الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

بين المثقف والمفكر.. مقاربتان ومناقشة (2 ـ 2)

أقام الدكتور علي شريعتي مقاربته النقدية بين المثقف والمفكر، على أساس الفصل بين المفكر والمثقف من جهة، وعلى أساس الربط بين المثقف والعالم من جهة ثانية، مرتكزا في ذلك على خلفية نسقية تتصل بالتحليل الاجتماعي، قررها شريعتي بقوله: إن المفكرين خلافا للمثقفين ليسوا جماعة متميزة ذات قاعدة اجتماعية مميزة، فهم من الوجهة الطبقية الاجتماعية لا يقفون في مقابل الجماهير أو الشعب أو أعوام الناس أو بإزائهم، لأن الفكر المستنير صفة معنوية بارزة في الإنسان وليس شكلا اجتماعيا متميزا، وليس من اللازم في نظر شريعتي أن يكون المفكرون متعلمين وعلماء.
لا أظن أن هذه الرؤية تمثل موضع اتفاق، لا في زمن شريعتي ولا بعد زمنه، والنقاش فيها يتحدد في الجهتين، جهة الفصل بين المفكر والمثقف، وجهة الربط بين المثقف والعالم.
في جهة الفصل، فإن المثقف في الانطباع العام هو أقرب للمفكر من العالم، ليس هذا فحسب بل إن العلاقة بينهما قد تصل إلى درجة التماهي، ويصل في بعض الحالات إلى صعوبة الكشف عن الحدود الفاصلة بينهما، بشكل لا يعرف المثقف من المفكر، وهناك أشخاص يطلق عليهم البعض صفة المثقف، ويطلق عليهم آخرون صفة المفكر، من دون نزاع أو اعتراض.
من جانب آخر، إن ما يصدق على المثقف من جهة الاتصال بالعالم وتمثل صورة العالم، يمكن أن يصدق على المفكر كذلك، فيمكن أن يأخذ المثقف صورة المفكر كما حددها شريعتي، ويمكن للمفكر أن يأخذ صورة العالم، فهذه التحولات في تمثلات الصورة وارادة وممكنة، حصلت وتحصل وليس هناك قانون يمنع من ذلك، ويفصل بينها فصلا نهائيا.
علما بأن مفهوم العالم في رؤية شريعتي لا يقصد به المنتسب إلى العلوم الطبيعية أو الطبية، وإنما يقصد به بصورة رئيسة المنتسب إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، كعالم الاجتماع وعالم النفس وعالم التاريخ وعالم الفلسفة... وهكذا.
ومع الأخذ بهذه الملاحظة والتساير معها، فإن المثقف يمكن أن يأتي من هذه الشريحة، وينتسب إلى هذا النمط من العلوم، ومعظم المثقفين جاؤوا منها وانتسبوا لها، ولكن هذا الحال يصدق كذلك حتى على المفكر الذي يمكن أن يأتي من هذه الشريحة، وينتسب إلى هذا النمط من العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهناك فئة كبيرة من المفكرين جاءت منها وانتسبت إليها، ومن هذه الجهة لا يوجد فرق بين المثقف والمفكر.
أما ربط المثقفين بطبقة اجتماعية تعرف بهم وتتميز عن غيرهم، على طريقة تصنيف علماء الاجتماع والتاريخ والفلسفة وتأطيرهم في طبقة اجتماعية، وفصل المفكرين عن هذه الطبقة وإعطائهم صفة التفاضل من هذه الجهة، كونهم لا يمثلون طبقة تقابل طبقات المجتمع أو الشعب، لما يتميزون به من صفة الاستنارة، الصفة التي تخرجهم من الانتساب إلى الطبقات الاجتماعية، وتمنعهم من الولوج إليها، والبقاء فيه، فهذا التصور يمكن أن يكون أحد التحليلات الاجتماعية، كما توصل إليه شريعتي بوصفه باحثا ومتخصصا في علم الاجتماع، لكنه ليس تحليلا اجتماعيا تاما، وأظن أنه لا يتسم بالدقة والضبط والإحكام العلمي.
ومن الملاحظات المشتركة التي تسجل على الناقدين شريعتي وعلي حرب معا، أنهما تعاملا مع المفكر والمثقف على أساس الصورة الأحادية، كما لو أن المفكر له صورة واحدة متحدة وثابتة يعرف بها ولا يعرف بغيرها، وهكذا الحال مع المثقف.
وواقع الأمر قديما وحديثا ليس كذلك، فالمفكر له صور متعددة، والمثقف أيضا له صور متعددة، ولا يمكن تحميل المفكر على صورة واحدة وسلب الصور الأخرى ونفيها، كما لا يمكن كذلك تحميل المثقف على صورة واحدة وسلب باقي الصور الأخرى، حتى لو اعترفنا بوجود ما يمكن تسميته بالصورة النموذجية للمفكر أو للمثقف.
وتتأكد هذه الملاحظة عند معرفة أن الصورة التي حاول شريعتي اثباتها للمفكر وحتى للمثقف، هي غير الصورة التي حاول حرب اثباتها لهما، فشريعتي حاول تثبيت صورة المفكر المناضل، في حين حاول حرب تثبيت صورة المفكر الفيلسوف، الأمر الذي يعني أن المفكر له صورمتعددة ولا يتحدد في صورة واحدة، وهكذا الحال بالنسبة للمثقف، ولعل كتاب الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد (صور المثقف)، يعد خير شاهد على ذلك.
من جانب آخر، إن شريعتي يبدو أنه دافع عن الصورة التي هي أقرب إلى طبعه ومزاجه وتكوينه الفكري، وظهر وكأنه يتحدث عن صورته، فهناك من هذه الجهة مطابقة بين الصورة والذات في رؤية شريعتي، ولهذا غلب صورة المفكر المناضل.
وهذا الرأي بتمامه يصدق على موقف علي حرب، الذي دافع عن الصورة التي هي أقرب إلى طبعه ومزاجه وتكوينه الفكري، وظهر وكأنه يتحدث عن صورته، وهناك في حالته مطابقة كذلك بين الصورة والذات، ولهذا غلب صورة المفكر الفيلسوف.
وكانت لي مقاربة مختلفة في هذا الشأن، شرحتها من قبل عند الحديث عن من هو المفكر؟ وتحددت مقاربتي في أن المفكر يتميز على المثقف من ثلاث جهات، من جهة الزمن وكون أن المفكر هو صاحب تجربة فكرية وثقافية طويلة وجادة ومعمقة، ومن جهة الذاتية وكون أن المفكر هو من يتحدث عن ذاتيته وليس عن ذاتيات الآخرين، بخلاف المثقف الذي تنقص فيه مثل هذه الذاتية، ومن جهة الابتكار الفكري والثقافي فالمفكر يعرف بالابتكار، الصفة التي لا تعد شرطا في المثقف، لكنها تعد شرطا في المفكر1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة اليوم، الأحد 31 يوليو 2016م، العدد 15752.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا