الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الربا دراسة فقهية قانونية تاريخية مقارنة

أهمية دراسة الربا

ترتبط أهمية البحث في موضوع الربا بما أثّره و يؤثّره من أفاعيل في الحياة الاقتصادية للناس ، ذلك أنه أهم عامل في نشوء الاقطاع غير المشروع ، و أقوى عامل في تكوين الرأسمالية غير المشروعة ، اللذين هما السبب المباشر في وجود الطبقية الاقتصادية الواسعة بين أبناء المجتمع حيث تتجمع الثروة المالية لدى فئة قليلة من الناس عن طريق تعاملهم بالربا على حساب حرمان الآخرين من حقوقهم الطبيعية في تلكم الثروة و إبعادهم عن التمتع بها .

و الجميع يعرف أن الرأسمالية الحديثة المتمثلة في الشركات المالية الكبرى و البنوك الربوية العالمية التي تدعم حكوماتها و تدعمها ، هي السبب المباشر لوجود الاستعمار الحديث ، الذي عانت منه الشعوب المعاصرة أقسى أنواع الحرمان ، و من ثم الاسترقاق المستور و الآخر المكشوف .
كما أننا نعرف أن الإسلام تشريعاً و تطبيعاً حارب الربا الذي كان سائداً و شائعاً عند مجيئه بين أبناء المجتمع الجاهلي و في العالم كله ، و خرج من مقاومته له منتصراً بأروع انتصار ، و أقام مقامه نظام البر و الإحسان .
و قد راع هذا الانتصار العظيم كبار المرابين آنذاك ، حيث هزموا أمامه اكبر هزيمة ، فراحوا أمام أفاعيل بريق الذهب الوهاج و لمعان اللجين الخاطف للأبصار يتحينون الفرص و المناسبات للعودة إلى ما كانوا عليه من الاقطاع و الرأسمالية غير المشروعين ، و واتتهم السانحة يوم ضعف الكيان السياسي للمسلمين ، و دخلت الجيوش الغربية الرأسمالية أوطانهم و سيطرت عليها ، و للقوي حكم قاهر و جائر في مقدرات الضعيف و مصائره ، فكان أن نقلوا إلينا أنظمتهم الاقتصادية ، خاصة أنظمة القروض المالية التي تقر جواز التعامل بالربا .
و للأسف الشديد أننا لا نزال مرتهنين لأنظمتهم المالية ، إر بصيص انطلاقة وئيدة الخطى لإنشاء البنوك الإسلامية من غير دعم من الحكومات في البلاد الإسلامية لها إلا ما رحم ربي ، غير أننا ببركة الصحوة الإسلامية و انتشار الوعي الإسلامي بين الشعوب المسلمة سوف نصل ـ بعون الله تعالى ـ إلى استرجاع حياتنا المالية الإسلامية العادلة ، نتعامل فيما بيننا ، و مع الآخرين ، على هدى نظام البر و الاحسان بعيدين كل البعد عن أكل أموال الناس بالباطل عن ربا أو غيره .
من هنا رأيت أن أتناول موضوع الربا في دراستي الفقهية هذه بشيء من التطعيم و التجديد بما يربط واقع البحث بواقع الحياة ، راجياً من الله تعالى التوفيق لذلك ، أنه ولي التوفيق و هو الغاية .

التسمية

كان هذا النوع من المعاملة يسمى قديماً في النصوص الدينية و الوثائق التاريخية و الوقائع المالية باسم ( الربا ) الذي يعني الزيادة على رأس المال بغير عوض مشروع ، أو يسمى بما يقابله في اللغات الأخرى أمثال :
Usure بالفرنسية . Usury بالانجليزية . Usura بالاسبانية . Wucher بالالمانية . و أفادته الفارسية من العربية فهو فيها ( ربا ) أيضاً .
و أمسى الآن يسمى في لغة القانون و الاقتصاد و المال : interest و يترجم عربياً باسم ( الفائدة ) و ( فائدة المال ) و ( فائدة رأس المال ) .
و اشتهر استعمال كلمة ( فائدة ) حتى أصبحت في لغتنا المالية المعاصرة تترادف مع كلمة ( ربا ) ، و حتى صارت المعاجم المزدوجة الحديثة تقابل كلمة ( ربا ) العربية بكلمة ( usury ) و كلمة ( interest ) الانكليزيتين ، كما في ( معجم المصطلحات الدينية ) للدكتور عبد الله أبو عشي المالكي و الدكتور عبد اللطيف الشيخ ابراهيم .

التعريف ( في اللغة العربية )

قال ابن فارس في ( معجم مقاييس اللغة ) : مادة ربي . ربأ : « الراء و الباء و الحرف المعتل و كذلك المهموز منه يدل على أصل واحد ، و هو الزيادة و النماء و العُلُو ، تقول من ذلك : ( ربا الشيءُ يربو ) اذا زاد ، و ( ربا الرابيةَ يربوها ) اذا علاها ، و ( ربا ) أصابه الربو .
و الربو : عُلُو النَفَس ، قال :
حتى علا رأس يفاعٍ 1 فربا رفّـه عن أنفـاسـها و ما ربـا أي : رباها و ما أصابه الربو .
و الربا في المال و المعاملة معروف . و تثنيته : رِبَوَان و رِبَيَان و أما المهموز فالمربأ و المربأة من الأرض و هو المكان العالي يقف عليه عين القوم » .
و في ( العين ) : « ربا الجرح و الأرض و المال و كل شيء ، يربو ربواً اذا زاد . و ربا المال يربو ـ في الربا ـ أي يزداد » .
و ذكر معنى الزيادة لكلمة ربا بالإضافة إلى معجم العين ـ فيما لدي من معجمات ـ كل من : ( المغرَّب ) و ( المفردات ) و ( التعريفات ) . و زاد على الزيادة : النماءَ كل من ( اللسان ) و ( القاموس ) و ( معجم ألفاظ القرآن الكريم ) . و زاد على الزيادة : الفضلَ كل من ( المصباح ) و ( المعجم الوسيط ) . و زاد في ( النهاية ) على الزيادة : الارتفاعَ .
و في ( معجم مقاييس اللغة ) ـ كما مررنا به ـ زاد على الزيادة : النماء و العُلُو . و في ( المحيط في اللغة ) زاد عليها : الكثرةَ و النماء .
و كما رأيتَ ، فكل المعاجم تلتقي عند معنى الزيادة ، فالربا اللغوي ـ في معناه الذي يلتقي مع موضوعنا الذي هو الربا الاصطلاحي ـ هو : الزيادة . و بهذا عرّفه الفقهاء لغوياً حتى قال السيد العاملي في ( مفتاح الكرامة ) : « قد طفحت عباراتهم بأن الربا ـ لغة بـ الزيادة » .
و خصصه الراغب الاصفهاني في ( المفردات ) بالزيادة على رأس المال ، قال : « و الربا : الزيادة على رأس المال لكن خص في الشرع بالزيادة على وجه دون وجه » .

في الفقه

قال ابن الأثير في ( النهاية ) : « و هو في الشرع : الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع » .
و في ( المعجم الوسيط ) : « و الربا في الشرع : فضل خالٍ عن عوض شُرط لأحد المتعاقدين » .
و في ( التعريفات ) : « و في الشرع : هو فضل خالٍ عن عوض شُرط لأحد العاقدين » .
و في ( معجم لغة الفقهاء ) : « الربا : كل زيادة مشروطة في العقد خالية عن عوض مشروع » .
و قال ابن البراج في ( المهذب ) : « و الربا محرم في شرع الإسلام ، و هو : الفاضل من الشيئين اذا كانا من جنس واحد من المكيلات أو الموزونات » .
و في ( فقه القرآن ) للراوندي : « و الربا : هو الزيادة على رأس المال في جنسه أو مماثله .
و ذلك كالزيادة على مقدار الدَّين للزيادة في الأجل ، أو كاعطاء درهم بدرهمين ، أو دينار بدينارين » .
و في ( اصباح الشيعة ) : « الربا : هو التفاضل بين شيئين من جنس واحد من المكيل و الموزون خاصة » .
و قال المحقق الحلي في ( الشرائع ) : « و هو يثبت :
ـ في البيع ، مع وصفين : الجنسية و الكيل و الوزن .
ـ و في القرض ، مع اشتراط النفع .
و ضابطه : كل شيئين يتناولهما لفظ خاص كالحنطة بمثلها ، و الارز بمثله ، فيجوز بيع المتجانس وزناً بوزن ، نقداً ، و لا يجوز مع زيادة ، و لا يجوز إسلاف أحدهما في الآخر على الأظهر » .
و في ( المسالك ) : « الربا ـ لغة ـ الزيادة ، قال الله تعالى : ﴿ ... فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ... 2 ، و شرعاً : بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل و الوزن ـ في عهد صاحب الشرع أو في العادة ـ بالآخر ، مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً أو اقتراض أحدهما مع الزيادة ، و ان لم يكونا مقدرين بهما اذا لم يكن باذل الزيادة حربياً ، ولم يكن المتعاقدان والداً مع ولده و لا زوجاً مع زوجته .
و على القول بثبوته في كل معاوضة يبدل ( البيع ) بـ ( المعاوضة ) على احد المتماثلين الخ .
و قد يعرّف بأنه : زيادة أحد العوضين المتماثلين الخ ، و نظراً إلى مناسبة المنقول عنه » .
و سيأتي بيان الاختلاف في اختصاص الربا بالبيع أو عمومه لكل معاوضة ، ما ألمح اليه تعريف المسالك . و يمكننا اختصار هذه التعريفات بالعبارة التالية : ( الربا هو مبادلة المثل بمثله مع الزيادة في أحدهما مما يمكن وقوع التفاضل فيه )

في الاقتصاد

و عرّف الربا في علم الاقتصاد الحديث بأحد قسميه الفقهيين الآتيين ـ فيما يأتي ـ و هو ربا القرض ، مما يدل على أن الربا اقتصادياً لا يتحقق الاّ في الديون .
ففي ( المعجم الوسيط ) : « و الربا في علم الاقتصاد : المبلغ يؤديه المقترض زيادة على ما اقترض تبعاً لشروط خاصة » .
و يعرّفه المحامي نبيه غطاس في ( معجم مصطلحات الاقتصاد و المال و ادارة الأعمال ) بالتالي : « ربا Usury : في الأصل تعني الكلمة أية فائدة تدفع عن المال المقترض بغرض الاستفادة منه .
و في الاستعمال الحديث تعني الكلمة أية فائدة تدفع عن المال المقترض بنسبة تزيد على النسبة التي يحددها الشرع أو القانون ، أي أنها تمثل الربح غير المشروع الذي يكسبه الدائن من المال الذي يقرضه للغير » .

في القانون

و قانونياً يعرّفه ( المعجم القانوني ) للفاروقي : « ربا ، مراباة ، أو مرابحة Usury : إقراض المال لقاء فائدة تتجاوز الفائدة القانونية مع توافر نية الربح الفاحش .
( قانون انجليزي قديم ) : فائدة على دين جزاء يناله صاحب النقود نظير استعمال الغير لها » .
و يعرّفه الدكتور جرجس في كتابه ( معجم المصطلحات الفقهية والقانونية ) تحت عنوان ( فائدة ) بقوله : « الفائدة : هي عبارة عن بدل إيجار رأس المال ، أي التعويض الذي يحصل عليه الدائن لقاء إقراض ماله لفترة زمنية معينة .
و تعطى الفائدة بنسبة مئوية تحسب على أساس المبلغ المدين » .
و الربا في القانون ـ هو الآخر ـ يختص بربا القرض ـ كما هو في الاقتصاد الحديث ـ مع اشتراط توفر الدائن على الربح الفاحش .

التاريخ

ارتبط نشوء نظام التعامل بالربا بنشوء تعامل الناس بالتجارة ، سواء كانت على نحو مقايضة سلعة بسلعة أم على نحو معاوضة نقد بنقد .
و بدأ هذا مع الحضارات الأولى أمثال حضارة وادي النيل ، و حضارات وادي الرافدين .
ففي عهود الفراعنة بمصر انتشر الربا و شاع التعامل به شيوعاً بلغ فيه سعر الفائدة 22% مما دفع الملك بوخوريس ـ من ملوك الأسرة الرابعة و العشرين ـ في القرن الثامن قبل الميلاد أن يضع قانوناً يحرم فيه الربا الفاحش .
و كانت الحكومات في دول العراق القديمة ـ ايضاً ـ تقوم بتحديد سعر الفائدة ، فقد حددته حكومة الكلدان بـ 20% ، و حددته الحكومة الأشورية فيما بين 12% و50% ، و حددته سلسلة أناتيشو السومرية بـ20% سنوياً اذا كان القرض بالدراهم .
كما أن الوثائق تشير إلى أن الربا كان معروفاً عند البابليين ، و تعاملوا به ، فقد نظمت شريعة حمورابي حوالي سنه 1950 قبل الميلاد القرض بفائدة ، فقد « ورد النص فيها على حالة شخص يدفع إلى آخر مبلغاً من النقود لاستثماره نظير عمولة » .
و عرف الربا ـ أيضاً ـ « عند الاغريق و عند الرومان حتى إن الدائن كان له من السلطة ما يخول له استرقاق مَدينَه أو حبسه اذا لم يقم بالوفاء .
و هذا ما دعا افلاطون إلى المناداة بتحريم الربا اطلاقاً إذ جاء في كتابه ( روح القوانين ) : ( لا يحل لشخص أن يقرض أخاً بربا ) ، و ما دعا ـ ايضاً ـ ارسطو أن يعلن باستنكار الفائدة الربوية بقوله ( ليس منطق أقوى من ذلك الذي يقرر أن أبغض الأشياء هو الربا الذي يستدر الربح من المال ذاته ) » .
« و لقد كان المحتاجون من اليونانيين حتى سنة 535 ق . م يستدينون و يضعون أنفسهم رهناً تحت رحمة الأغنياء الدائنين ، حيث كان نظام الرق سائداً ، فلما جاء سولون نقل كثيراً من قوانين المصريين و ألغى هذا النظام و أباح للدائن الاستيلاء على ارض المدين وثروته فقط دون التعرض لشخصه » 3 .
إن هذا الذي ذكر ما هو إلا إشارة إلى بدايات التعامل بنظام الربا و عند غير العرب .
و الذي يهمنا ـ هنا ـ بيان نظام الربا الذي كان يتعامل به عرب الجاهلية ، لماله من تدخل مباشر في فهم دلالات آيات الربا الواردة في القرآن الكريم ـ كما سيأتي .
يقول الدكتور جواد علي في كتابه ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) ـ 7 / 421 ـ 422ـ و هو في معرض حديثه عن وسائل استثمار الأموال عند أهل الجاهلية ـ : « و في جملة وسائل استثمار المال : الربا ، و قد كان شائعاً بين أهل الجاهلية ، كما كان شائعاً بين غير العرب » .
و قد كان يسمى ( لياطاً ) ، و جاء هذا في كتاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم لثقيف من عرب الجاهلية ينهاهم عن التعامل بالربا ، ففي ( لسان العرب ) : « و اللياط : الربا ، سمي لياطاً لأنه شيء لا يحل أُلصق بشيء ، و كل شيءُ أُلصق بشيء و أُضيف إليه فقد أُليط به ، و الربا ملصق برأس المال .
و منه : حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم : أنه كتب لثقيف حين أسلموا كتاباً ، فيه : و ما كان لهم من دَيْنٍ إلى أجله فبلغ أجله فانه لياط ، مبرأ من الله ، و أن ما كان له من دين في رهن وراء عكاظ فانه يقضي إلى رأسه و يلاط بعكاظ و لا يؤخر .
و اللياط في هذا الحديث : الربا الذي كانوا يُربونه في الجاهلية ، ردهم الله إلى أن يأخذوا رؤوس أموالهم ، و يَدَعُوا الفضل عليها » .
و في ( المفصل 7 / 422 ) : « و قد اشترط أهل المال في الاستفادة من المقترضين ، فتقاضوا منهم الربا الفاحش ، و ألحفوا في زيادته ، و تشددوا في المطالبة برأس المال و رباه ، ولم يمهلوا معسراً ، ولم يتساهلوا في الأداء إلى وقت الميسرة ، إلا إذا زادوا في الربا ، و أخذوا ربا المال و ربا الربا » .
و هو ما أشار إليه الزبيدي في ( التاج ) ـ و هو في معرض تعريف ( المعاومة ) من مادة ( عام ) ـ بقوله : « أو هو ( يعني المعاومة ) أن تزيد على الدين شيئاً و تؤخره ، و نص اللحياني : أن يحل دينك على رجل فتزيده في الأجل و يزيدك في الدين » .
و في ( كنز العرفان ) للسيوري 2 / 25 : « كان الرجل في الجاهلية اذا حل له مال على غيره وطالبه به يقول له الغريم : زد لي في الأجل حتى أزيدك في المال ، فيفعلان ذلك ويقولان سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير » .
و في ( المفصل 7 / 422 ) ـ ايضاً ـ : « و كان اليهود من أشهر المرابين في الحجاز ، كما اشتهرت بذلك مكة و الطائف و نجران و مواضع المال الأخرى من جزيرة العرب .
و كان من عادة هؤلاء أنهم كانوا يحتسبون الربا الذي يستحق في آخر السنة ، و لا يُدفع للمرابي جزء من رأس المال ، أي من المبلغ المقترض ، فيؤدي الربا للسنة التالية على أساس المبلغ المقترض مع رباه ، و إذا أجل دفع ربا هذا المبلغ الجديد المكوّن من المبلغ الأصل و رباه ، أضيف عليه فصار المبلغ المقترض و رباه ، ثم ربا المبلغين يعدّ جزءاً من القرض ، و يطلب من المدين دفع الربا على هذا الأساس » .
و في ( أعلام الموقعين ) لابن قيم الجوزية 2 / 154 : « الربا نوعان : جلي و خفي .
فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم ، و الخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي ، فتحريم الأول قصداً ، و تحريم الثاني وسيلة .
فأما الجلي فربا النسيئة ، و هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية ، مثل أن يؤخر دينه و يزيده في المال ، و كلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة .
و في الغالب لا يفعل ذلك الاّ مُعْدَم محتاج ، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته و يصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أَسْر المطالبة و الحبس ، و يدافع من وقت إلى وقت ، فيشتد ضرره و تعظم مصيبته ، و يعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده ، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ، و يزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل و يحصل أخوه على غاية الضرر » .
إلى تفاصيل أخرى و شواهد تاريخية ، يقف عليها القارئ الكريم في التفاسير و جوامع الحديث ، و أمثال كتاب ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) للدكتور جواد علي .

الحكم و دليله

لا خلاف بين المسلمين في أن حكم الربا هو الحرمة ، قال الشيخ النجفي في ( الجواهر 23 / 332 ) : « الفصل السابع في الربا المحرّم كتاباً و سنة و اجماعاً من المؤمنين بل المسلمين ، بل لا يبعد كونه من ضروريات الدين ، فيدخل مستحله في سلك الكافرين ، كما يومئ إليه ما رواه ابن بكير : ( قال : إنه بلغ أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا ويسميه اللبا ، فقال : لئن أمكنني الله منه لأضربن عنقه ) ، و نحوه و غيره » .
و سنكتفي هنا أن نكون مع ما جاء من ذلك في القرآن الكريم من الآيات النازلة في خصوص الربا ، و هي :
1 ـ ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 4 .
2 ـ ﴿ يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 5 .
3 ـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 6 .
4 ـ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ 7 .
5 ـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 8 .
6 ـ ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 9 .
7 ـ ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ 10 .
هذه هي الآيات التي انزلت بخصوص التعامل بنظام الربا .
و الذى يبدو منها أنها نزلت بعد إعلان النبي صلى الله عليه و آله و سلم حرمة الربا و انكاره على التعامل به ، و ذلك لأن لسانها لسان تنديد بواقع قائم و انكار عليه ، و كالتالي :
ـ من الآية الأولى نفهم أن هناك مكابرة تمثلت بدعوى المرابين الموجودين وقت نزول الآية الكريمة حيث قاسوا الربا على البيع من حيث اشتراكهما في الربح ، فكما يقصد بالبيع الربح يقصد ذلك بالربا أيضاً ، فلماذا يحل البيع و يحرم الربا ؟
و هي ـ من غير شك ـ مغالطة يبررون بها استمرارهم بتعاملهم بالربا بعد تحريمه .
يقول سيد قطب في تفسيره للآية الكريمة من كتابه ( في ظلال القرآن 3 / 327 ) : « و لقد اعترض المرابون فى عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على تحريم الربا ، اعترضوا بأنه ليس هنا مبرر لتحريم العمليات الربوية و تحليل العمليات التجارية ﴿ ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... 11 .
و كانت الشبهة التي ركنوا اليها هي أن البيع يحقق فائدة و ربحاً ، كما أن الربا يحقق فائدة و ربحاً .
و هي شبهة واهية ، فالعمليات التجارية قابلة للربح و الخسارة ، و المهارة الشخصية و الجهد الشخصي ، و الظروف الطبيعية الجارية في الحياة هي التي تتحكم في الربح و الخسارة .
أما العمليات الربوية فهي محددة الربح في كل حالة .
و هذا هو الفارق الرئيسي ، و هذا هو مناط التحريم و التحليل » .
و في ( كنز العرفان 2 / 37 ) : « هل المراد بقوله ﴿ ... إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ... 11 أنهم قاسوا الربا على البيع أم لا ؟ .
ـ قيل بالأول ، لأنهم قالوا : يجوز أن يشتري الإنسان شيئاً يساوي درهماً لا غير بدرهمين ، فيجوز أن يبيع درهماً بدرهمين ، فردّ الله عليهم بالنص على تحليل البيع و تحريم الربا إبطالاً لقياسهم ، فان القياس المخالف للنص باطل اتفاقاً .
قيل : فعلى هذا كان ينبغي أن يقال : ( انما الربا مثل البيع ) لأن الربا محل الخلاف .
اجيب : أنه جاء مبالغة في أنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً يقاس عليه .
ـ و قيل بالثاني لجواز أن يكون قوله ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) من تتمة كلامهم على وجه الرد ، أي أن الله فرّق بين المتساويين و ذلك غير جائز ، و سبب غلطهم الجهل بحكم الربا .
و وجه الجواب : المنع من المساواة فان تحريم الربا معلل بعلة غير حاصلة في البيع » .
و كما تري ، ان هؤلاء جعلوا العلة في تحريم الربا هو الربح ، و هو موجود في البيع ، و اتخذوا منه مناط القياس و المقارنة .
و قد انعكس اثر هذا القياس على كتابات بعض المعاصرين فذهبوا إلى أن الزيادة الأولى للأجل حلال في كل من القرض و البيع ، يقول الدكتور رفيق المصري في
كتابه ( الجامع فى اصول الربا ) ـ ص 46ـ 47 ط1 ـ : « و يزيد مرادهم ( يعني المرابين المشار اليهم ) وضوحاً بمقارنة نعقدها بين الربا و البيع المؤجل ، فاذا باع أحدهم سلعة ( ثمنها النقدي عشرة ) بخمسة عشر نسيئة ، فلماذا لا يجوز أن يعطي العشرة معجلة بخمسة عشر مؤجلة ؟
و بصورة أوضح : اذا باع سلعة بخمسة عشر إلى شهرين ، فلماذا لا يجوز اذا باعها بعشرة إلى شهر ، أن يزيد خمسة اذا أجلّ المدين شهراً آخر ؟ أفليست النتيجة واحدة ، و هي أن ثمن السلعة خمسة عشر إلى شهرين ؟
و يبدو أن هذه المحاكمة قد أثرت على الشيخ محمد رشيد رضا ، فذهب إلى أن الزيادة الأولى للأجل حلال في كل من القرض و البيع ، بخلاف الزيادة عند المحل ( = تاريخ الاستحقاق ) ، و لعله رأى أن الزيادة تمنع عند عجز المدين فقط .
و تبعه في ذلك الشيخ عبد الوهاب خلاف ، و كذلك الدكتور محمود أبو السعود ، فبالاستناد إلى جواز الزيادة للأجل في البيوع المؤجلة ، أجاز فائدة الودائع المصرفية الحالّة ، و حسم الأوراق التجارية ، و القرض العقاري » .
و سوف نتوقف عند هذا الرأي و أمثاله للايضاح و النقد عند دراستنا لفوائد البنوك ان شاء الله تعالى .
و قد حاول جمع من الفقهاء التماس غير ما ذكروه علةً للتحريم ، و لكنهم اختلفوا فيه اختلافاً بيناً .
و ذهب بعضهم إلى أن تحريم الربا وحلية البيع أمران تعبديان غير قابلين للتعليل ، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر .
و الحق أن الفارق بين معاملة البيع و معاملة الربا يتمثل بالتالي :

1 ـ حركة المال

ذلك أن حركة المال في معاملة البيع هي في صالح الجميع البائع و المشتري و المجتمع . و بعكسها في معاملة الربا فانها في صالح المرابي فقط .

2 ـ اصطناع المعروف

ففي القرض الحسن ، و كذلك في الصدقة اصطناع للمعروف ، و أخذ بنظام البر و الإحسان الذي هو الأساس في بقاء توزيع الثروة بين أبناء المجتمع توزيعاً عادلاً .
بينما في الربا قضاء على اصطناع المعروف ، و من ثُمَّ الانحراف بحركة المال لصالح المرابي على حساب حرمان المجتمع منه .
و به صرحت جملة من الأحاديث منها :
ـ ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام : « انما حرّم الله ـ عز و جل ـ الربا لئلا يذهب المعروف » .
ـ ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : « انما حرّم الله ـ عز و جل ـ الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف » .
ـ و عنه أيضاً : « إنما حرّم الله الربا لكيلا يمتنعوا من صنائع المعروف » .

3 ـ العدل و الجور في توزيع الثروة

و هذا ما لمسناه فيما يتركه الربا من أثر واضح في تكدس الثروات لدى المرابين مما ينتج عنه أبشع أنواع الطبقية الاقتصادية ، و رأينا هذا في الاقطاع ، و نلمسه الآن واضحاً في الرأسمالية ، و الدعوة إلى العولمة التي ستكدس الثروة داخل إطار مؤسسات اقتصادية كبرى من شركات و مصارف لا يمثل اصحابها اكثر من خمس سكان العالم في مقابل إفقار و فقر أربعة أخماس العالم .
و أيضاً نفهم من الآية الأولي : إعلان القرآن الكريم الاعفاء عما سلف و مضى من الأعمال الربوية على أن لا يعاد إليها .
ـ و في الآية الثانية يؤكد القرآن الكريم على نظام البر و الاحسان العامل العادل في توزيع الثروة توزيعاً متوازناً ، و يشجب ـ و بقوة ـ نظام الربا .
ـ و أما في الآية الثالثة فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام : « قال : إن الوليد بن المغيرة كان يربي في الجاهلية و قد بقي له بقايا على ثقيف و أراد خالد بن الوليد المطالبة بعد أن أسلم فنزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 6 .
و روي عن الامام الصادق عليه السلام : فان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قد وضع ما مضى من الربا و حرّم عليهم ما بقي .
ـ ثم عقب الآية الثالثة بلغة مشددة في الآية الرابعة تدعو إلى التوبة من فعل الربا ، و الاكتفاء بأن يأخذ المرابون رؤوس أموالهم لا يَظلمون و لا يُظلمون .
ـ و في تفسير الآية الخامسة يقول الزمخشري في ( الكشاف 1 / 463 ) : « نهي عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه ، كان الرجل منهم اذا بلغ الدين محله زاد في الأجل فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون » .
و في ( الجواهر في تفسير القرآن 2 / 155 ) : « لما فرغ من الكلام على الجهاد و المحافظة على الوطن ـ و هي هنا المدينة ـ و على الصبر و الثبات في الحرب ، و أن النصر تابع لهما ، و أن كل تأييد من الله لن يكون إر على مقتضاهما ، و ما عدا ذلك فانما هو غرور ، شرع بذكر اصول ذلك و أساس بنيانه من المحافظة على الاقتصاد في البلاد و حفظ الأموال حتى يتيسر للناس استثمار أموالهم ، و من الانفاق في الأمور العامة ، و للفقراء و المساكين ، و من تهذيب النفوس بالصبر و كظم الغيظ و العفو قال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ... 12 : لا تزيدوا زيادات متكررة ، فانهم كانوا في الجاهلية عند حلول الدين يزيدون المال و يؤخرون الأجل ، فإذا كان لانسان دين و جاء أجله ، ولم يكن للمديون ما يؤدي ، قال له صاحب المال : زدني في المال و أنا أزيدك في الأجل ، و يفعلون ذلك مراراً فيصير الدين أضعافاً مضاعفة .
و انما كرر هذه الآية هنا ـ و ان كان أصل الربا حراماً و ان لم يضاعف هذه المضاعفة ـ لأن هذا النهي عن أمر واقع كانوا يفعلونه » .
و كما ألمحت ، ان هذه الآية الكريمة جاءت تندد بواقع مرير كان قائماً أثناء نزولها ، و قرأنا التفسير حيث يوضح هذا و ينص عليه .
و لكن ـ مع هذا ـ حاول بعض المعاصرين أن يعتبر الآية الشريفة جاءت لتحرم الربا الفاحش الذي سبق أن أشرنا إلى تحريمه من قبل بعض التشريعات البشرية القديمة .
و هي ـ فيما أرى ـ محاولة فاشلة لما ذكرت من أنها جاءت تشجب و تبطل واقعاً مفسداً كان قائماً آنذاك ، و لأنها تتعاضد مع الآيات الأخرى في تحريم الربا حرمة مغلظة توعد عليها الله تعالى إدخال النار من يفعلها ، و من هنا عُدَّ فعل الربا من الكبائر الكبري .
و قد ألمح إلى هذا سيد قطب في تفسيره ( في ظلال القرآن 4 / 473 ) و رَدَّ عليه ، قال : « و لقد سبق الحديث عن الربا و النظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال فلا نكرر الحديث عنه هنا ، و لكن نقف عند الأضعاف المضاعفة ، فان قوماً يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ، و يتداروا به ، ليقولوا : إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة ، أما الأربعة في المائة ، و الخمسة في المائة ، و السبعة ، و التسعة فليست اضعافاً مضاعفة ، و ليست داخلة في نطاق التحريم .
و نبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع ، و ليست شرطاً يتعلق به الحكم ، و النص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا بلا تحديد و لا تقييد : ﴿ ... وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ... 13 أياً كان .
فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف ، لنقول : إنه في الحقيقة ليس وصفاً تاريخياً فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة ، و التي قصد اليها النهي هنا بالذات ، انما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت أياً كان سعر الفائدة .
إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة ، و معنى هذا أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردة و لا بسيطة ، فهي عمليات متكررة من ناحية ، و مركبة من ناحية اخري ، فهي تنشئ مع الزمن و التكرار و التركيب أضعافاً مضاعفة بلا جدال .
ان النظام الربوي يحقق بطبيعته دائماً هذا الوصف ، فليس هو مقصوراً على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب ، انما هو وصف ملازم للنظام في كل زمان » .
ان ما عبّر عنه القرآن الكريم بالأضعاف المضاعفة هو ما يصطلح عليه الآن في علم الاقتصاد الحديث بـ ( جدولة الدين ) و تعني « مد فترات استحقاقه و إعادة توزيع أقساطه حسب جدول زمني جديد » 14 .
و جدولة الديون هي أخطر عملية من عمليات الربا ، لما لها من أفاعيل ضارة ضرراً بالغاً في توازن توزيع الثروة بين المواطنين .
ـ و في الآية السادسة يخبرنا القرآن الكريم عن أن الربا كان سبباً في حرمان اليهود من طيبات كانت قد أحلت لهم ، و هذا يعرب ـ و بوضوح ـ عن مدى ما يتركه الربا من أضرار اقتصادية و اجتماعية و أخلاقية .
ـ و في الآية الأخيرة يقارن القرآن الكريم بين الربا و الزكاة حيث لا يربو الربا عند الله ، في حين تنمو الزكاة و تربو عنده ، و ذلك لأن الربا ظلم للناس ، و الزكاة بر بهم و احسان اليهم .
ذهب غير واحد من العلماء المعاصرين إلى القول بتدرج تحريم الربا ، منهم : الدكتور محمد عبد الله دراز في بحث له بعنوان ( الربا في نظر القانون الإسلامي ) 15 ، و الدكتور الزحيلي في كتابه ( الفقه الإسلامي و أدلته 5 / 3742 ـ 3743 ) إلى أن الربا حرم في القرآن الكريم بشكل تدريجي ، قال : « التدريج في التشريع : هذا من خصائص و اسس بيان الأحكام الشرعية ، فلم تحرم الخمر ـ مثلاً ـ دفعة واحدة كما هو معروف ، و انما مر التحريم بمراحل أربع ، آخرها آيتا المائدة ( 90ـ 91 ) : ﴿ ... إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ... 16 .
و عقوبة الزنا مرت بمرحلتين : الأولي : الحبس للنساء و الايذاء للرجال في آيتي النساء ( 15و 16 ) ، و الثانية : حد الجلد في سورة النور : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ... 17 .

و كذلك تحريم الربا مر بمراحل أربع

أولها : تقبيح فعل اليهود الذين يأكلون الربا ، و التشنيع عليهم ، في قوله تعالى ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ... 18 ، و قوله سبحانه ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 9 .
ثانيها : التفرقة بين الربا و الزكاة في قوله تعالى ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ 10 .
ثالثها : التنديد بفعل العرب المشركين في الجاهلية و نهي المؤمنين عن محاكاة فعلهم بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ... 12 ـ و النهي ليس مقصوراً على حالة المضاعفة ، و انما هذا قيد لبيان الواقع ، و تقبيح الوضع القائم الشائع بين العرب حينما يقرض أحدهم لآخر قرضاً لمدة ، ثم يحل أجل القرض ، و يعجز المدين المقترض عن وفاء دينه ، فيقول له المقرض الدائن : ( إما أن تقضي أو تربي ) فيزيد له في الأجل مقابل الزيادة في الربا ، و هذا عين عمل المصارف الحالية تكون الفائدة 7% أو 9% مثلاً ، فيعجز المدين عن سداد الدين ، فتضاعف عليه الفائدة في العام الثاني و الثالث و هكذا حتى تكاد الفائدة في النهاية تعادل أصل رأس المال ، و هذه هي الفائدة المركبة ، و التي لا يتنبه لها القائلون بفوائد البنوك المقللون لمقدارها و المبيحون لها ، بل ان هذه الفوائد أسوأ من ربا الجاهلية .
رابعها : تحريم الربا تحريماً قطعياً ، و وصف المرابين بالتعرض لحرب الله و رسوله ، في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 19 ثم قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ 20 .
و الربا ـ كما هو محرم في الشريعة الإسلامية ـ هو محرم في الشرائع الالهية الأخرى :

ـ ففي التوراة اكثر من نص يحرم الربا ، أمثال

* ما جاء في سفر حزقيال : ( و الانسان الذي كان باراً و فعل حقاً و عدلاً لم يأكل على الجبال ولم يرفع عينيه إلى أصنام بيت اسرائيل ولم ينجس امرأة قريبة ولم يقرب امرأة طامثاً ولم يظلم انساناً بل رد للمديون رهنه ولم يغتصب اغتصاباً بل بذل خبزه للجوعان و كسا العريان ثوباً ولم يعطِ الربا ولم يأخذ مرابحة و كفَّ يده عن الجور و أجرى العدل الحق بين الانسان و الانسان و سلك في فرائضي و حفظ احكامي و عمل بالحق فهو بار ) .
* ما جاء في سفر اللاويين : ( و اذا افتقر اخوك و قصر يده عنك فأعضدته غريباً أو مستوطناً فيعيش معك لا تأخذ منه ربا ) .
* ما جاء في انجيل لوقا : ( و ان أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي فضل لكم ، فان الخطاة أيضاً يقرضون الخطاة لكي يستردوا منهم المثل ، بل أحبوا أعداءكم و أحسنوا و أقرضوا و انتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً ، و تكونوا بني العلى فانه منعم على غير الشاكرين و الأشرار ) .
و قد فسر بعض اليهود النص المتقدم : ( و اذا افتقر أخوك و قصر يده عنك فأعضدته غريباً أو مستوطناً فيعيش معك لا تأخذ منه ربا ) ، و النص الآخر الذي يقول : ( لأخيك لا تقرض بربا ) حصر تحريم الربا بين اليهودي و اليهودي ، أما بين اليهودي و غير اليهودي فجائز .
و من غير شك ان هذا لا يتأتى لأنه يتعارض و ما جاء في النص الأول من النصوص المذكورة في اعلاه القائل ( و أجرى العدل الحق بين الانسان و الانسان ) .
فإن يحمل أنه جاء من باب التوكيد على حرمة ربا اليهودي لليهودي من دون نظر إلى حرمته مع غير اليهودي ، و إلا فهو ـ من غير ريب ـ من النصوص المحرّفة .
و يدل على ذلك ان القرآن الكريم رد عليهم في آية النساء المتقدمة ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 9 .
هذا هو حكم الربا في التشريعات الدينية ، الحرمة المغلظة ، و لكنه يختلف عنه في التقنينات المدنية فقد ابيح فيها .
و فرّق بعضها فيه بين الفاحش منه فلا يجوز ، و القليل منه فانه يجوز ، و لئلا يقع الفحش التزموا بلزوم تحديد سعر الفائدة من قبل الدولة .
و من هذا ما جاء في ( موسوعات القوانين و الأنظمة الاردنية ) ـ 2 / 838 ـ تحت عنوان ( نظام المرابحة ) : « المادة 1 ـ اعتباراً من تاريخ نشر هذا النظام تعين 9% فائدة سنوية حداً أعظم لكل أنواع المداينات العادية و التجارية .
المادة 2 ـ ان مقاولات الفائدة التي عقدت على حساب 12% قبل تاريخ نشر هذا النظام هي مرعية و معتبرة إلى يوم إعلان هذا النظام .
المادة 3 ـ اذا تبين وقوع مقاولة على فائدة زائدة عن حدها النظامي إما صراحة في السند بين الدائن و المديون أو بثبوت ضمها إلى رأس المال فيصير تنزيل مقدار الفائدة السنوية إلى 9% .
المادة 4 ـ فائدة الديون مهما مر عليها من السنين فلا يجب أن تتجاوز مقدار رأس المال ، و جميع الحكام ممنوعون من الحكم بالفائدة التي تتجاوز رأس المال » .
و انظر من الموسوعات المذكورة الصفحة 117 من الجزء الثالث ، تحت عنوان ( قانون الربا الفاحش ) .

موضوع الربا

أعني بهذا العنوان المعاملات المالية التي يجري فيها الربا ، و تكون موضوعاً له ، تطبق عليها أحكامه و تترتب آثاره .
و قد اختلفوا فيها على قولين :
ـ قول : إن الربا لا يجري و لا يتحقق إلا في البيع خاصة .
ـ و آخر : إن الربا يثبت في كل معاملة .
قال السيد العاملي في ( مفتاح الكرامة ) بعد أن ذكر تعريفي الربا القائمين على هذا الخلاف ، و هما :
ـ إن الربا شرعاً هو بيع أحد المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن في عهد صاحب الشرع ـ عليه الصلاة و السلام ـ أو في العادة ، بالآخر مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً .
أو اقتراض أحدهما مع الزيادة و ان لم يكونا مقدرين بهما اذا لم يكن باذل الزيادة حربياً ، ولم يكن المتعاقدان والداً مع ولده و لا زوجاً مع زوجته .
ـ ان الربا شرعاً هو زيادة أحد العوضين المتماثلين المقدرين بالكيل أو الوزن ـ في عهد صاحب الشرع صلى الله عليه و آله و سلم أو في العادة ـ بالآخر مع زيادة في أحدهما حقيقة أو حكماً .
قال ( ره ) : « و هذا التعريف ( يعني التعريف الثاني ) يناسب ما حكي عن الأكثر ، حكاه المقدس الاردبيلي في آياته ، و قد حكى عن السيد و الشيخ و القاضي و ابن المتوج و فخر المحققين من أنه يثبت في كل معاوضة و لا يختص بالبيع ، و هو خيرة الشهيدين في صلح الدروس و المسالك و الروضة و غصب الأولين و ابي العباس في صلح المهذب و المقتصر ، و الفخر في صلح الايضاح ، و الصالح القطيفي و المحقق الثاني و الفاضل الميسي و المقدس الاردبيلي و غيرهم ، و هو صريح الشرائع في باب الغصب و ظاهرها في باب الصلح ، لكن ظاهرها في المقام و صريح السرائر في باب الغصب ، و المختلف في الباب المذكور ، و ظاهر غصب المبسوط و الشرائع و التحرير و التذكرة في موضع منها على ما فهمه منهم الشهيد في الدروس لا على ما فهمه الشهيد الثاني ، و صريح الارشاد و الكتاب في المقام ، و المختلف في باب الصلح أنه انما يثبت في البيع ، و هو ظاهر اصحاب التعريف الأول ، و لهم عبارات في باب الصلح ظاهرة في ذلك كقولهم ( لو صالح على المؤجل باسقاط بعضه حالاً صح ) ، و قولهم ( لو أتلف عليه ثوباً قيمته عشرة فصالحه بأزيد أو أنقص صح عند المشهور ، و هذا يؤدي إلى الربا ) .
و قد يظهر ذلك ـ أي اختصاصه بالبيع ـ من المبسوط و الخلاف و المراسم و الوسيلة و مجمع البيان و غيرها .
و ما نسبوه إلى الشيخ من ثبوته في كل معاوضة فلعله مبني على ما يختاره في الصلح من أنه بيع ، و المصنف في باب الغصب و الصلح من الكتاب و التذكرة تردد ظاهر ، و الفخر في غصب الايضاح التردد أيضاً .
و أما ثبوته في القرض فقد صرح به الاكثرون و ان لم يكن مقدراً بالكيل والوزن » .
ثم قال : « حجة القائلين بالتخصيص : أنه حرام بالكتاب و السنة و الاجماع ، و لا شك في تحقق ذلك في البيع لأنه المتبادر من الاطلاق .
و كذا القرض .
و أما غيرهما فلا يعلم جريانها فيه فيبقى على أصل الاباحة المؤيد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على حصول الاباحة بالتراضي ، و على حصر المحرمات و ليس هذا منها ، و أن الناس مسلطون على أموالهم ، خرج البيع و القرض و بقي الباقي .
و حجة القائلين بالعموم لكل معاوضة : اطلاق الكتاب و السنة ، و منها الصحاح المستفيضة و غيرها من المعتبرة ، ففي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام : قال ( الحنطة و الشعير رأساً برأس لا يزداد واحد منهما على الآخر ، و فيه الدقيق بالحنطة و السويق بالدقيق مثلاً بمثل لا بأس به ) و نحوه آخر ، و فيه ( كان علي عليه السلام يكره أن يستبدل وسقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر ) و فيه ( عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها مشقق ، فقال : هذا مكروه ، فقال ابو بصير : لم يكره ؟ فقال : كان علي بن ابي طالب عليه السلام يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ، ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال ) ، و خبر عبد الرحمن بن الحجاج : قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير ؟ قال : لا يجوز الاّ مثلاً بمثل ، ثم قال : إن الشعير من الحنطة ) ، و صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام : الفضة بالفضة مثلاً بمثل ليس فيها زيادة و لا نقصان الزائد و المستزيد في النار » .
و لا بد من الإشارة هنا إلى خلاف المولى الاردبيلي في الزيادة الحكمية حيث لم يعدها من الربا .
و عليه فذكرها ضمن التعريف مبنائي يرجع إلى رأي المعرِّف في المسألة .
و بالموازنة بين أدلة الطرفين ، و عمدتها الروايات في المقام ، و هي بين صريحة في البيع و القرض و ظاهرة فيهما تفيد أن موضوع الربا هو البيع و القرض .

