فاطمة الزهراء
( عليها
السلام )
تأليف
سيد مهدي آيت
اللّهي
ترجمة
كمال السيّد
مؤسسة
أنصاريان للطباعة والنشر
مقدمة :
كانت الأمم
والشعوب تنظر إلى المرأة كحيوان أو جزء من الثروة التي يملكها الرجل .
فالعرب في
الجاهلية كانوا ينظرون للمرأة كرمز للعار وكان بعضهم يدفنون بناتهم
أحياءً .
وعندما أشرق
نور الإسلام منح المرأة حقّها و حدّد حقوقها كأمّ و زوجة وفتاة ، وكلنا
سمع الحديثَ الشريف " الجنّة تحت أقدام الأمّهات " " رضا الله من رضا
الوالدين " و المرأة أحد الوالدين .
لقد حدّد
الإسلام إنسانية المرأة ، وشرّع نظاماً يحمي كرامة المرأة ويحافظ على
عفّتها . فالحجاب ليس سجناً للمرأة بل وسام و فخار .
إننا نشاهد
اللآلئ محفوظة بين الأصداف ، والفاكهة داخل قشور ؛ والفتاة المسلمة شرع
الله سبحانه لها ما يحميها و يصونها وهو الحجاب الذي لا يحافظ عليها فحسب
بل يزيدها وقاراً وجمالاً .
أما الغرب
فينظر إلى المرأة كمادّة للإعلان والتجارة والربح المادّي على حساب
الأخلاق وكرامة المرأة كإنسان .
وقد أدّت
هذه النظرة إلى سقوط المرأة و تجرّدها عن عاطفتها ومشاعرها الإنسانية
النبيلة .
وها نحن نرى
اليوم تفكّك الأسرة في المجتمعات الغربية .
فالمرأة في
دنيا الغرب تحوّلت إلى مجرّد دمية لا قيمة لها سواءً في السينما و
الإعلانات التجارية أو سباق ملكات الجمال .
تعالوا يا
أعزّاني لنتعرَّف على مثال المرأة في الإسلام مجسّداً في حياة فاطمة
الزهراء (عليها السلام ) .
فاطمة
الزهراء بنت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
فاطمة
الزهراء زوجة علي ( عليه السلام ) .
فاطمة
الزهراء أم الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) .
الميلاد
:
وُلدت فاطمة
الزهراء ( عليها السلام ) بعد بعثة والدها العظيم ( صلى الله عليه وآله )
بخمسة أعوام ، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين ، وقد بشّر جبريل
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم
الجمعة العشرين من شهر جمادى الآخرة في مدينة مكّة .
في بيت
الوحي :
نشأت فاطمة
الزهراء ( عليها السلام ) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات
الله وآيات القرآن المجيد .
سألتْ
عائشةُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) لفاطمة هذا الحبَّ العظيم .
فلقد كان
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل
رأسها ويدها .

فأجاب سيدنا
محمد ( صلى الله عليه وآله ) : " يا عائشة لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها
كما أحبّ . فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن سرّها فقد
سرّني " .
وقد سمع
المسلمون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " يقول إنّما سُمِّيتْ
فاطمةُ فاطمةَ لأن الله عزّ وجل فَطَمَ من أحبّها من النار " .
كانت فاطمة
الزهراء تشبه سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في خَلْقه وأخلاقه .
تقول أم
سلمة زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة أشبه الناس برسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) .
وكانت عائشة
تقول : إنّها أشبه الناس برسول الله بحديثها ومنطقها .وكانت فاطمة لا تحب
أحداً قدر حبّها لأبيها .
كانت ترعى
أباها وعمرها ست سنين ، عندما توفيت أمها خديجة الكبرى ، فكانت تسعى لملء
الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها .
وفي تلك
السنّ الصغيرة شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة .
كانت تضمّد
جراحه ، وتغسل عن ما يُلقيه سفهاء قريش .
وكانت
تحدّثه بما يُسلّي خاطره ويدخل الفرحة في قلبه ؛ ولهذا سمّاها سيدنا محمد
(صلى الله عليه وآله ) أمَّ أبيها ، لفرط حنانها وعطفها على أبيها ( صلى
الله عليه وآله ) .
زواج
فاطمة ( عليها السلام ) :
بلغت فاطمةُ
سنَّ الرشد ، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية ، فخطبها كثير من الصحابة
في طليعتهم أبو بكر وعمر ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يردّ
الخاطبين قائلاً : إنني أنتظر في أمرها الوحي .
وجاء جبريل
يخبره بأن الله فد زوّجها من علي .
وهكذا تقدم
علي ، والحياء يغمر وجهه ، إلى خطبة فاطمة ( عليها السلام ) .
فدخل رسول
لله ( صلى الله عليه وآله ) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها :
" يا فاطمة
إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه ، وإني قد سألتُ
ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه ، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما
ترين " ؟
سكتت فاطمة
وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء ، فهتف رسول الله : " الله أكبر ! سكوتها
رضاها " .
مراسم
العقد و الزواج :
جاء رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ بيد علي ( عليه السلام ) وقال :
" قم بسم
الله وقل على بركة الله ، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله ، توكلّت على
الله " ، ثمّ قاد علياً ( عليه السلام ) وأجلسه عند فاطمة ( عليها السلام
) وقال : " اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما
واجعل عليها منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم " .
ثم فبّلهما
مُهنّئاً وقال : " يا علي نِعم الزوجة زوجتك " ، وقال لفاطمة : " يا
فاطمة نِعم البعل بعلكِ " .
ووسط زغاريد
النسوة من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في
التاريخ ، لتكون نواة لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم
تطهيراً.
وقد تمّت
مراسم العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام ، فقد كان علي لا يملك من
دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه ، فأراد أن يبيع سيفه ، فمنعه رسول الله لأن
الإسلام في حاجة إلى سيف علي ، ولكنه وافق على بيع الدرع ، فباعه علي (
عليه السلام ) ودفع ثمنه إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
أمر رسول
الله أن يشتروا بثمنه طيباً وأثاثاً بسيطاً يسدّ حاجة الأسرة الجديدة .
كان المنزل
هو الآخر بسيطاً جداً يتألّف من حجرة واحدة إلى جانب مسجد النبي ( صلى
الله عليه وآله ) .

الله وحده
الذي يعلم مدى الحب الذي كان يربط بين القلبين الطاهرين ، قلب علي ( عليه
السلام ) وقلب فاطمة ، كان حبهما لله وفي سبيل الله .
كانت فاطمة
تقدّر في نفسها جهاد علي ودفاعه عن رسالة الإسلام . . . رسالة أبيها
العظيم .
كان زوجها
يقاتل في الخطوط الأولى يحمل راية الإسلام في كل المعارك والحروب التي
خاضها المسلمون ولا يكاد يفارق أباها رسول الله .
فكانت تسعى
إلى خدمة زوجها والتخفيف من معاناته و همومه ، وكانت نِعم الزوجة المطيعة
.
كانت تنهض
بأعباء المنزل فإذا جاء زوجها وجَد في ظلالها الراحة والطمأنينة والسلام
.
كانت فاطمة
شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، نمَتْ في نور الوحي وترعرعت في
فضاء القرآن .
الأسرة
المثال :
الحياة
الزوجيةُ اندماج لحياتين لتصبح حياةً مشتركة . . . حياة واحدة .
حياة الأسرة
تنهض على التعاون والمحبّة والاحترام .
كانت حياة
علي وفاطمة (عليهما السلام ) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة .
كان علي
يساعد فاطمة في أعمال المنزل وكانت فاطمة تسعى إلى إرضائه وإدخال الفرحة
في قلبه .
كان حديثهما
في منتهى الأدب والاحترام .
إذا نادى
علي فاطمة قال : يا بنت رسول الله ، وإذا خاطبتْه قالت : يا أمير
المؤمنين . وكانا مثال الأبوين العطوفين على أبنائهما .
الثمار :
في العام
الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة ( عليها السلام ) أول أولادها فسمّاه سيدنا
محمد ( صلى الله عليه وآله ) " الحسن " ، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول
الله ، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات
القرآن .

وبعد عام
وُلد الحسين ( عليه السلام ) .
أراد الله
أن تكون ذرّية رسوله محمد ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة ( عليها
السلام ) .
واحتضن
الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته ، وكان يقول عنهما : " هما ريحانتاي من
الدنيا " .
كان يحملهما
معه إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة .
دخل رسول
الله ذات يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة ، فأخذ
إناءً وملأه حليباً وسقاه بنفسه .

ومرّ ذات
يوم آخر أمام بيت فاطمة فسمع بكاء الحسين ، فقال متأثراً : " ألا تدرون
أن بكاءه يؤذيني " .
ومرّ عام
جاءت بعده " زينب " إلى الدنيا ، وبعدها " أم كلثوم " .
ولعلّ رسول
الله تذكّر ابنتيه زينب وأم كلثوم عندما سمّاهما بهذين الاسمين .
وهكذا أراد
الله أن تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام
) . . ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم .
منزل
فاطمة :
بالرغم من
حياتها القصيرة فقد كانت حافلة بالخير والبركات ، وكانت قدوة وأسوة
للنساء ، فكانت الفتاة المثال والزوجة المثال ، والمرأة المثال ، ولهذا
أصبحت سيدة نساء العالمين .
كانت مريم
بنت عمران سيدة النساء في عصرها ، وكانت آسية امرأة فرعون سيدة نساء
زمانها ، وكذلك كانت خديجة بنت خويلد .
أمّا فاطمة
الزهراء فقد توّجها الإسلام سيدةً للنساء على مرّ العصور .
كانت قدوة
في كل شيء . . يوم كانت فتاة تسهر على راحة أبيها وتشاركه آلامه ، ويوم
كانت زوجة ترعى زوجها وتوفّر له سكناً يطمئن إليه ويلوذ به عندما تعصف به
الأيام ، ويوم كانت أمَّا تربّي صغارها على حبّ الخير والفضيلة والخلق
الكريم ، فكان الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) أمثلة سامية في دنيا
الأخلاق والإنسانية.
رحيل
الأب :
عاد رسول
الله من حجة الوداع ولزم فراش المرض وغُشي عليه من شدّة الحمّى ، وهرعت
إليه الزهراء تحاول دفع الموت عنه وهي تذرف الدموع ، وكانت تتمنى أن تموت
هي بدلاً عنه .

فتح الرسول
( صلى الله عليه وآله ) عينيه وراح يتأمّل ابنته الوحيدة ، فطلب منها أن
تقرأ له شيئاً من القرآن ، فراحت الزهراء تتلو القرآن بصوتٍ خاشع وكان
الأب العظيم يصغي بخشوع إلى كلمات الله وهي تطوف في فضاء البيت .
أراد أن
يقضي آخر لحظات عمره المبارك وهو يصغي إلى صوت ابنته التي رعتْه صغيرة و
وقفتْ إلى جانبه كبيرة .
والتحق
الرسول بالرفيق الأعلى وعرجت روحه الطاهرة إلى السماء .
كان رحيل
الرسول صدمة كبيرة لابنته البتول ولم يتحمل قلبها تلك المصيبة ، فراحت
تبكي ليل نهار .
ثم وجهت لها
السياسة والأطماع ضربة أخرى بعد أن اغتصبوا منها " فدكاً " وتجاهلوا حق
زوجها في الخلافة .

حاولت
الزهراء الدفاع عن حقّها وكان لها في ذلك مواقف غاية في الشجاعة .
كان الإمام
يدرك أن استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة ،
فتضيع كل جهود الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أدراج الرياح ويعود الناس
إلى الجاهلية مرّة أخرى .
طلب الإمام
من زوجته العظيمة الاعتصام بالصمت والصبر ، حفاظاً على رسالة الإسلام .
وهكذا سكتت
الزهراء لكنها بقيت غاضبة وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه .
سكتت
الزهراء إلى أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً .
الرحيل
عن الدنيا :
كانت فاطمة
كشمعة تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا .
لم تستطع
البقاء بعد رحيل أبيها وتنكّر الزمان لها .
كانت
أحزانها تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف : أشهد أن محمداً رسول الله .
كانت تريد
اللقاء بأبيها وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر .
وهزل جسمها
ولم يعد يتحمل شوق روحها إلى الرحيل .
وهكذا ودّعت
الدنيا :
ودّعت الحسن
بسنواته السبع
والحسين
بأعوامه الستة
وزينب
بسنواتها الخمس
وأم كلثوم
وردة في ربيعها الثالث .
وكان أصعب
ما في الوداع أن تودّع زوجها وشريك أبيها في الجهاد وشريك حياتها .
أغمضت
الزهراء عينيها بعد أن أوصت زوجها بأطفالها الصغار ، كما أوصته أن تدفن
سرّاً .
وما يزال
قبر الزهراء مجهولاً ، فترتسم علامة استفهام كبرى في التاريخ .
ما تزال
الزهراء تستفهم التاريخ ، ما تزال تطلب حقها ؛ وما يزال المسلمون
يتساءلون عن بقاء القبر مجهولاً .
جلس الإمام
المفجوع عند قبرها ، وكان الظلام يغمر الدنيا فقال يؤبنّها :
" السلام
عليك يا رسول الله . . عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق
بك ، قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلّدي . . . وستنبئك
ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال وأستخبرها الحال . .
والسلام عليكما سلام مودِّع ".
الهوية :
الاسم :
فاطمة الزهراء .
اسم الأب :
محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
اسم الأم :
خديجة .
تاريخ
الولادة : يوم الجمعة 20 جمادى الآخرة العام الخامس من البعثة .
محل الولادة
: مكّة المكرمة .
تاريخ
الوفاة : 11 هـ .
محل الوفاة
: المدينة المنوّرة .
محل الدفن :
مجهول .
أسئلة :
1.
لماذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يحب فاطمة ( عليها السلام ) ؟
2.
لماذا كان النبي يردُّ الخاطبين للزهراء ( عليها السلام ) ؟
3.
لماذا أوصت الزهراء بدفنها سرّاً ؟