الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

فضائل ومناقب الامام علي عليه السلام

وكأشعَّة الشمس ملأت فضائل الإمام عليه السلام الآفاق، وأعطتنا ضياءً ودفئًا روحيًّا. ولقد تنافس كبار علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم في سرد فضائله، حتى ليكاد السُّذَّج من القُرَّاء يقولون: فعلي- اذًا- أفضل الناس جميعًا. جاهلين بأنه آيةُ صدقٍ لرسالة محمد صلى الله عليه واله، ومرآةٌ صافيةُ تتجلى فيها صورة مربيه وسيده محمد صلى الله عليه واله، حتى قال عليه السلام:

«أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله»1

. بلى، إن إصرار أصحاب الرسول صلى الله عليه واله وأُولي البصائر من التابعين والصِّدِّيقين من المسلمين على نشر فضائل الإمام عليه السلام كان تحديًا لخط الضلال الذي تسلط على المسلمين، واجتهد لمحو معالم الحق .. وهكذا خرجت فضائله عن إطار الإحصاء.

بيد أن علينا أَلَّا ننظر إلى فضائله بصورة منفصلة عن بعضها. أرأيت كيف لو مَزَّقْتَ زهرةً وبدأت تنظر إلى كل ورقة فيها وحدها؟

إنَّنا حين نتحدَّث عن الزهد يُخيَّل إلينا انطواء المرتاضين ورهبنة الهاربين عن الحياة.

وإذا تحدثنا عن العلم قفزت إلى أذهاننا صورة أولئك المنكبين على أوراقهم في المكتبات، أو على أدواتهم في المختبرات، دون أن يتحملوا المسؤولية أو يخوضوا صراعًا.

وإذا ذكرنا الجود تذكرنا الملوك حين يُوزعون الهدايا على الملأ من قومهم، ليستدرجوهم إلى مؤازرتهم وليضمنوا ولاءهم.

وإذا بيَّنا الشجاعة، ارتسمت أمامنا صورة أبطال الحروب، الذين دأبهم القتل ومهمتهم إراقة الدماء، وهكذا.

بيد أن عليًّا عليه السلام غير كل أولئك؛ لأنَّ صفاته تجليات لروحه الإيمانية، كالنور الواحد ينعكس على الأشياء فيتجلى عليها ألوانًا مختلفة، وهكذا نور التوحيد في ضمير الإمام عليه السلام ينبعث في واقعه صِفةً مُثلى وآيةً عُظمى للحق.

فحين يتجلَّى الرب سبحانه للقلب السليم فيُثَبِّتَهُ بالقول الثابت، ويُفيض عليه من نور عزِّه، يصبح صاحبه الجواد العدل، والشجاع الحنون، والعالم المسؤول، والزاهد المتصدي، والبكَّاء في ظلام الليل، والقتَّال حين يرتفع النهار.

ويقول قائلهم:

جُمِعَتْ في صفاتك الأضدادُ       ولهذا عزَّتْ لك الأندادُ 2

ونقول: إنها الصفات الحسنى يتبع بعضها بعضًا. إنها الحب لقد عاش لله سبحانه؛ لأنه عرف الله. وتنمَّر في ذات الله؛ لأنه أُوتي اليقين بعظمة ربِّه. أو لم يقل عليه السلام عن المؤمنين وهو أميرهم : «عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ» 3. واستهان بالموت؛ لأنه أحب لقاء ربه.

وعدل في الرعية؛ لأنه تجاوز حواجز المادة إلى حقائق الجوهر، فأسقط كل الميزات الظاهرية، وتحدَّى الضغط الذي يدعو إليها.

وزهد في الدنيا؛ لأنه أبصر حقيقتها فصامت نفسه عنها قبل أن تصوم جوارحه، وطلَّقها ثلاثًا وقال لها:

«يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا!! إِلَيْكِ عَنِّي، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ فِيهَا» 4. وأنهكته العبادة؛ لأنه يلتقي هناك بحبيبه الكريم. فلم يزل ذاكرًا ربه، يعيش قلبه بمناجاته. وهكذا كانت سائر فضائله روافد من نبع الإيمان والمعرفة واليقين.

وها نحن نروي لك شيئًا قليلًا منها لعلنا نزداد معرفة بإمامنا سلام الله عليه، ونزداد قربًا إلى ربنا بمعرفته.

فقد روى أبو الدرداء في جمعٍ من أصحاب النبي قصته مع الإمام علي عليه السلام، وكيف شاهد جانبًا من عبادته الليلية:

عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال:

«كُنَّا جُلُوسًا فِي مَجْلِسٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله فَتَذَاكَرْنَا أَعْمَالَ أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.

فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: يَا قَوْمِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَقَلِّ الْقَوْمِ مَالًا، وَأَكْثَرِهِمْ وَرَعًا، وَأَشَدِّهِمُ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ؟

قَالُوا: مَنْ؟

قَالَ: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام: فَوَاللهِ إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةِ أَهْلِ المَجْلِسِ إِلَّا مُعْرِضٌ عَنْهُ بِوَجْهِهِ.

ثُمَّ انْتَدَبَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا عُوَيْمِرُ لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِكَلِمَةٍ مَا وَافَقَكَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مُنْذُ أَتَيْتَ بِهَا.

فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: يَا قَوْمِ! إِنِّي قَائِلٌ مَا رَأَيْتُ وَلْيَقُلْ كُلُّ قَوْمٍ مِنْكُمْ مَا رَأَوْا. شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام بِشُوَيْحِطَاتِ النَّجَّارِ، وَقَدِ اعْتَزَلَ عَنْ مَوَالِيهِ، وَاخْتَفَى مِمَّنْ يَلِيهِ، وَاسْتَتَرَ بِمُغَيِّلَاتِ النَّخْلِ، فَافْتَقَدْتُهُ وَبَعُدَ عَلَيَّ مَكَانُهُ، فَقُلْتُ: لَحِقَ بِمَنْزِلِهِ، فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ حَزِينٍ وَنَغْمَةٍ شَجِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ: إلَهِي كَمْ مِنْ مُوبِقَةٍ حَلُمْتَ عَنْ مُقَابَلَتِهَا بِنَقِمَتِكَ، وَكَمْ مِنْ جَرِيرَةٍ تَكَرَّمْتَ عَنْ كَشْفِهَا بِكَرَمِكَ.

إِلَهِي إِنْ طَالَ فِي عِصْيَانِكَ عُمُرِي، وَعَظُمَ فِي الصُّحُفِ ذَنْبِي، فَمَا أَنَا مُؤَمِّلٌ غَيْرَ غُفْرَانِكَ، وَلَا أَنَا بِرَاجٍ غَيْرَ رِضْوَانِك.

فَشَغَلَنِي الصَّوْتُ وَاقْتَفَيْتُ الْأَثَرَ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام بِعَيْنِهِ، فَاسْتَتَرْتُ لَهُ وَأَخْمَلْتُ الْحَرَكَةَ، فَرَكَعَ رَكَعَاتٍ فِي جَوْفِ الليْلِ الْغَابِرِ، ثُمَّ فَرَغَ إِلَى الدُّعَاءِ وَالْبُكَاءِ وَالْبَثِّ وَالشَّكْوَى، فَكَانَ مِمَّا ناجى اللهَ بِهِ: إِلَهِي أُفَكِّرُ فِي عَفْوِكَ فَتَهُونُ عَلَيَّ خَطِيئَتِي، ثُمَّ أَذْكُرُ الْعَظِيمَ مِنْ أَخْذِكَ فَتَعْظُمُ عَلَيَّ بَلِيَّتِي.

ثُمَّ قَالَ:

«آهِ إِنْ أَنَا قَرَأْتُ فِي الصُّحُفِ سَيِّئَةً أَنَا نَاسِيهَا وَأَنْتَ مُحْصِيهَا، فَتَقُولُ: خُذُوهُ؛ فَيَا لَهُ مِنْ مَأْخُوذٍ لَا تُنْجِيهِ عَشِيرَتُهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَبِيلَتُهُ، يَرْحَمُهُ المَلَأُ إِذَا أُذِنَ فِيهِ بِالنِّدَاء».

ثُمَّ قَالَ:

«آهِ مِنْ نَارٍ تُنْضِجُ الْأَكْبَادَ وَالْكُلَى، آهِ مِنْ نَارٍ نَزَّاعَةٍ لِلشَّوَى، آهِ مِنْ غَمْرَةٍ مِنْ مُلْهَبَاتٍ لَظَى!».

قَالَ: ثُمَّ أَنْعَمَ فِي الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ حِسًّا وَلَا حَرَكَةً، فَقُلْتُ: غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ لِطُولِ السَّهَرِ، أُوْقِظُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ.

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ كَالْخَشَبَةِ المُلْقَاةِ فَحَرَّكْتُهُ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَزَوَيْتُهُ فَلَمْ يَنْزَوِ، فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، مَاتَ وَاللهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام.

قَالَ: فَأَتَيْتُ مَنْزِلَهُ مُبَادِرًا أَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ.

فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام:

يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ وَمِنْ قِصَّتِهِ؟

فَأَخْبَرْتُهَا الْخَبَرَ فَقَالَتْ:

هِيَ وَاللهِ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ الْغَشْيَةُ الَّتِي تَأْخُذُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ.

ثُمَّ أَتَوْهُ بِمَاءٍ فَنَضَحُوهُ عَلَى وَجْهِهِ فَأَفَاقَ، وَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ؟

فَقُلْتُ: مِمَّا أَرَاهُ تُنْزِلُهُ بِنَفْسِكَ.

فَقَالَ: «يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! فَكَيْفَ وَلَوْ رَأَيْتَنِي وَدُعِيَ بِي إِلَى الْحِسَابِ، وَأَيْقَنَ أَهْلُ الجَرَائِمِ بِالْعَذَابِ، وَاحْتَوَشَتْنِي مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ وَزَبَانِيَةٌ فِظَاظٌ، فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ، قَدْ أَسْلَمَنِي الْأَحِبَّاءُ، وَرَحِمَنِي أَهْلُ الدُّنْيَا؛ لَكُنْتَ أَشَدَّ رَحْمَةً لِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة.

فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله» 5.

ولأن إمامنا عليه السلام كان أشد حبًّا لربِّه وأكثر أُنْسًا به وشوقًا إليه، كان يُحِبُّ لقاء ربه، ولا يبالي بالموت. فقد جاء في حديث أنه كان يطوف بين الصفين بصِفِّين في غلالة 6، فقال الحسن عليه السلام: «مَا هَذَا زِيَّ الحَرْبِ»، فقال: «يَا بُنَيَّ! إِنَّ أَبَاكَ لَا يُبَالِي وَقَعَ عَلَى المَوْتِ أَوْ وَقَعَ المَوْتُ عَلَيْهِ». وحينما علاه أشقى الآخرين بالسيف هتف عاليًا: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة».

وقد كان عليه السلام يتمنى الشهادة، ويكرر هذه الكلمة باستمرار:

«مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَم»!.

لقد كان يعتبر الشهادة أسمى الطرق إلى الله ولقائه. فإذا وَفَّقَ الله لها عبدًا فتلك نعمة كبرى لا بدّ أن يشكره عليها.

يقول الإمام عليه السلام: «لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: ﴿ ... الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 7

عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا؟. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ؛ فَقُلْتَ لِي: أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِك؟

فَقَالَ لِي: إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَن؟

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْر» 8. حُبُّ اللَّه تعالى فوق كل وشيجة وكان حبه الشديد لربه سبحانه يجعله فوق كل وشيجة مادية، وكل ضغط اجتماعي، وكل مصلحة دنيوية زائلة.

فقد حدثنا عليه السلام بنفسه عن أسباب نصر الله للمسلمين. وجعل أعظمها التعالي عن علاقاتهم النسبية والتمسك بقيم الحق، فقال:

«فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله، وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ، فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلَّا إِيمَانًا وَمُضِيًّا عَلَى الحَق» 9

. ويروي التاريخ أن الإمام علي عليه السلام «رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ عَقِيلًا فِي قَيْدٍ فَصَدَّ عَنْهُ فَصَاحَ بِهِ: يَا عَلِيُّ! أَمَا وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتَ مَكَانِي وَلَكِنْ عَمْدًا تَصُدُّ عَنِّي.

فأتى علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه واله وقال:

يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ لَكَ فِي أَبِي يَزِيدَ مَشْدُودَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِنِسْعَةٍ؟ فَقَالَ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْه»10 وهكذا كان موقفه من أخته أم هاني يوم فتح مكة، حيث أوت رجالًا من قريش، كما يروي التاريخ، فلم يُجِرْهُمْ حتى أجارهم النبي صلى الله عليه واله 10.

ومن هنا كان الإمام عليه السلام يعيش أبدًا فوق الضغوط وكان الناس يعرفون منه ذلك، ولذلك تعاونت ضده أصحاب المصالح، وقوى الضغط الاجتماعية، كما تخبرنا عن ذلك زوجته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام:

«وَمَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي الحَسَنِ؟! نَقَمُوا مِنْهُ- وَاللهِ- نَكِيرَ سَيْفِهِ، وَقِلَّةَ مُبَالَاتِهِ بِحَتْفِهِ، وَشِدَّةَ وَطْأَتِهِ، وَنَكَالَ وَقْعَتِهِ، وَتَنَمُّرَهُ فِي ذَاتِ اللهِ» 11 . لقد عرفوا أنه لا يبالي، ولا يداهن فيما يرتبط بربه. وهكذا شهدت حوادث التاريخ. فحينما مدَّ إليه عبد الرحمن ليبايعه- على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين- رفض الاستجابة إلَّا لكتاب الله وسنّة رسوله، ولم يبالِ أن الخلافة- بكل ما فيها من عظمة وجلال- تُزْوَى عنه.

بل إن نظراته إلى الحكم كانت أبدًا من خلال ما يمكن أن ينفع دينه. فهو الذي قال مرة لابن عباس، وقد استعجله لاستقبال الوفود وكان مشغولًا بإصلاح نعله، قال له: يا بن عباس، ما قيمة هذه النعل عندكم؟ قال: درهمًا أو بعض درهمٍ.

قال:

«وَاللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا، أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا» 12.
أَوَلم يرفض إبقاء معاوية على إمارة الشام مدةً من الزمن يستقر فيها الأمر له ثم يعزله كما أشار عليه البعض، لأنه كان يرفض الغدر؟

وقد قال مرة: «وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ، وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاس» 13.

ويروي التاريخ أن كل الملتحقين بمعاوية ممن كان مع الإمام علي عليه السلام هربوا من عدالته، واستراحوا إلى محاباة معاوية ومداراته. وكذلك فقل: والذين أَثْرَوْا على عهد الخليفة الثالث ومثلهم ثراءً فاحشًا على حساب المحرومين، وخشوا من محاسبة الإمام علي لهم. الذين كانت بأيديهم ثروات المسلمين، من بيت المال، وأرادوا الاستئثار بها. وكذلك الذين كانوا يتصورون المجتمع الإسلامي كالجاهلية يأكل القويُّ العزيزُ فيه الضعيفَ الذليلَ، ولم يُعجبهم شعار الإمام عليه السلام:

«الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْهُ» 14. وكذلك هرب من عدله الذين كانوا يرتكبون جرائم يستحقون عليها الحد، والذين كانوا يبحثون عن جو التسامح في دين الله، يسمح لهم ارتكاب بعض الجرائم كإقامة الحفلات الماجنة ومعاقرة الخمور.

كل أولئك كانوا يتسللون إلى معاوية ويُشفق عليهم الإمام عليه السلام، لأنهم يهربون من النور إلى الظلام، ومن العدالة الشاملة إلى مجتمع الظلم الزائل.

ولكنه لم يغير سياسته من أجل استمالتهم. والتاريخ يحفل بمئات الحوادث التي تروي لنا قصة ذلك الركن الشديد، الذي تتراجع عنه عواصف الضغط الاجتماعية، قصة ذلك الصلد الأصم الذي تتكسر عنده كل أمواج الإغراء والإرهاب .. فليجتمعوا حول معاوية، ثم يزيد ثم من يأتي من سلاطين بني أمية، وليرفعوا عقيرتهم ألف شهر، بسبِّ عليٍّ وذريته عليهم السلام، وليتفاخروا بقتل أولاده وشيعته .. وليفعلوا ما شاؤوا أن يفعلوا .. فالحق أغلى .. والله أكبر، وأمير المؤمنين عليه السلام يصبر محتسبًا ثواب ربِّه عزَّ وجلَّ.