أنواع الربا

قال الشيخ سيد سابق في ( فقه السنة 3 / 135 ) : « و الربا قسمان :
1 ـ ربا النسيئة .
2 ـ ربا الفضل .
ـ ربا النسيئة 21 : هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير الأجل .
و هذا النوع محرم بالكتاب و السنة و إجماع الأئمة .
ـ ربا الفضل : و هو بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام مع الزيادة . و هو محرّم بالسنة و الاجماع لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة .
و أطلق عليه اسم الربا تجوزاً ، كما يطلق اسم المسبب على السبب ، روى ابو سعيد الخدري : أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال : ( لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ، فاني أخاف عليكم الرماء ) أي الربا ، فنهى عن ربا الفضل لما يخشاه عليهم من ربا النسيئة » .
و في كتاب ( الفقه الإسلامي و أدلته ) للدكتور الزحيلي 5 / 3699 : « و الربا المحرم في الإسلام نوعان :
أولهما : ربا النسيئة الذي لم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه .
و هو المأخوذ لأجل تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد ، سواء أكان الدين ثمن بيع أم قرضاً .
و ثانيهما : ربا البيوع في أصناف ستة هي : الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير و الملح و التمر .
و هو المعروف بربا الفضل ، و قد حرم سداً للذرائع أي منعاً من التوصل به إلى ربا النسيئة ، بأن يبيع شخص ذهباً ـ مثلاً ـ إلى أجل ، ثم يؤدي فضة بقدر زائد مشتمل على الربا » .
و الملحوظ : أن هناك فرقاً بين الدكتور الزحيلي و الشيخ سابق في مورد النسيئة حيث خصصه الدكتور الزحيلي بما يعرف الآن بجدولة الدين ، بينما عممه الشيخ سابق إلى ما يشمل الجدولة و الزيادة الأُولى المنصوص عليها في العقد .
هذا التنويع المذكور هو المذكور و المشهور في فقه السنة .
أما في فقه أصحابنا الامامية فقد جاء في ( تحرير الوسيلة ) للسيد الخميني 1 / 493 : « و هو ( يعني الربا ) قسمان : معاملي و قرضي .
أما الأول ( الربا المعاملي ) فهو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية كبيع منٍّ من الحنطة بمنين أو بمنّ منها و درهم ، أو حكمية كمنّ منها نقداً بمنّ منها نسيئة » .

و شرطه أمران

1 ـ اتحاد الجنس عرفاً : بمعنى أن تكون المادة المتبادلة في معاملة الربا و هي الثمن و المثمن من نوع واحد ، قال في المصدر المذكور : « فكل ما صدق عليه ( عنوان ) الحنطة أو الارز أو التمر أو العنب بنظر العرف ، و حكموا بالوحدة الجنسية فلا يجوز بيع بعضها ببعض بالتفاضل ، و ان تخالفا في الصفات و الخواص » .
2 ـ كون العوضين من المكيل و الموزون : فلا ربا فيما يباع بالعدّ أو المشاهدة .
و في ايضاح معنى النوع الثاني من الربا ، و هو الربا القرضي ، قال في المصدر المذكور ـ في موضوع القرض ص 601 ـ : « لا يجوز شرط الزيادة بأن يقرض مالاً على أن يؤدي المقترض أزيد مما اقترضه ، سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنياً عليه .
و هذا هو الربا القرضي المحرم الذي ورد التشديد عليه .
و لا فرق في الزيادة بين أن تكون عينية كعشرة دراهم باثني عشر ، أو عملاً كخياطة ثوب له ، أو منفعة أو انتفاعاً كالانتفاع بالعيون المرهونة عنده ، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم مكسورة على أن يؤديها صحيحة .
و كذا لا فرق بين أن يكون المال المقترض ربوياً بأن كان من المكيل و الموزون و غيره بأن يكون معدوداً كالجوز و البيض » .
و من التنبيه المفيد أن نشير إلى أن جل فقهائنا ذكروا القسم الأول من الربا ( الربا المعاملي ) في موضوع الربا ، و القسم الثاني ( الربا القرضي ) في موضوع القرض ( الدين ) .
و تتلخص الفروق بين القسمين المذكورين بالتالي :
ان الربا المعاملي هو الذي يُوقع في المعاملة المالية التي تقوم على تبادل سلعة باخرى شريطة أن تكونا متماثلتين من حيث النوعية ، أي أنهما من جنس واحد ، و أن تكونا مما يتم التبادل بينهما بالكيل أو الوزن حسب ما تعارف عليه الناس في مجتمع التبادل .
و المعاملة ـ هنا ـ قد تكون بيعاً ، و هو موضع وفاق بينهم ، و قد تكون معاوضة اخرى غير البيع ، و هو موضع خلاف بينهم ـ كما سبق أن أشير اليه .
ـ ان الربا القرضي هو الذي يُوقع في معاملة القرض أو الدين فقط « مع اشتراط النفع بالعين أو الصفة من غير فرق فيه بين المكيل و الموزون و غيرهما ، فهو أعم موضوعاً من الأول » 22 .
و نخلص من هذا إلى أن القسمين :
1 ـ يلتقيان في اشتراط الزيادة ( = الفائدة . المنفعة ) .
2 ـ و يختلفان في اشتراط التماثل في النوعية و اعتبار كون العوضين مما يعامل به كيلاً أو وزناً في الأول فقط .
و يوجز الشيخ الحلي في ( بحوث فقهية ) ـ ص78 ط2 ـ الفروق بين القسمين بقوله : « قسم الفقهاء الربا إلى قسمين : ربا في المعاملة و ربا في القرض .
و اشترطوا في ربا المعاملة :
ـ اتحاد الجنس .
ـ و كون مورد المعاوضة من المكيل أو الموزون .
وأما ربا القرض فلم يشترطوا ذلك فيه ، بل ذكروا أن كل قرض جَرَّ نفعاً فهو من الربا » .

الربا في الأوراق النقدية

ما ذكر في أعلاه هو المستفاد من النصوص الشرعية الواردة في المقام ، و حيث لم تكن الاوراق النقدية موجودة آنذاك لم تذكر في النصوص .
و لأن هذا لا يعفي الفقهاء من بحثها قام اكثرهم ببحثها ، و لكن داخل اطار النصوص الشرعية المنقولة ، و ليس على أساس من اعتبارها القانوني و انتهوا إلى النتيجة التالية :
ـ اتفقوا على أن الربا يتحقق فيها اذا كانت النقود الورقية موضوع معاملة قرض ، و ذلك لعدم قصر هذه المعاملة في النصوص الشرعية على ما يكال و يوزن ، فهي تشمل المعدود أيضاً ، و منه الاوراق النقدية .
ـ لم يختلفوا في عدم تحققه إذا كانت النقود الورقية موضوع معاملة بيع أو موضوع معاوضة مالية اخرى على الخلاف المتقدم ، و ذلك لحصر النصوص الواردة في المقام تحقق الربا المعاملي في خصوص ما يكال و يوزن .

و من هذه النصوص

* صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( لا يكون الربا الاّ فيما يكال أو يوزن ) .
* موثقة عبيد بن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : ( لا يكون الربا الاّ فيما يكال أو يوزن ) .
قال الشيخ الطوسي في كتاب البيوع من ( المبسوط 2 / 88 ) تحت عنوان ( فصل في ذكر ما يصح فيه الربا و ما لا يصح ) : « الربا في كل ما يكال أو يوزن ، و لا ربا فيما عداهما ، و لا علة لذلك الاّ النص » .
و ممن بحثها من الفقهاء المعاصرين على اساس من اعتبارها القانوني الشيخ حسين الحلي في ( بحوث فقهية ) المدونة بقلم تلميذه السيد عز الدين بحر العلوم ، قال : « و بما أن مالية هذه الاوراق منحصرة بالجهة التي يمنحها الاعتبار تبعاً لكيفية تغطيتها ان كانت من قبل تلك الجهة ، فمن الجدير أن نبحث عن حقيقة هذه التغطية ، و المعبّر عنها بـ ( غطاء العملة ) لنرتب الحكم على أساسها ، و هي لا تخلو من أحد وجوه ثلاث :

الوجه الأول من وجوه التغطية

و تطالعنا فيه صورتان :
الصورة الأولى : أن تكون الدولة قد أودعت في خزانتها نقوداً مسكوكة من ذهب أو فضة في قبال هذه الاوراق بالقدر الذي طبعت منه و خولت كل شخص يحمل تلك الاوراق أن يأخذ من البنك ما يقابل ورقته من النقود متى شاء ذلك .
و على هذا الوجه تكون المعاملة على تلك النقود المودعة و التي كانت مصدر الاعتبار لهذه الاوراق .
فمن اشترى حاجته ، و دفع للبائع ديناراً ـ مثلاً ـ فهو قد ملّكه مقداراً معيناً من المال تحتفظ به الدولة في البنك الذي تعتمد عليه ، و تكون هذه الورقة كسند خاص لتمليكه .
و هل يتحقق الربا في مثل ذلك ، لو حصل التعامل بحيث دفع عشرة أوراق في مقابل إحدى عشرة ؟
الجواب عنه : ان الربا يتحقق في ذلك لأننا فرضنا أن هذه تعبر عن تلك المقادير الفضية أو الذهبية ، فتكون المعاملة واقعة في الحقيقة على ماتعبر عنه تلك الاوراق من النقود المسكوكة المودعة في خزينة الدولة .
الصورة الثانية : هي نفس الصورة الأولى ، و لكن المودع انما هو سبائك و قوالب ذهبية أو فضية ، فبمقدار الورقة تتعهد الدولة بتسليم ما يقابلها من الذهب و الفضة من تلك القوالب الموجودة عندها .
أما الربا فيتحقق في هذا النوع لأن الأوراق أصبحت تعبر عن هذه المقادير الذهبية أو الفضية ، فاذا بيع مقدار منها بأزيد كان الزائد فائدة ربوية ، لعدم اشتراط كون الذهب مسكوكاً في صيرورة الزيادة من الربا .

الوجه الثاني من وجوه التغطية

أن تكون في قبال هذه الأوراق النقدية مقادير معينة من المال في ذمة من منحها ذلك الاعتبار و هي الدولة أو البنك ، و يكون حال الدينار ـ مثلاً ـ كحال سند الكمبيالة ، فلو اشترى شخص بهذا الدينار شيئاً من الأجناس فقد دفع للبائع ورقة تفيد أن له بذمة الحكومة ما يقابلها من المال ، و تكون الدولة التي منحت تلك الاوراق الاعتبار المالي هي المدينة للبائع بذلك المقدار من المال .
و في الحقيقة أن التعامل في هذه الصورة يكون على ما في الذمم ، و الاوراق النقدية أسناد بيد الأفراد تثبت وجود الدين في ذمة الحكومة .
( في هذا الوجه ـ أيضاً ـ يتحقق الربا ) لأن ما يقابل هذا مما هو في ذمة الحكومة إمّا ذهب أو فضة ، و هما من الموزون فيتحقق الربا فيه .

الوجه الثالث من وجوه التغطية

أن تكون مالية هذه الأوراق متقومة بالجهة الاعتبارية الصرفة بأن تقرر الدولة بأن كل ورقة تحمل ذلك الشعار الخاص و هذه الألوان و التقاطيع المخصوصة فانها تعتبر بكذا مقدار من المال .
و من الواضح أن الدولة تلتفت إلى أن ذلك الاعتبار وحده ليس بكاف لمنح هذه الاوراق السمة المالية ، لذلك تأخذ على عاتقها موضوع دعم الورق بالتعهد الشخصي ، و التقرير على نفسها بدفع ما يقابله من المال لو طولبت بذلك من قبل الدول الأخرى أو الشركات الأجنبية .
و حيث كان هذا المقدار أيضاً ليس بكاف لمنح الورق السمة المالية الدولية ، بل يقتصر اعتباره على الداخل ، لذلك تضطر الدولة إلى الدخول في ( منطقة الاسترليني ) ـ مثلاً ـ فتجتمع عدة دول لتودع في أحد البنوك العالمية المقادير اللازمة من الذهب ، و يكون هذا الايداع هو الرصيد للورق النقدي في مجموعة تلك الدول المشتركة .
و قد تنسحب تلك الدولة من منطقة الاسترليني فتسحب مالديها من الاحتياطي و تودعه في البنك الحكومي المؤسس في المملكة ، و تعلن هذا المعنى إلى الجميع ، و تدعم هذا الايداع من جهة أخرى بما تمتاز به تلك الدولة من معادن و ثروات طبيعية كالنفط و الكبريت و الفحم ، و ما شاكل ذلك من الثروات الطبيعية .
و بعد كل هذا يعزز ما ذكرناه نفس مركز الدولة بين بقية الدول ، و هذه و ان لم تكن عوامل أساسية لتغطية النقد الورقي الاّ أن لها قيمتها الاعتبارية في انظار الناس فتعطي الورقة رصيداً سوقياً في الداخل و الخارج .
و الآن وبعد أن عرفنا حقيقة الاوراق النقدية و أنها لا تحمل الاّ جهة الاعتبار الصرف من الدولة التي فرضت التعامل بها فهل يتحقق الربا في صورة بيعها بأكثر ؟ .
الظاهر عدم تحقق ذلك فلا تكون المعاملة ربوية لأن شرط جريان الربا في المعاملة هو وحدة الجنس ـ الثمن و المثمن ـ أولاً ، و كونهما من المكيل أو الموزون ثانياً ، و ليست الدنانير من أي من هذين ـ و هما المكيل والموزون ـ و ان كانت وحدة الجنس متحققة فيها ، الاّ أن الشرط الآخر ، و هو الكيل أو الوزن لم يتحقق فيها فلا يجري في بيعه بأزيد منه حكم الربا .
هذا اذا كانت المعاملة بيعية صرفة لا أجل فيها بل حصل التسليم .
و أما لو حصلت الزيادة مع أجل كأن دفع له عشرة دنانير بازاء أحد عشر ديناراً يسلمه إياها بعد شهرين فهل يكون ذلك من صغريات المعاملة الربوية أو لا ؟
و الإجابة عن هذا السؤال : هي أنّا نتصور لهذه المعاملة وجهين ، تكون صحيحة بالنظر لوجه ، وباطلة على الوجه الثاني .
فانا لو اعتبرنا هذه المعاملة من قبيل البيع إلى أجل ، كانت المعاملة صحيحة .
بخلاف ما لو اعتبرنا من قبيل القرض إلى أجل فانها حينئذٍ تكون من ربا القرض ، و يتم فيها البطلان » .

و نخرج من هذا بالنتيجة التالية

1 ـ اذا كان منشأ اعتبار الاوراق النقدية هو ما يقابلها من ذهب أو فضة مسكوكين نقوداً أو غير مسكوكين فانها ـ و الحالة هذه ـ يتحقق فيها الربا بقسميه المعاملي و القرضي .
2 ـ و اذا لم يكن لها ما يقابلها من ذهب أو فضة ، و كان منشأ اعتبارها هو الدولة يتحقق فيها الربا القرضي و لا يتحقق فيها الربا المعاملي .

مستثنيات الربا

قال استاذنا السيد الخوئي في ( المنهاج ) : « المشهور على أنه لا ربا بين الوالد و ولده ، و كذا بين الرجل و زوجته ، و بين المسلم الحربي اذا أخذ المسلم الزيادة ، و لكنه مشكل ، و الأحوط وجوباً تركه » .
و استدل القائلون بعدم تحقق الربابين المذكورين بروايات كلها غير معتبرة ، و بالاجماع ، و من المظنون قوياً أنه مدركي ، و مدركه الروايات المشار اليها ـ فلا يعول عليه .
و النتيجة : هي كما يقول السيد الاستاذ .

تعليق واحد