|
مالك الأشتر
الربذة
منطقة صحراوية
بين مكّة و المدينة ، هي منطقة جرداء لا يسكنها أحد . و لكن في عام 30
هجرية ، كانت هناك خيمة وحيدة . في داخل الخيمة شيخٌ كبير و امرأة عجوز هي
زوجته و ابنتهما .
لماذا جاء
الشيخ إلى هذه المنطقة البعيدة في وسط الصحراء ؟
انّه لم يأت
بإرادته ، لقد نفاه الخليفة ليموت في تلك الصحراء .
كان الشيخ
مريضاً ، و كانت زوجته تبكي فقال لها :
ـ لماذا
البكاء يا اُم ذر ؟
قالت العجوز :
ـ كيف لا أبكي
و أنت تموت في هذه الصحراء .
قال الشيخ :
ـ كنت مع بعض
أصحابي جالسين مع رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
فقال لنا : سيموت أحدكم في الصحراء و سيحضر موته جماعة من المؤمنين . لقد
توفي كلّ أصحابي عند أهلهم و لم يبق سواي ، سوف يأتي مَن يساعدك .
قالت العجوز :
ـ لقد مضى
موسم الحجّ و هذه الصحراء لا يمرّ بها أحد .
قال الشيخ :
ـ لا عليك
اصعدي التلّ و انظري إلى طريق القوافل .
صعدت المرأة
التلّ و راحت تنظر إلى طريق القوافل .
مرّ وقت طويل
، فشاهدت من بعيد قافلة قادمة .
لوّحت المرأة
بقطعة قماش للقافلة ، و تعجّب المسافرون و تساءلوا مَن تكون هذه المرأة
الوحيدة في الصحراء ؟!
فجاءوا اليها
. سألوها عن شأنها فقالت :
ـ ان زوجي
يموت و ليس قربه أحد .
و مَن هو زوجك
؟
فقالت المرأة
و هي تبكي :
ـ أبو ذرّ
صاحب رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
.
و تعجّب أهل
القافلة فقالوا :
ـ أبو ذر صاحب
النبي ؟! هيا بنا إليه .
و ذهب الرجال
إلى الخيمة ، و عندما دخلوها وجدوا أبا ذر في فراشه . و قال الرجل :
السلام عليك
يا صاحب رسول الله .
فقال أبو ذر
بصوت ضعيف :
ـ و عليكم
السلام مَن أنت ؟
قال الرجل :
ـ مالك بن
الحارث الأشتر و معي رجال من أهل العراق ، نريد الذهاب إلى المدينة لنشتكي
إلى الخليفة ما يحلّ بنا من الظلم .
ابتسم أبو ذر
و قال :
ـ ابشروا يا
إخواني لقد أخبرني رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
بأنني سأموت في الصحراء ، و سيحضر وفاتي رجال مؤمنون .
فرح مالك و من
معه بهذه البشرى النبويّة و جلسوا في خيمة أبي ذر ، و كان مالك الأشتر
حزيناً من أجل الصحابي الجليل أبي ذر و ما حلَّ به على أيدي بني اُميّة .
الأشتر
ينتمي مالك بن
الحارث النخعي إلى قبيلة يمنية عريقة ، أسلم في عهد النبيّ
( صلى الله عليه وآله )
و كان من المخلصين في ايمانه و إسلامه .
اشترك في
معركة اليرموك و قاتل ببسالة فريدة ، و كانت له مواقف شجاعة في صدّ هجمات
الروم على الجيش الإسلامي فشترت عينه بالسيف أي انشق جفنها السفلي و لذلك
عُرِفَ بالأشتر .
في عام ثلاثين
للهجره كان المسلمون في مدينة الكوفة و غيرها من المدن الإسلامية غاضبين من
تصرّفات الولاة .
فمثلاً كان "
الوليد بن عقبة " و هو أخو الخليفة عثمان حاكماً على الكوفة و كانت تصرفاته
منافية للإسلام و الدين ، فهو يشرب الخمر ، و يقضي وقته في مجالس الغناء و
اللهو .
ذات يوم جاء
الوليد إلى المسجد سكران و صلّى بالمسلمين صلاة الصبح أربع ركعات ، ثم
التفت إلى المصلّين و قال مستهزئاً :
ـ أتريدون أن
أزيدكم ؟
كان الناس غير
راضين عن سيرته و كانوا ينتقدونه في الأسواق و البيوت و المساجد .

كانوا
يتساءلون قائلين :
ـ ألم يجد
الخليفة شخصاً غير هذا الفاسق لكي يجعله والياً ؟!
ـ انّه يعتدي
على حرمات الدين و المسلمين .
لهذا فكّروا
بطريقة للحلّ ، فوجدوا ان أفضل طريق هو أن يستشيروا أهل التقوى و الصلاح ،
فذهبوا إلى مالك الأشتر فهو شخص تقيّ و شجاع و لا يخاف أحداً غير الله .
قال مالك الأشتر :
ـ الأفضل أن
ننصحه أوّلاً فاذا لم يرتدع نشكوه إلى الخليفة .
ذهب مالك و
معه بعض الناس الصالحين إلى قصر الوالي .
عندما دخلوا ،
وجدوه يشرب الخمر كعادته ، فنصحوه أن يكفّ عن تصرفاته المشينة و لكنّه
انتهرهم و طردهم .
عندها قرّروا
السفر إلى المدينة المنوّرة و مقابلة الخليفة لإطلاعه على الأمر .
قابل الوفد
الخليفة و لكنّه ـ مع الأسف ـ انتهرهم و طردهم و رفض شهادتهم ، فخرجوا
يائسين .
فكّروا في
الذهاب إلى ابن عمّ سيّدنا محمّد ((
صلى الله عليه وآله )
علي بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
فهو الأمل الوحيد في الإصلاح .
الوفود
و في تلك
الفترة جاءت وفود من المدن الإسلامية الاُخرى كلّها تشكوا من ظلم الولاة و
سوء سيرتهم .
و ذهب الصحابة
إلى منزل الإمام علي بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
و اشتكوا عنده ما يلاقيه المسلمون من الظلم و الفساد .
كان الإمام
علي يشعر بالحزن لذلك ، فذهب إلى قصر الخليفة و دخل على عثمان و نصحه
قائلاً :
ـ يا عثمان ان
المسلمين يشتكون من الظلم . و لست أدلّك على أمر لا تعرفه ، و اني سمعت
رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
يقول : " يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر ،
فيلقى في جهنّم فيدور كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنّم " . و انّي
اُحذّرك الله ، فانّ عذابه شديد .
فكّر عثمان
قليلاً و أطرق حزيناً و اعترف بأخطائه و وعده بأن يتوب إلى الله و يعتذر من
المسلمين .
خرج الإمام
علي يبشّر المسلمين بذلك و عمّت الفرحة الجميع .
و لكن مروان و
كان رجلاً منافقاً دخل على الخليفة و تحدّث اليه فغيّر رأيه و قال له :
ـ الأفضل أن
تخرج إلى الناس و تهدّدهم حتى لا يتجرأوا على مقام الخلافة .
الثورة
تراجع عثمان
عن وعوده بإصلاح سيرته و تغيير الولاة و اتبع سياسة قاسية تجاه الناس .
أشار معاوية و
هو حاكم الشام آنذاك بنفي بعض الصحابة .
كان الخليفة
قد نفى الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري فمات وحيداً في صحراء " الربذة " و
قام بضرب الصحابي عمّار بن ياسر و هو ابن أول شهيدين في الإسلام .
كما جلد
الصحابي عبد الله بن مسعود لهذا تذمّر الناس من سياسة عثمان و ولاته .
و بعث صحابة
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه وآله )
برسائل إلى كافّة المدن الإسلامية و مضمونها :
ـ أيُّها
المسلمون ، تعالوا الينا ، و تداركوا خلافة رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
فان كتاب الله قد بدّل و سنّة رسوله قد غيّرت . فأقبلوا الينا ان كنتم
تؤمنون بالله و اليوم الآخر . فأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم
عليه نبيّكم .
و تدفّق
المسلمون الثائرون من كلّ أنحاء الدولة الإسلامية إلى المدينة المنوّرة .
كان مالك
الأشتر يمثّل الثائرين فدخل على عثمان لإجراء المفاوضات من أجل إصلاح
الاُمور .
و كانت مطالب
الثّوار هي أن يعتزل عثمان الخلافة .
لم يستجب
الخليفة لذلك .
حاول الإمام
علي
( عليه السَّلام )
التدخّل مرّة اُخرى و إصلاح الاُمور و لكن بلا فائدة .
كان المسلمون
غاضبين من سيرة عثمان و ولاته و ظلمهم و كان عثمان يعاند مصرّاًًًًً على
سياسته .
حاصر الثوّار
قصر عثمان ، فطلب الإمام
( عليه السَّلام )
من ولديه الحسن و الحسين أن يقفا للحراسة .
غير ان
الثوّار تسوّروا جدران القصر ، و اقتحموا غرفة الخليفة و قتلوه ، و فرّ
مروان و غيره من المنافقين .
كان طلحة و
الزبير يطمعان في الخلافة فساعدا الثوّار و لكن الناس كانوا لا يفكرون إلاّ
بشخص واحد ليكون خليفة عليهم و هو الإمام علي
( عليه السَّلام )
.
تدفقت
الجماهير إلى منزل الإمام و طلبوا منه أن يكون خليفة ، و لكن الإمام رفض
ذلك .
أصرّ مالك
الأشتر و غيره من الصحابة على ذلك ، و ألقى مالك خطاباً حماسياً في
الجماهير قائلاً :
ـ أيُّها
الناس
هذا وصي
الأوصياء .
و وارث علم
الأنبياء .
الذي شهد له
كتاب الله بالايمان .
و رسوله بجنّة
الرضوان .
من كملت فيه
الفضائل .
و لم يشكّ في
سابقته و علمه الأواخر و الأوائل .
و هكذا كان
مالك أول من بايع علي بن أبي طالب و تبعته جماهير المسلمين .
و عندما أصبح
الإمام علي خليفة ، بدأ عهد جديد فقد أصدر أمراً بإقالة جميع الولاة
الظالمين و عيّن مكانهم أشخاصاً معروفين بالتقوى و الصلاح .
معركة
الجمل
كان البعض
يطمع بالخلافة و الحكم ، من هؤلاء " طلحة " و " الزبير " فذهبا إلى مكّة و
حرّضا اُم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر .
استغل مروان
ذلك فراح ينفق من أموال المسلمين التي سرقها ، و ألّف جيشاً كبيراً ، و
رفعوا شعار الثأر لدم عثمان .
توجّه الجيش
إلى مدينة البصرة ، و هناك طردوا الوالي بعد أن نتفوا لحيته و استولوا على
بيت المال .
و كان على
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يواجه هذا التمرّد بحزم ، فزحف بجيشه إلى
البصرة .
أرسل الإمام
ابنه الحسن
( عليه السَّلام )
و الصحابي الجليل عمّار بن ياسر إلى " الكوفة " و دعوة أهلها للجهاد .
كان والي
الكوفة آنذاك " أبو موسى الأشعري " فراح يدعو الناس للتقاعس عن الجهاد و
عصيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
( عليه السَّلام )
.
مرّت الأيام و
لم يعُد الحسن و عمّار بن ياسر فبعث الإمام مالكاً الأشتر في أثرهما .
كان مالك
الأشتر رجلاً شجاعاً معروفاً بالحزم ، و هو يدرك ان المسلمين في الكوفة
يؤيدون الإمام ضد أعدائه ، و ان العقبة الوحيدة هي " ابو موسى الأشعري " .
وصل مالك
الأشتر الكوفة و راح يدعو الناس في أن يتبعوه ، و اجتمع حوله جمهور غفير ،
فاقتحم بهم قصر الامارة و طرد الحرّاس منه .
كان أبو موسى
الأشعري وقتها في المسجد يدعو الناس إلى لزوم بيوتهم و عدم الاستجابة
لأوامر أمير المؤمنين . فجاء الحرّاس و أخبروه بسقوط القصر في قبضة مالك
الأشتر .
طلب " أبو
موسى الأشعري " مهلة يوم واحد لمغادرة الكوفة ، فأُجيب طلبه .
و في نفس
اليوم أسرع مالك الأشتر إلى المسجد و خطب في الجماهير يحرّضهم لنصرة الإمام
علي .

فاجتمع منهم
جيش بلغ تعداده ثمانية عشر ألفاً من المقاتلين ، تسعة آلاف في قيادة الحسن
فسلك بهم الطريق البرّي ، فيما سلك الباقون الطريق النهري لكي يلتحق الجميع
بجيش الإمام علي في منطقة " ذي قار " في جنوب العراق .
اتّجه الجيش
بقيادة الإمام إلى مدينة البصرة فالتقى بجيش عائشة و طلحة و الزبير و مروان
بن الحكم .
كان مالك
الأشتر قائداً للجناح الأيمن و كان عمّار بن ياسر قائداً للجناح الأيسر ،
فيما وقف الإمام في قلب الجيش حيث حمل الراية ابنه محمد بن الحنفية .
بدأ جيش عائشة
بالعدوان فأمطر جيش الإمام بوابل من السهام ، فسقط عددٌ من القتلى و الجرحى
.
أراد جيش
الإمام المقابلة بالمثل فمنعهم الإمام و قال :
ـ من يأخذ هذا
المصحف و يذهب إليهم فيدعوهم للاحتكام عليه ؟
انّهم يقتلونه
لا محالة .
و هنا انبرى
شابّ و قال :
ـ أنا آخذه يا
أمير المؤمنين .
تقدّم مسلم
نحو جيش الجمل رافعاً المصحف .
صاحت عائشة :
ـ ارشقوه
بالسهام . فأمطره الرماة بوابل من السهام فسقط فوق الأرض شهيداً .
و في تلك
اللحظات رفع أمير المؤمنين يديه إلى السماء داعياً الله سبحانه أن ينصر
الحق و أهله و قال :
ـ اللّهم إليك
شخصت الأبصار .
و بسطت الأيدي
.
ربنا افتح
بيننا و بين قومنا بالحق .
و أنت خير
الفاتحين .
ثم أصدر
الإمام أمره بالهجوم الشامل ، و تقدّم الأشتر يقاتل ببسالة ، و حدثت
اشتباكات عنيفة حول الجمل .
أدرك الإمام
ان عقر الجمل سوف يضع حدّاً لنزيف الدم ، و اقتتال الاخوة .
قاد مالك
الأشتر هجوماً عنيفاً باتجاه الجمل .
كان مالك
الأشتر يقتل بشجاعة و فروسية ، أي انّه لا يقتل الجرحى و لا يطارد الذين
يفرّون من المعركة .
كان مالك
يقتدي في أخلاقه بالإمام علي
( عليه السَّلام )
، فهو يحبّ وصي رسول الله ، و كذلك كان الإمام يحبّ مالكاً لأنّه من أهل
التقوى ، و الله يحبّ المتقين .
الانتصار
و بعد معارك
ضارية تمكّن جيش الإمام من عقر الجمل فانهارت معنويات الجيش المقابل و فرّ
المقاتلون من ساحة المعركة .
أصدر الإمام
أمراً أوقف فيه العمليات الحربية ، و أمر بمعاملة عائشة بكلّ احترام و
إعادتها إلى المدينة معزّزة مكرّمة .
أطلق الإمام
الأسرى و أمر بمعالجة الجرحى و عفا عن الجميع .
و دخل مالك
الأشتر و عمّار بن ياسر على عائشة فقالت :
ـ لقد كدت يا
مالك أن تقتل ابن اختي .
أجاب مالك :
ـ نعم و لولا
انّي كبير و كنت صائماً ثلاثة أيام لأرحت منه اُمّة محمّد
( صلى الله عليه وآله )
.
في الكوفة
و بعد أن أقام
الإمام في البصرة أيّاماً عاد بجيشه قاصداً مدينة الكوفة .
كان مالك
الأشتر في المعارك كالأسد يُقاتل بشجاعة لا نظير لها ، و لهذا كان الأعداء
يخافون منه .
و لكنّه في
الأيّام العادية كان يبدو كرجل فقير فهو يرتدي ثياباً بسيطة و يمشي بتواضع
حتى أن أكثر الناس لا يعرفونه .
ذات يوم و
عندما كان مالك يسير في الطريق ، كان أحد السفهاء يأكل تمراً و يرمي النوى
هنا و هناك .
و عندما مرّ
مالك أمامه ، رماه بنواة في ظهره و راح يضحك عليه .
فقال له رجل
رآه :
ـ ماذا تفعل
؟! هل تعرف مَن هذا الرجل ؟
أجاب :
ـ كلاّ ، مَن
هو ؟
ـ إنّه مالك
الأشتر .
كان مالك
الأشتر قد مضى في طريقه ، لأن المؤمن لا يهتم لما يفعله السفهاء من الناس ،
و تذكّر ما كان يفعله المشركون بسيّدنا محمّد
( صلى الله عليه وآله )
في مكّة عندما كانوا يلقون عليه التراب و القاذورات فلا يقول شيئاً .
دخل مالك
المسجد و راح يصلّي لله و يستغفر لذلك الشخص الذي رماه بالنواة .
جاء الرجل
مهرولاً و دخل المسجد و ألقى بنفسه على مالك يعتذر إليه و قال :
ـ اعتذر إليك
ممّا فعلت فاقبل عذري .
أجاب مالك
بابتسام :
ـ لا عليك يا
أخي ، و الله ما دخلت المسجد إلاّ لكي أُصلّي و استغفر لك .
معركة صفين
كان الإمام
يختار الصالحين من أهل التقوى و الإدارة و الحزم ولاةً على المدن ، لهذا
عيّن مالكاً الأشتر حاكماً على الموصل و سنجار و نصيبين و هيت و عانات ، و
هي مناطق واقعة على حدود الشام .
كان معاوية قد
أعلن العصيان للخلافة و انفرد بحكم الشام .
حاول الإمام
إقناع معاوية بالطاعة فبعث برسائل عديدة و أوفد إليه من يتحدّث معه ، و لكن
بلا فائدة .
لهذا جهّز
الإمام جيشاً و أسند قيادته إلى مالك الأشتر .
زحف الجيش
باتجاه الشام و وصل منطقة " قرقيسيا " فاصطدم بجيش الشام تحت قيادة " أبي
الأعور السلمي " .
حاول مالك
الأشتر إقناع " قائد الجيش " بإنهاء التمرّد و الدخول في طاعة أمير
المؤمنين الذي ارتضاه الناس خليفة لهم فرفض ذلك .
و في الليل ،
انتهز جيش الشام الفرصة و قام بهجوم دون سابق انذار ، و كان هذا العمل
مخالفاً للشريعة و الأخلاق لأنّه غدر .
قاوم جيش
الخلافة الهجوم المباغت و كبّد المهاجمين العديد من القتلى و أجبره على
الإنسحاب إلى مواقعه .
و مرّة اُخرى
تجلّت فروسية مالك الأشتر ، فارسل إلى " أبي الأعور " مبعثواً يدعوه
للمبارزة .
قال الرسول :
ـ يا أبا
الأعور إن مالك الأشتر يدعوك للمبارزة .
جبن قائد جيش
معاوية و قال :
ـ لا أُريد
مبارزته .
وصلت إمدادات
كبيرة بقيادة معاوية ملتحقة بجيش الشام .
و تقابل
الجيشان في سهل " صفين " على ضفاف نهر الفرات .
احتلّت قطعات
من جيش معاوية الشواطئ و فرضت حصاراً على النهر .
كان هذا العمل
أيضاً مخالفاً للشريعة الإسلامية و لتقاليد الحروب .
بعث الإمام
أحد صحابة النبيّ
( صلى الله عليه وآله )
و هو " صعصعة بن صوحان " للتفاوض :
دخل صعصعة
خيمة معاوية و قال :
ـ يا معاوية
إن عليّاً يقول : دعونا نأخذ حاجتنا من الماء حتى ننظر فيما بيننا و بينكم
، و إلاّ تقاتلنا حتى يكون الغالب هو الشارب .
سكت معاوية و
قال :
ـ سوف يأتيك
ردّي فيما بعد .
خرج مبعوث
الإمام ، و استشار معاوية رجال فقال الوليد بحقد :
ـ امنع الماء
منهم ، حتى يضطروا للاستسلام .
و حظي هذا
الرأي بتأييد كامل .
لقد جمع
معاوية حوله كلّ الأشرار الذين لا يعرفونه حرمة للدين و الإنسانية .
كان مالك
الأشتر يراقب ما يجري على الشواطئ فشاهد وصول تعزيزات عسكرية ، فأدرك أن
معاوية يفكِّر بتشديد الحصار .
شعر جنود
الإمام بالعطش ، و كان مالك عطشان أيضاً ، فقال له جندي :
ـ في قربتي
ماء قليل اشربه .
رفض مالك ذلك
و قال :
ـ كلاّ حتى
يشرب جميع الجنود .
ذهب مالك إلى
الإمام و قال :
ـ يا أمير
المؤمنين ان جنودنا يصرعهم العطش و لم يبق أمامنا سوى القتال .
أجاب الإمام :
أجل لقد أعذر
من أنذر .
و خطب الإمام
في الجنود و حثّهم على الاستبسال قائلاً :
ـ الموت في
حياتكم مقهورين .
و الحياة في
موتكم قاهرين .

أي أن الموت
هو أن يرضى الإنسان بالذلّ .
و انّ الحياة
في أن يموت المرء شهيداً .
و قاد مالك
الأشتر أوّل هجوم في حرب صفين و راح يقاتل ببسالة و يتقدّم باتجاه شواطئ
الفرات .
و بعد
اشتباكات عنيفة تمّ تحرير ضفاف النهر و إجبار جيش معاوية على الإنسحاب .
أصبح جيش
معاوية بعيداً عن المياه ، و لهذا فكّر في حيلة لاستعادة مواقعه على نهر
الفرات .
و في اليوم
التالي سقط سهم بين جنود الإمام و كان في السهم رسالة ، قرأها الجنود
باهتمام .
و انتقلت
الرسالة بين الجنود بسرعة و انتشر الخبر : " من أخ ناصح لكم في جيش الشام :
ان معاوية يريد أن يفتح عليكم النهر و يغرقكم ، فاحذروا " .
و صدّق الجنود
ما ورد في تلك الرسالة فانسحبوا و انتهز جيش الشام الفرصة فأعاد احتلاله
للشواطئ مرّة اُخرى .
غير أن جيش
الإمام شن هجوماً كاسحاً و حرّر المنطقة من قبضة الاحتلال .
شعر معاوية
بالقلق ، فسأل عمرو بن العاص :
ـ هل تظنّ ان
عليّاً سيمنع علينا الماء ؟
أجاب عمرو بن
العاص :
ـ إن عليّاً
لا يفعل مثلما تفعل أنت .
كان جنود
الشام يشعرون بالقلق أيضاً .
و لكن سرعان
ما وصلت الأخبار بأن الإمام عليّاً سمح لهم بورود النهر و ترك لهم مساحة من
الشواطئ كافية .
أدرك بعض أهل
الشام الفرق بين معاوية و علي ، فمعاوية يفعل كلّ شيء من أجل أن ينتصر ،
أمّا علي فلا يفكّر في ذلك ، إنّه يسير في ضوء المُثل و الأخلاق الإنسانية
.
لهذا تسلل بعض
الجنود ليلاً و انتقلوا إلى جبهة علي لأنّها تُمثّل الحقّ و الإنسانية .
معاوية
كان معاوية
يشعر بالقلق من وجود مالك الأشتر ، لأن شجاعته و بسالته في القتال ألهب
الحماس في جيش علي و بثت الذعر في جنود الشام .
فكّر معاوية
في القضاء عليه عن طريق المبارزة الفردية ، فعرض الأمر على مروان ، و لكن
مروان كان يخاف من مالك فاعتذر إلى معاوية و قال :
ـ لماذا لا
تكلّف " ابن العاص " بذلك فهو ساعدك الأيمن .
عرض معاوية
اقتراحه على عمرو بن العاص فاضطر لقبوله .
خرج ابن العاص
يطلب مبارزة الأشتر .
تقدّم مالك
نحوه و بيده رمحه ، و لم يترك له فرصة للدفاع فسدّد له ضربة عنيفة جرحت
قسماً من وجهه فلاذ عمرو بن العاص بالفرار .
استشهاد
عمّار
تصاعدت حدّة
الاشتباكات و كان عمّار يقود الجناح الأيسر من جيش الإمام ، و يقاتل ببسالة
رغم شيخوخته .
و عندما جنحت
الشمس للمغيب طلب عمّار رضي الله عنه شيئاً يفطر به لأنّه كان صائماً .
أحضر أحد
الجنود إناءً مليئاً باللبن و قدّمه إليه ، استبشر عمّار بذلك و قال :
ـ ربّما أُرزق
الشهادة هذه الليلة فقد قال لي رسول الله
( صلى الله عليه وآله )
: يا عمّار تقتلك الفئة الباغية ، و آخر شرابك من الدنيا ضياح ( إناء ) من
لبن .
أفطر الصحابي
الجليل و تقدّم إلى ساحات القتال بقلبٍ عامر بالإيمان و ظلّ يقاتل حتى هوى
على الأرض شهيداً .
جاء الإمام و
جلس قرب الشهيد و قال بحزن :
ـ رحم الله
عمّاراً يوم أسلم ، و رحم الله عمّاراً يوم استشهد ، و رحم الله عمّاراً
يوم يبعث حيّاً . هنيئاً لك يا عمّار .
كان لإستشهاد
عمّار بن ياسر في ساحة الحرب أثره في سير المعارك ، فقد ارتفعت معنويات جيش
الإمام فيما انخفضت لدى جنود معاوية ، لأن المسلمين جميعاً يحفظون حديث
سيّدنا محمّد
( صلى الله عليه وآله )
لعمّار بن ياسر : " يا عمّار تقتلك الفئة الباغية " أي المعتدية .
و أدرك الجميع
ان معاوية و جنوده هم المعتدون و انّ علياً و أصحابه على الحقّ .
لهذا تصاعدت
حدّة الحملات الهجومية في جبهة الإمام ، و راح معاوية و جيشه يستعدّون
للهزيمة .
حيلة جديدة
فكّر معاوية
بحيلة جديدة يخدع بها جيش الإمام ، فاستشار " عمرو بن العاص " .
قال عمرو بن
العاص :
ـ أرى أن
نخدعهم بالقرآن . نقول لهم : بيننا و بينكم كتاب الله .
فرح معاوية
لهذه الحيلة و أمر برفع المصاحف على الرماح .
عندما شاهد
جنود الإمام المصاحف ، فكّروا في إيقاف الحرب ، و بذلك انطلت الحيلة على
كثير من الجنود .
قال الإمام :
انّها مكيدة . أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله و أوّل من أجاب إليه . انّهم
عصوا الله فيما أمرهم و نقضوا عهده .
|