ولقد قال مرة:

«كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْأُمَرَاءَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ فَإِذَا النَّاسُ يَظْلِمُونَ الْأُمَرَاء» 15. أجل، إن انعدام الوعي عند الناس وكثرة القوى المصلحية كانت وراء ظلمهم لأمير المؤمنين عليه السلام. فقد كان يريد إقامة مجتمع القانون، والناس يرغبون في الفوضى والمحاباة، وأن ينفَّذ القانونُ أبدًا على غيرهم. أما هم فالأفضل أن تمشي لهم الوساطات.

لقد أخذ الإمام علي عليه السلام رجلًا من بني أسد في حدٍّ، فاجتمع قومه ليكلِّموا فيه، وطلبوا إلى الحسن عليه السلام أن يصحبهم، فقال:

«ائْتُوهُ فَهُوَ أَعْلَى بِكُمْ عَيْنًا.

فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَسَأَلُوهُ فَقَالَ:

«لَا تَسْأَلُونِّي شَيْئًا أَمْلِكُهُ إِلَّا أَعْطَيْتُكُمْ» ، فَخَرَجُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ قَدْ أَنْجَحُوا، فَسَأَلَهُمُ الْحَسَنُ عليه السلام فَقَالُوا: أَتَيْنَا خَيْرَ مَأْتِيٍّ وَحَكَوْا لَهُ قَوْلَهُ.

فَقَالَ:

مَا كُنْتُمْ فَاعِلِينَ إِذَا جُلِدَ صَاحِبُكُمْ.

فَأَصْغَوْهُ فَأَخْرَجَهُ عَلِيٌّ عليه السلام فَحَدَّهُ، ثُمَّ قَال: هَذَا وَاللهِ لَسْتُ أَمْلِكُه» 16 وقد بيَّن فلسفة ذلك في قصة أخرى حيث بلغ معاوية أن شاعرًا من أصحاب الإمام عليه السلام كان اسمه النجاشي قد هجاه، ولعل معاوية كان يعرف أنه يشرب الخمر، فدسَّ قومًا شهدوا عليه عند الإمام أنه شرب الخمر، فأخذه وحدّه.

فغضب جماعة على الإمام عليه السلام في ذلك- وكان بينهم طارقبن عبد الله الفهدي- فقال: «يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَا كُنَّا نَرَى أَنَّ أَهْلَ المَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ وَأَهْلَ الْفُرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ عِنْدَ وُلَاةِ الْعَقْلِ وَمَعَادِنِ الْفَضْلِ سِيَّانِ فِي الْجَزَاءِ! حَتَّى مَا كَانَ مِنْ صَنِيعِكَ بِأَخِي الْحَارِثِ- يَعْنِي النَّجَاشِيَّ-، فَأَوْغَرْتَ صُدُورَنَا وَشَتَّتْتَ أُمُورَنَا وَحَمَّلْتَنَا عَلَى الْجَادَّةِ الَّتِي كُنَّا نَرَى أَنَّ سَبِيلَ مَنْ رَكِبَهَا النَّار (أي اتِّباع معاوية).

فقال علي عليه السلام: ﴿ ... وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ 17 .

يَا أَخَا بَنِي نَهْد! هلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ انْتَهَكَ حُرْمَةً مِنْ حرمة [حُرَمِ] اللهِ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّهَا زَكَاةً لَهُ وَتَطْهِيرًا؟

يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ! إِنَّهُ مَنْ أَتَى حَدًّا فَأُلِيمَ 18 كَانَ كَفَّارَتَهُ.

يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ! إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: ﴿ ... وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ... 19 10.

لقد كانت نظرة الإمام عليه السلام إلى العدل والمساواة مستوحاة من لبِّ الوحي وروح الرسالة، وقد انعكست على مواقفه، وفي تأديبه لِوُلاته، فهنا يوصي عامله على مصر مالك الأشتر فيقول له: «أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّتِكَ وَمِنْ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ للهِ حَرْبًا حَتَّى يَنْزِعَ وَيَتُوبَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةٍ وَتَعْجِيلِ نَقِمَةٍ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ المَظْلُومِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِمِرْصَاد». ثم يحذره من محاباة الخاصة (وهم الأشراف وأولو الوجاهات والوساطات)

فيقول: «وَلْيَكُنْ أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطَهَا فِي الحَقِّ، وَأَعَمَّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعَهَا لِلرَّعِيَّةِ؛ فَإِنَّ سَخَطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَا الخَاصَّةِ، وَإِنَّ سَخَطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّةِ» 20 . مكرمات الإمام عليه السلام على لسان النبيِّ صلى الله عليه واله:

عشرات المجلدات لا تكفي وصف حياة الإمام عليه السلام الذي تجلَّى الوحي في حياته، وكان آية صدقٍ لرسالات الله، وشاهد حقٍّ لنبوَّة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه واله.

وإذا كان هذا الكتاب لا يسع من فيض مكرماته سوى قطرات، فإن تلك القطرات تكفينا، لأنها بالنسبة إلينا رافد عظيم.

ولعل البعض تصيبه الدهشة إذا سمع فضائل الإمام عليه السلام على لسان النبي صلى الله عليه واله لأنه لم يستوعب حكمة الخلق، ولا يفكر في إطار البصائر القرآنية.

أما إذا نظر إلى السماوات والأرض وما فيها بصفتها مخلوقات لله، وعلم أن الله سخَّرها للإنسان، وفضَّل البشر على كثير مما خلق تفضيلًا، وأنه إنما أكرم أبناء آدم لعبادتهم له، وأن أكرمهم عنده أتقاهم، استوعب آنئذٍ ما يُذكر من كرامات أولياء الله.

أما إذا نظر إلى الانسان نظرة مادية، فإنه لايمكنه أن يصدق بشيء، حتى بالوحي الذي يعتبر عنوان كرامة الله للانسان، ورمز تفضيله على سائر خلقه، ومفتاح تسخير الأشياء له.

وها نحن نستعرض معًا بعض مكرمات الإمام عليه السلام على لسان النبيِّ صلى الله عليه واله، ونتذكر أن الصعاب التي مرَّ بها في حياته كانت معراجًا إلى ربه سبحانه، ووسيلةً وزلفى إلى رضوانه 21.

  • 1. بحار الأنوار، ج 3، ص 283.
  • 2. ديوان صفي الدّين الحلي، ص 88، قصيدة بعنوان (سر النبي صلى الله عليه واله).والصدق والأمانة، تجمعها معرفة الله، وتنساب منها سائر فضائل الخير.
  • 3. نهج البلاغة، من خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين.
  • 4. نهج البلاغة، حكم أمير المؤمنين عليه السلام، رقم 77.
  • 5. بحار الأنوار، ج 41، ص 13.
  • 6. الغلالة: ثوب رقيق يلبس تحت الثوب أو تحت الدرع.
  • 7. القران الكريم: سورة العنكبوت (29)، من بداية السورة إلى الآية 2، الصفحة: 396.
  • 8. بحار الأنوار، ج 41، ص 7.
  • 9. نهج البلاغة، الخطبة 122.
  • 10. a. b. c. بحار الأنوار، ج 41، ص 10.
  • 11. بحار الأنوار، ج 43، ص 158.
  • 12. نهج البلاغة، من خطبة له عليه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة (33)
  • 13. نهج البلاغة، الخطبة 200. 
  • 14. نهج البلاغة الخطبة 37.
  • 15. بحار الأنوار، ج 41، ص 5.
  • 16. بحار الأنوار، ج 41، ص 8.
  • 17. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 45، الصفحة: 7.
  • 18. أي ارتكب ما يوجب عليه الحد فلامه الناس أو آلمه إقامة الحد عليه.
  • 19. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 8، الصفحة: 108.
  • 20. نهج البلاغة، من كتاب له عليه السلام كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر.
  • 21. المصدر: كتاب الإمام علي( عليه السلام ) قدوة وأسوة ، لآية الله السيد محمد تقي المدرسي دامت بركاته.