مجموع الأصوات: 4
نشر قبل 3 أشهر
القراءات: 482

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ماهي المسألة الحضارية ؟

عندما نطلق تسمية المسألة الحضارية، ماذا نعني بها على وجه التحديد؟ وهل بالامكان الاتفاق أو التصالح على مفهومية محددة لهذه التسمية، بحيث يكون هناك علاقة اقتران لها قدر من الثبات و القطع و الاطراد بين الدال و المدلول؟ وهل من ضرورة لغوية ودلالية، مفهومية ومعرفية لهذا الاتفاق و التصالح؟ أم أن الأفضلية إلى التعدد و الاختلاف في المعاني و الدلالات لهذا النوع من التسميات التي تنتمي إلى حقل الدراسات الثقافية و الحضارية، وهو الحقل الذي لا يشترط درجة عالية من التشدد و اليقين في التسميات و الألفاظ و المصطلحات، كالذي عليه الحال في حقل العلوم الطبيعية و التطبيقية، حيث يشترط فيها الاتحاد و الاتفاق و المعنى الواحد للتسميات و الألفاظ، وهذه هي القاعدة في العلوم باعتباره الحقل الذي يرتكز على حقائق تتصف بالجزم و القطع و اليقين، أو أنها قابلة لأن تصل لمثل هذا المستوى من الضبط و الأحكام، عن طريق تجريبات واختبارات حسية وتطبيقية. حتى لو افترضن إمكانية التعدد و الاختلاف في الألفاظ و التسميات التي تنتسب إلى حقل الدراسات الثقافية، و أعطين الأفضلية لهذا الاختيار، مع ذلك تبقى هناك حاجة و ضرورة لوجود أحد المعاني الراجحة، ويكون هو المعنى الأقرب إلى التبادر، و الأكثر رجحاناً قدر الإمكان. وهذا ما نفترضه ونتوخاه عندما نحاول تحديد ماهية المسألة الحضارية؟ وما نجزم به ابتداء أن الإجابة على هذا السؤال لن تكون النهائية على الإطلاق، و سوف تفتقد إلى قوانين الثبات و اليقين، وليست الغاية الوصول لمثل هذه النهائية، أو إلى هذه الدرجة من اليقين، و إنما الغاية الوصول إلى رؤية تكون هي الراجحة و الأقرب إلى الصواب ما أمكن. وانطلاقاً من هذا الإطار المنهجي، فان ما نقصده بالمسألة الحضارية هو النظر إلى القضايا و الظواهر و المشكلات على أساس منهج التحليل الحضاري الذي يأخذ بعين الاعتبار مشكلات التخلف من جهة، وضرورات التقدم من جهة أخرى. فالتخلف بكافة صوره و أنماطه وتكويناته يمثل أكبر و أعظم مشكلة في الأمة، المشكلة التي تتأثر منها وتتعقد وتتضاعف جميع المشكلات الأخرى في مختلف الأبعاد. لأن التخلف لا يتحدد بمجال، ولا ينحصر بمسار، و لا يقف عند حد، وهو شديد الفاعلية و التأثير و الفتك، وسريع الانتشار و الامتداد و التجذر، وهو الذي يقوي نفسه بنفسه، ويحمي نفسه بنفسه، و يجمع حوله الآفات و الأوبئة بكل أصنافها ودرجاتها، و يصيب النفس و العقل و الروح و الضمير و العاطفة والفكر، ويمتد إلى كافة التكوينات الاجتماعية الصغيرة و الكبيرة من الفرد إلى الجماعة و المجتمع و الأمة. وأما التقدم فهو رؤية ومنهج ونظام، هو رؤية تجعل من التقدم مطلباً ملحاً، و إدراكاً فاعلاً، وقضية حاضرة، الرؤية التي تخترق الحجب، وتتغلب على المعوقات، وتواجه كل أشكال الاستسلام للعجز و الإحباط و الفشل. وهو منهج يجعل من التقدم خطوات ممنهجة تكون متلاحقة ومترابطة ومتكاملة، المنهج الذي يرسم الطريق حتى لو كان طويلاً و شاقاً، لكن معالمه واضحة ومسالكه بينة. و هو نظام يجعل من التقدم بناء راسخاً له قواعد وضوابط وتقاليد، تكرس الفاعلية و الإنجاز، و تعزز أخلاقيات التعاون و التضامن و الإتقان. الرؤية هي الفكرة، و المنهج هو الطريق، و النظام هو البناء. الرؤية تتطور وتتحول إلى منهج، و المنهج يتطور ويتحول إلى نظام، و النظام يتطور و يتحول إلى بناء. و من ضرورات التقدم إعطاء الأولوية لطلب العلم، وحب المعرفة، و التخلق بالثقافة، و تقدير العلماء، وتطوير مؤسسات وبنية التعليم، و النهوض بالبحث العلمي، و السير في الأرض و النظر في تاريخ الأمم و الحضارات، واكتساب العلوم و المعارف على قاعدة الحكمة ضالة المؤمن، و القضاء على كافة أشكال الجهل و الأمية. و المسألة الحضارية بهذا المعنى ترتبط بالشرط التاريخي الذي يحدد مفهوم وفاعلية الزمن و علاقته بالتقدم. وبحسب هذه القاعدة فان كل أمة بحاجة لأن تكتشف لنفسها رؤيتها للمسألة الحضارية بما ينسجم و يتوافق مع متطلباتها الجوهرية و الأساسية، وبالشكل الذي ينسجم و طبيعة مشكلات التخلف من جهة، و ضرورات التقدم من جهة أخرى. ومحاولة تشخيص هذه المشكلات و الضرورات وفحصها ومعرفة قوانينها، وهذا ما نقصده بالشرط التاريخي، وهو الشرط الذي من طبيعته التغير والتحول من زمن إلى زمن آخر، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى، وبحسب اتجاهات التأثير وحركة قوى التغيير، ومجموع العناصر و القوى المؤثرة والمحركة. لهذا فان من المؤكد أن تتغير وتختلف صورة الشرط التاريخي مع عصر العولمة التي غيرت من صورة العالم وفتحت عليه قوى التغيير وجعلته شديد التواصل و الاندماج، و في ظل ثورة المعلومات التي جعلت من اقتصاد المعرفة الأرقى و الأقوى في العالم، و أصبح الناس في وفرة كبيرة من المعلومات التي دخلت في تفاصيل حياتهم اليومية، و أصبحت تؤثر على تشكيل أذواقهم العامة، و صناعة تصوراتهم ونماذجهم و أنماطهم السلوكية، وفي ظل التطور السريع و المذهل للغاية في شبكات الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات التي جعلت العالم شديد الترابط و الانكشاف. لذلك سوف تختلف وتتغير وتتعقد معادلات التخلف و التنمية، و مسارات التراجع و التقدم، وحركيات التطور العام، واستشرافات المستقبل. هذه التحولات و الاتجاهات الجديدة أضافت إلى تكوينات المسألة الحضارية وبدرجة عالية من الاهتمام ضرورة أن نفهم علاقاتنا بالعالم، وتواصلنا مع العصر، و الانفتاح على حركة العلوم و المعارف والأفكار، و الاستفادة القصوى و المبرمجة من ثورة المعلومات، و القدرة على الحماية و التحكم في إدارة العولمة. من أجل أن نبتكر لأنفسنا مستقبلاً جديداً وواعداً1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ، العدد 13415.