف إذا اجتنب من كلّ ما يعدّ عرفاً وصلاً وارتباطاً فهو قاطع لرحمه.
وفّقنا الله وإياكم في صلة الأرحام تطبيقاً لكتاب الله عزّ وجلّ، وتنفيذاً لوصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمّة الأطهار (عليهم السلام).
والحمد لله ربّ العالمين6.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا