نشر قبل 3 سنوات
مجموع الأصوات: 92
القراءات: 6523

حقول مرتبطة: 

وصايا الامام جعفر الصادق لعنوان البصري

قال عُنْوَانُ البَصري 1 : كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سِنِينَ، فَلَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عليه السَّلام) الْمَدِينَةَ اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ وَ أَحْبَبْتُ أَنْ آخُذَ عَنْهُ كَمَا أَخَذْتُ عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَ لِي يَوْماً: "إِنِّي رَجُلٌ مَطْلُوبٌ، وَ مَعَ ذَلِكَ لِي أَوْرَادٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فَلَا تَشْغَلْنِي عَنْ وِرْدِي 2 ، وَ خُذْ عَنْ مَالِكٍ وَ اخْتَلِفْ‏ إِلَيْهِ كَمَا كُنْتَ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، فَاغْتَمَمْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَوْ تَفَرَّسَ فِيَّ خَيْراً لَمَا زَجَرَنِي عَنِ الِاخْتِلَافِ إِلَيْهِ وَ الْأَخْذِ عَنْهُ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ الرَّسُولِ (صلى الله عليه و آله) وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ مِنَ الْغَدِ إِلَى الرَّوْضَةِ وَ صَلَّيْتُ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ، وَ قُلْتُ أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ أَنْ تَعْطِفَ عَلَيَّ قَلْبَ جَعْفَرٍ وَ تَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِهِ مَا أَهْتَدِي بِهِ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَ رَجَعْتُ إِلَى دَارِي مُغْتَمّاً وَ لَمْ أَخْتَلِفْ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِمَا أُشْرِبَ قَلْبِي مِنْ حُبِّ جَعْفَرٍ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْ دَارِي إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ حَتَّى عِيلَ صَبْرِي‏، فَلَمَّا ضَاقَ صَدْرِي تَنَعَّلْتُ وَ تَرَدَّيْتُ وَ قَصَدْتُ جَعْفَراً ــ وَ كَانَ بَعْدَ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ــ فَلَمَّا حَضَرْتُ بَابَ دَارِهِ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ خَادِمٌ لَهُ فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟

فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَى الشَّرِيفِ.

فَقَالَ: هُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ، فَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ بَابِهِ، فَمَا لَبِثْتُ إِلَّا يَسِيراً إِذْ خَرَجَ خَادِمٌ فَقَالَ: ادْخُلْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.

فَدَخَلْتُ وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ وَ قَالَ: "اجْلِسْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ".

فَجَلَسْتُ، فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَ قَالَ: "أَبُو مَنْ"؟

قُلْتُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.

قَالَ: "ثَبَّتَ اللَّهُ كُنْيَتَكَ، وَ وَفَّقَكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا مَسْأَلَتُكَ"؟

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنْ زِيَارَتِهِ وَ التَّسْلِيمِ غَيْرُ هَذَا الدُّعَاءِ لَكَانَ كَثِيراً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مَسْأَلَتُكَ"؟

فَقُلْتُ: سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَعْطِفَ قَلْبَكَ عَلَيَّ وَ يَرْزُقَنِي مِنْ عِلْمِكَ، وَ أَرْجُو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَنِي فِي الشَّرِيفِ مَا سَأَلْتُهُ.

فَقَالَ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلًا فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَ اطْلُبِ الْعِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَ اسْتَفْهِمِ اللَّهَ يُفْهِمْكَ".

قُلْتُ: يَا شَرِيفُ.

فَقَالَ: "قُلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ".

قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ؟

قَالَ: "ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، أَنْ لَا يَرَى الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللَّهُ مِلْكاً، لِأَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلْكٌ، يَرَوْنَ الْمَالَ مَالَ اللَّهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَ لَا يُدَبِّرُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ تَدْبِيراً وَ جُمْلَةُ اشْتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ تَعَالَى بِهِ وَ نَهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِلْكاً هَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ، وَ إِذَا فَوَّضَ الْعَبْدُ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ عَلَى مُدَبِّرِهِ هَانَ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَ إِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ نَهَاهُ لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرَاءِ وَ الْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا أَكْرَمَ اللَّهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ‏ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَ إِبْلِيسُ وَ الْخَلْقُ، وَ لَا يَطْلُبُ الدُّنْيَا تَكَاثُراً وَ تَفَاخُراً، وَ لَا يَطْلُبُ مَا عِنْدَ النَّاسِ عِزّاً وَ عُلُوّاً، وَ لَا يَدَعُ أَيَّامَهُ بَاطِلًا، فَهَذَا أَوَّلُ دَرَجَةِ التُّقَى، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}.

قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَوْصِنِي؟

قَالَ: "أُوصِيكَ بِتِسْعَةِ أَشْيَاءَ فَإِنَّهَا وَصِيَّتِي لِمُرِيدِي الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ اللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِاسْتِعْمَالِهِ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي رِيَاضَةِ النَّفْسِ‏،  وَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْحِلْمِ، وَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ، فَاحْفَظْهَا وَ إِيَّاكَ وَ التَّهَاوُنَ بِهَا".

قَالَ عُنْوَانُ: فَفَرَّغْتُ قَلْبِي لَهُ.

فَقَالَ:

"أَمَّا اللَّوَاتِي فِي الرِّيَاضَةِ:

  • فَإِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا لَا تَشْتَهِيهِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْحَمَاقَةَ وَ الْبَلَهَ.
  • وَ لَا تَأْكُلْ إِلَّا عِنْدَ الْجُوعِ.
  • وَ إِذَا أَكَلْتَ فَكُلْ حَلَالًا، وَ سَمِّ اللَّهَ، وَ اذْكُرْ حَدِيثَ الرَّسُولِ (صلى الله عليه و آله) مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ، فَإِنْ كَانَ وَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَ ثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَ ثُلُثٌ لِنَفَسِهِ.

وَ أَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْحِلْمِ:

  • فَمَنْ قَالَ لَكَ إِنْ قُلْتَ وَاحِدَةً سَمِعْتَ عَشْراً، فَقُلْ إِنْ قُلْتَ عَشْراً لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً.
  • وَ مَنْ شَتَمَكَ فَقُلْ لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَقُولُ فَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي، وَ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فِيمَا تَقُولُ فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ.
  • وَ مَنْ وَعَدَكَ بِالْخَنَا فَعِدْهُ بِالنَّصِيحَةِ وَ الرِّعَاءِ.

وَ أَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْعِلْمِ:

  • فَاسْأَلِ الْعُلَمَاءَ مَا جَهِلْتَ، وَ إِيَّاكَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ تَعَنُّتاً وَ تَجْرِبَةً.
  • وَ إِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ بِرَأْيِكَ شَيْئاً وَ خُذْ بِالاحْتِيَاطِ فِي جَمِيعِ مَا تَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
  • وَ اهْرُبْ مِنَ الْفُتْيَا هَرَبَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَ لَا تَجْعَلْ رَقَبَتَكَ لِلنَّاسِ جِسْراً.

قُمْ عَنِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ نَصَحْتُ لَكَ، وَ لَا تُفْسِدْ عَلَيَّ وِرْدِي، فَإِنِّي امْرُؤٌ ضَنِينٌ بِنَفْسِي‏، وَ السَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى‏"3 .

 

  • 1. شيخ بصري قَدِمَ المدينة المنورة لطلب العلم و كان شيخاً كبِيراً قَدْ أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعٌ وَ تِسْعُونَ سَنَةً.
  • 2. الوِرد : المندوب و المستحب ، مقابل الواجب ، و الجمع : أوراد .
  • 3. بحار الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 1 / 224 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، و المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة : 1414 هجرية .

3 تعليقات

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا