الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

اين هي الازمة بين المثقف والفقيه؟

 إن الصورة الساحرة واللامعة التي كوّنها المثقف تجاه ذاته، والمبالغة والإسراف في الحديث عنها وتبجيلها، قد ساهمت في توليد نزعة إقصائية وصدامية عند المثقف في علاقته بالفقيه، أو عند قطاع منهم على أقل تقدير، حيث كان المثقف يصور الفقيه في كتاباته وأدبياته وحتى في مواقفه بشكل باهت ومقلوب، وكأنه جاء لكي يحل مكانه، ويرث موقعه، ويعلن نهايته، بوصف أن المثقف يمثل مرحلة الوضعية العقلانية التي جاءت بعد مرحلتي الدين والأسطورة حسب المراحل الثلاث عند مفكر علم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، أو بوصف أن المثقف يمثل الإنسان الأخير أو الإنسان الخاتم، حسب عبارة فوكوياما في نهايته للتاريخ، وبالتالي فإنه جاء مودعاً عصور التراجع والجمود والتحجر، ومتغلباً على ذهنية الميتافيزيقا والماورائيات، ومبشراً بعصر الحداثة والتنوير والتقدم.
وقد ظل المثقف العربي يصور نفسه على أنه يمثل منزلة النقيض للفقيه، فليس من الممكن ـ كما يقول الدكتور برهان غليون ـ أن يكون المثقف الحديث الذي ولد في المجتمعات العربية المعاصرة، هو السليل الطبيعي للكاتب أو الفقيه التقليدي، ولكنه بالعكس من ذلك تماماً فهو النقيض المباشر له.
وحين يحاول علي أومليل أن يفسر عجز المثقف العربي عن اكتساب سلطته الفكرية، يربط هذا العجز بما يسميه بسلطة الفقهاء الراسخة والمتوارثة، وحسب قوله (إن الذي يفسر عجز المثقف العربي حامل قيم الحداثة وأفكارها عن أن يكتسب سلطة فكرية في مجتمعاتنا، خصوصاً تجاه سلطة راسخة ومتوارثة، هي سلطة الفقهاء).
هذا من جهة المثقف في تفسير تأزم علاقته مع الفقيه، أما من جهة الفقيه وتأزم علاقته مع المثقف، فهذا التأزم من جهة طبيعة التكوين، فإنه يرجع إلى النظام العلمي والفكري المنقطع عن العصر، والمنفصل عن المعرفة الحديثة، والمغرق في القدم، والمشبع بالتراث، والذي تهيمن عليه منهجية المحاكمات، وذهنية الخلاف والانتصار بين الفرق والمذاهب والطبقات في إطار علم الكلام القديم.
هذا النظام العلمي والفكري الذي يرتبط به الفقيه لسنوات طويلة تمتد من مرحلة التعليم وتستمر إلى ما بعده، يجعل الفقيه يعيش عصره بذهنية القدماء، ويفكر بطريقتهم، وكأننا ما زلنا في العصر السابع أو الثامن أو التاسع الهجري، ويكون عارفاً بتلك العصور، ولعله محيطاً بتفاصيلها، لكنه ناقص المعرفة بعصرنا، الوضع الذي يتسبب بالتأزم في علاقته بالعصر، وينسحب على علاقته بالمثقف.
هذا من جهة البناء والتكوين، أما من جهة الصورة والرؤية إلى الذات، فقد حاول الفقيه أن يصور نفسه كما قال الشيخ محمد عبده بوصفه وارث علوم الدين والقائم بحفظها، وأنه المدافع عن الفضيلة، والمنافح عن القيم، وحامي حصون الأمة من الغزو الفكري والاختراق الثقافي، والمنقذ من شرور الدنيا.
ولا شك أن هذه الصورة قد ساهمت كذلك في توليد نزعة اقصائية وصدامية عند الفقيه أو عند بعضهم، خصوصاً في علاقته بالمثقف، الذي كان يصور في كتابات وأدبيات الفقيه، أو عند بعضهم بشكل باهت ومقلوب كذلك، فهو المتغرب والمتماهي مع ثقافة وقيم الغرب، والمهدد حصون الأمة من الداخل، وأنه يمثل الاستشراق المعكوس، والمجسد للغزو الفكري والثقافي.. إلى غير ذلك.
من هنا ندرك محل النزاع، ونفهم طبيعة الإشكالية في العلاقة بين المثقف والفقيه، فهي ترجع إلى طبيعة التكوين الأحادي، والبناء الفكري المنغلق، والقطيعة الثقافية بينهما، وإلى تلك الصورة النمطية التي يحملها كل طرف عن الآخر1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الخميس / 24 مايو 2007م، العدد 14880.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا