الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

نصر الله .. القائد العربي القادم!

من المفارقات اللافتة والغريبة التي تستحق النظر والمتابعة في خضم الأجواء الثورية التي يعيشها العالم العربي اليوم، أنّ الشعوب العربية شقّت طريقها لوحدها وبمفردها وهي تصنع فيما يشبه الخيال ثورات شعبية وانتفاضات جماهيرية متتالية ومتسارعة تفوق التصور. والشاهد على ذلك أنّها لا تدور في مدار قادة تهتدي بتوجيهاتهم وتصغي إلى إرشادتهم، وليس هناك من أحد في الخارج يصنع لها الموقف ويلهمها كيف تتصرف وكيف تتحرك وكيف تمشي في طريق خلاصها. كل شيء يجري على رَسْله بعفوية لا نظير لها. يبدو الأمر، وهو أمر يكاد لا يصدق، وكأنّه متروك لحواس ومواهب الجماهير التي تعرف تماماً، بوجدانها وضميرها المستقِر في تربة فطرتها، وسائل الانتقال إلى ضفة الحرية المنشودة. وتعرف أيضاً أنّ التاريخ له حساباته ونواميسه وسننه مع الجبابرة والفراعنةالذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. وهي لا شك نجحت في خطوتها الأولى وطوت مرحلة صعبة بتحطيهما حاجز الخوف الذي تحكّم بوجود الإنسان العربي هوية وتراثاً وثقافة وفاعلية. لقد تبيّن كم هي كرتونية هذه الأنظمة العربية التي استبدت سنين طويلة وفرضت سيادتها على النفوس والمصائر بناء على فكرة مخابراتية (الخوف) وليس بناء لفكرة علمية وإنسانية وقيمية أو حتى قومية أو وطنية، فسقطت عند هبوب أول ريح مشحونة بالغضب ومعبئة بدوافع التغيير لتشييد صروح الحق والعدل. بيد أنّ الخطوات اللاحقة تختلف من حيث النوع والمحتوى لدرجة لا تنفع معها الحماسة وحدها والاندفاعات العاطفية وحدها والمعنويات العالية وحدها مهما بلغت من الدأب والاقتدار. وعادة عندما تنتقل الثورة من طور إلى طور آخر تحتاج في أدوار تكاملها بحكم ضرورات التغيير والبناء الرشيد إلى القيادة التي تخطط وتنظم وتقرر وتدافع عن قيم الثورة ومصالح الثائرين وإلا ضاعت كل الجهود والتضحيات والدماء سدى. وعلى ذلك الواقع يصح فيها وفيهم مثال تلك المرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. ونحن في العالم العربي صائرون إلى أوضاع شديدة التعقيد وسريعة التبدّل لا يمكن لنا كأمة أن نواجهها بنفس أدوات الثورة من الاحتجاج والتظاهر والاعتصام في الساحات.

إنّ أميركا وإسرائيل وبعض الغرب سيمارسون ضغوطاً هائلة لئلا تتعرض مصالحهم لأضرار فادحة تؤدي إلى خسارتهم كل المكتسبات والمزايا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في المنطقة العربية. سيتجهون جميعاً إلى تهديدنا بكل ما يتاح لهم تهديدنا به، بدءاً بالغذاء وصولاً إلى إعلان الحرب بالسلاح المحرم لاسترداد وضعيتهم السابقة. وهذا النوع من التهديدات الخطيرة لا يفترض أن تقابله الأمةوالشعوب الثائرة بقوة الحماسة وحدها بل بقوة الحماسة والقيادة معاً. إنّه لا بد من قيادةٍ تضبط وتوظّف الحماسة باتجاه تحقيق الأهداف المرجوة. ولا بدّ من الناحيتين النظرية والعملية من وقوف الجماهير العربية خلف قيادة تتمتع بكل مواصفات ومؤهلات وخصائص القيادة المؤمنة، الواعية، المجاهدة،الشجاعة، المسؤولة، المتجردة من عقد القوميات والطائفيات والمذهبيات والتحزبات الصغيرة،والتي تستطيع أن تقود الشعوب إلى شاطىء الانتصار، وتجعلها تدرك بإحساسها وكل كيانها الآمان والحياة الكريمة. في الحقيقة إنّ بعض الشعوب العربية التي تحررت مؤخراً من عبودية حكامٍ ظلمة، تعيش الفراغ القيادي الكبير. والبعض الآخر منها يتطلع إلىقيادة يُطمأن إلى عقلها وفكرها ووعيها وإيمانها ومواقفها وتدبيرها. قيادة تؤلف قلوب العرب المتباعدة، وتجسر اتجاهاتهم المشتتة، وتوحد مصالحهم المتناقضة، وتجمع بين مناطقهم المقسمة، وتوجههم نحو تحمّل المسؤولية والتصرف على ضوء القيم النبيلة والسامية من منطلق إنساني وديني لتحقيق الأمال التي لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار الحب والإخاء والتعاون والثقة بالنفس والاعتماد عليها.
إنّ معتقدي أنّ الشخص الأكثر اقتداراً على النهوض بأعباء هذه الأمانة الثقيلة وتحمّل هذه المهمة القيادية الجسيمة، هو السيد حسن نصر الله. فمن أولى منه وأهدى منه وأجدر منه على إصلاح أحوال العرب وتوسيع دائرة هذه الراية التي هي من أهدى الرايات على الإطلاق في مسيرة الرفض للباطل والظلم والإفساد وكل ألوان الاستغلال والطاغوتية الداخلية والخارجية، وحمل لواء الحق في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم التي تتدافع عليها الأمم من كل جانب لتسرق ما فيها من خيرات وتقوّض ما فيها من قيم وحضارات. إنّ السيد حسن بدينه وورعه وجهاده وإنسانيته وانفتاحه وحبه وإخلاصه لهذه الأمة العربية وشعوبها يمكنه أن يسّد هذا الفراغ القيادي الهائل، ويكون القائد العربي الذي على يديه يدخل العرب إلى فلسطين وتُفتح القدس مرة أخرى. إنّ هذه المسؤولية التي أرى ضرورة جلائها اليوم بفعل التحولات التاريخية المهولة التي تمور بها المنطقة. هي على نحو الإلزام لا التخيير، إذ ليس لمن تستأمنه الأمة وتجد فيه الشخص الذي يمثل خط الشهادة أن يتخلف عن تطبيق الحق ودفع الظلم عنها.
إنّه وعلى الرغم من جليل المهمات والأدوار التي قام ويقوم بها، تأخذ هذه المهمة في عهدته معنى عربياً جديداً وبعداً استراتيجياً سوف تمتد آثاره إلى العالم بأسره. إنّ الأمل يكبر بعد هذه الثورات المجيدة التي ستُستكمل في قادم الأيام حتى تصل الأمة العربية إلى غدها المشرق، وليس ذلك على الله بعزيز1.

  • 1. المصدر: جريدة الديار -العدد 7940 -الجمعة 4 آذار 2011 لسماحة الشيخ عفيف النابلسي حفظه الله.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا