الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ولاية الفقيه "ضرورة و هدف"

التمهيد: ان مسألة ولاية الفقيه لا يمكن البحث فيها دون الرجوع الى اصولها الاساسية التي تعطيها الشرعية التي تلزم كل الناس بضرورة الإطاعة لأوامرها والعمل تحت رايتها، وذلك لان الولاية للفقيه مرتبطة بسلسلة من الولايات التراتبية حتى تنتهي الولاية لله عز وجل، ومن هنا سنتكلم عن هذه المسألة من ناحيتين -الاولى- الاصول العقائدية لولاية الفقيه -الثانية- البحث في نفس ولاية الفقيه وحدودها سعة وضيقا.

 

1- الاصول العقائدية للولاية

قبل البحث هنا لا بد من القول ان العقل يدرك بأن الاصل هنا أنه لا ولاية لاحد على أحد، ومعنى هذا ان كل انسان له الحق في ان يفعل او لا يفعل حسب ما يريد من دون الزام من احد عليه، وهذا المبدأ سوف نرى فائدته جلية في كل مورد نشك في ثبوت الولاية لاحد علينا، هذا في غير من قامت الادلة العقلية والشرعية على ثبوت ولايتهم علينا.

الاصل الاول: ولاية الله عز وجل: ان اي ولاية مهما كانت حدودها سعة وضيقا لا بد ان تستمد شرعيتها من الله سبحانه وتعالى، باعتبار انه المالك الحقيقي الذي منه المبدأ و اليه المنتهى فلا فاعل في الوجود إلا بقدرة الله ولا مؤثر إلا بواسطته، وولاية الله علينا تعني انه هو الذي خلقنا وأوجدنا من العدم ولولا ذلك لما كنا، وهذا ما تدركه عقولنا وتقرّه أفهامنا وهذه الولاية نسميها "الولاية التكوينية" التي تعني ان الله إذا اراد شيئا فيكفي ان يقول له "كن" فيكون، وهناك ولاية أخرى نسميها "الولاية التشريعية" التي تعني أن الله اذا أمرنا بأمر أو نهانا بنهي فلا بد وأن نطيع كل أمر ونهي لانه لا يأمر لغوا ولا ينهى عبثا بل لحكمة وغاية مقصودة ولهذا أرسل الانبياء ليدلونا عليه ويبينوا لنا أحكامه.

فالعقل اذن الذي أدرك وجود الله عز وجل هو الذي يرشدنا الى وجوب طاعته وحرمة معصيته وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير الى ذلك فالآية التي ترشد الى الولاية التكوينية مثل﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 1 وللولاية التشريعية قوله تعالى﴿ ... إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ... 2. من خلال هذا العرض الموجز نفهم أن من له الولاية علينا أولاً وبالذات هو الله صاحب الولاية الحقيقية المطلقة، وكل من عداه لا ولاية لهم على البشر ولا سلطة الا اذا كانت ترجع في النهاية اليه سبحانه فعند ذاك تحرم مخالفتهم وتجب طاعتهم.

الاصل الثاني: ان حركة الحياة المتصاعدة بسبب النمو والتزايد تبعا للتناسل جيلا بعد جيل ونظرا لتنوع العلاقات الاجتماعية وتعقيدها نتيجة لذلك، أدى كل هذا الى حصول حالات انحراف وصراع داخل المجتمعات البشرية، وهذا يتنافى مع الهدف من خلق الانسان والحياة، فكان لا بد من وجود مرشد للناس إلى الصراط المستقيم والطريق السوي، ولهذا بعث الله الانبياء"ع" بمقتضى لطفه ورحمته بعباده ليهدوهم وينذروهم كما عبر القرآن عن ذلك

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... 3.

لقد حدد الله للانبياء "ع" وظيفتين: الاولى: إحياء فطرة البشر ليتعرفوا من خلالها على ربهم. الثانية: خلق الدوافع الروحية عند المؤمنين لتحقيق ارادة الله على الارض. وللأنبياء في حياتهم مرحلتان -الاولى- تبليغية ارشادية فقط وهذه تكون قبل وصول الانبياء"ع" إلى الاهداف المراد تحقيقها. -الثانية- المحافظة على الاهداف من خلال الولاية التشريعية المعطاة لهم بمعنى حق الطاعة على البشر لمنع الانحراف الذي يرجع بالمسيرة الى الوراء بدلا من دفعها الى الأمام. وهكذا نرى ان الانبياء "ع" اعطوا الولاية التشريعية فقط دون التكوينية التي هي من مختصات الخالق، لكن الله اعطى مثل هذه الولاية لبعض انبيائه في مواطن الحاجة ولكن بمقدار معين يقف عند حدود اثبات النبي من خلال المعجزة انه مرسل من طرف الله عز اسمه لهداية البشرية وانهم ليسوا طالبي جاه او سلطان كما عبر القرآن بذلك﴿ ... إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ... 4.

الاصل الثالث: ولاية الامام المعصوم: وظيفة الانبياء"ع" لا تختص بهم لان الحياة مستمرة وهذا ما يقتضي وجود من يخلف الانبياء لقيادة المسيرة بعد رحيلهم الى الله عز وجل، ولهذا كانت الامامة هي الاستمرار الطبيعي لخط النبوات والرسالات السماوية، لان البشرية معرضة للانحراف في كل وقت ومكان، وهذا يستلزم وجود المراقبين والمشرفين على المسيرة، ولا بد بالتالي من ان يكون الامام متمتعا بسلطات مثل النبي"ع" ليستطيع ممارسة دوره المطلوب منه، ولهذا نجد الاحاديث الدالة على ان كل نبي كان له وصي بعده، ومن هنا كانت الامامة واجبة على الله سبحانه لانها لطف ورحمة بالعباد ولا بد ان يكون الامام اقرب الناس الى الانبياء من حيث القابليات والصفات وهذا ما دلت عليه الاحاديث كما ورد عن الامام زين العابدين"ع" (الامام منا لا يكون الا معصوما، وليست العصمة في ظاهر الخلق فيعرف بها ولذلك لا يكون الا منصوصا). اي محددا من الله عز وجل لا من البشر، لان الناس باعتبار انهم لا يستطيعون اكتشاف الانسان من داخله فهم غير مؤهلين لمعرفة الاقرب الى النبي، بينما الله هو الخالق القادر، ولهذا كان تعيين الامام عندنا بيد الله عز وجل بينما عند غيرنا من المسلمين يتم بالبيعة واختيار الامة.

2- الحاجة الى ولاية الفقيه

نتيجة لاسباب وظروف اجتماعية وسياسية قاهرة اضطرت امام الأصل إلى الغياب عن الانظار، لكن هذا الغياب حتى لا يكون دفعيا و فجأة، لان ذلك يعني القاء أتباع خط اهل البيت"ع" بأيدي الحكام الظالمين وبالتالي ضياع المدافعين عن الحق من حياة الامة الاسلامية، كانت الغيبة الصغرى هي التمهيد المناسب لتعويد الناس على غياب الامام"عج" وعلى رجوعهم في القضايا الى القيادة الشرعية في زمن الغيبة وهم السفراء المنصبون شخصيا من الامام واستمرت هذه الفترة من 260 الى 328 او 329 للهجرة اي ما يقارب السبعين عاما حتى تركزت فكرة الغياب وصار الرجوع الى السفراء جاريا بين الاتباع، عند ذاك لم يعين الامام احدا بعد موت السفير الرابع وكان ذلك ايذانا ببداية الغيبة الكبرى التي سوف تستمر الى ان ياذن الله لوليه بالظهور ليملأ الدنيا قسطا وعدلا، ولهذا صار الفقهاء في زمن الغيبة هم المكلفون بحماية الشريعة، والعمل على منع الانحرافات والسعي لاقامة حكومة الحق الالهي والعدل الرباني، الى هنا ينتهي كلامنا عن الاصول العقائدية لولاية الفقيه التي منها يستمد شرعية حكمه والزامه الناس به.

3- البحث الفقهي لولاية الفقيه

الولاية على الصعيد الفقهي لا تقتصر على ولاية الفقيه بل هناك تطبيقات اخرى لها فمنها:

ولاية الاب على اولاده غير البالغين وعلى من بلغ مجنونا ايضا.

ولاية الوصي على اولاد الميت غير البالغين.

ولاية الاب على البنت البكر البالغة الرشيدة إذا ارادت الزواج.

ولاية الاب على مال ولده غير البالغ.

ولاية صاحب الدين على اخذ حقه من منكره او المماطل فيه مع القدرة على الوفاء.

وهناك تطبيقات غيرها كثيرة توجد في مضامين الفقه عندنا لكن ولاية الفقيه هي اهم واخطر واشمل تلك الولايات جميعا لانها ترجع الى المجتمع ككل بينما غيرها يعالج نواحي شخصية من حياة الامة.

ومن المفروض ان نقول ان كل الفقهاء متفقون على ثبوت الولاية للفقيه وهذا لا خلاف فيه بينهم، لكن الخلاف في حدود هذه الولاية والصلاحيات التي تشملها حيث نرى هنا ان اقوال الفقهاء ثلاثة:

الاول: ان الفقيه له الولاية على الافتاء والقضاء والحكم والامور الحسبية "الاموال الشرعية".

الثاني: حق اقامة الحدود مع ما يتضمنه القول الاول كله.

الثالث: للفقيه الولاية العامة كالمعصوم من حيث العمل الا ما اخرجه الدليل كالجهاد الابتدائي.

اما الادلة على اصل ثبوت الولاية للفقيه فهي الروايات الواردة عن المعصومين"ع" حيث دلت على ذلك مثل "العلماء ورثة الانبياء" و "مجاري الامور بيد العلماء الامناء على حلال الله وحرامه" وقول الامام الصادق"ع" في مقبولة عمر بن حنظلة (ينظر أن من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا راد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله) يضاف إلى ذلك دليل العقل بان المكلف بتطبيق شريعة الله عز وجل لا بد له من السلطات التي تساعده على ذلك وهذا يعني ثبوت الولاية لهم وبما ان الفقهاء هم اقرب ما يكون الى فهم الاسلام من خلال قدرتهم على استنباط الاحكام فهم المؤهلون لقيادة المسيرة في الامة دون غيرهم وقد صدق من قال ان مسالة الولاية للفقهاء مما ينبغي القول بها بداهة وضرورة، وكلامنا عن الولاية هنا مختص بالولاية العامة التي تعني ان الفقيه ياخذ دور المعصوم في الحياة ما عدا ما هو من الاحكام المختصة بالمعصوم كالجهاد الابتدائي فهذا لا يثبت للفقيه زمان الغيبة اما ولايته في باقي الامور فهي على حد ولاية المعصوم تماما بلا نقصان شيء منها، فتشتمل الاموال والانفس والتصرفات فولايته على المال ليست بمعنى ان يسلب الناس اموالها بل بمعنى ان له الحق في التصرف باموال الناس عند الضرورات لمصالح الامة كلها وولايته على الانفس تعني ان له حق الطاعة على الناس فيما يامر به وينهى لا ان تكون الناس عبيدا له.

4-شروط ولاية الفقيه

فالشروط الاساسية للولاية هي التالية ولا بد من توفرها:

الاول: الاجتهاد ونعني به القدرة على اصدار الحكم من خلال الادلة الشرعية المقررة.

الثاني: العدالة ونعني بها فعل الواجبات وترك المحرمات لضمان عدم انحراف الحاكم.

الثالث: الكفاءة في الادارة والتنظيم بمعنى القدرة على تسيير امور الامة واستغلال طاقاتها خير استغلال للوصول بها إلى الاهداف المطلوبة، فكل من لا تتحقق فيه هذه الشروط او بعضها على الاقل لا تثبت له الولاية بالمعنى الذي قلناه.

5- العلاج عند تعدد الفقهاء المؤهلين

قد نجد في بعض الاحيان ان من تثبت لهم الولاية حسب توافر المؤهلات قد يكونون متعددين وفي وقت واحد، وهذا يعني انه اذا اراد جميعهم اعمال الولاية سوف يقع التضارب بين ما يحكمون به، كما انه لا يعقل حصرها في واحد منهم بلا مبرر شرعي لان ذلك قد يؤدي الى الاستبداد، فالوسيلة التي يمكن العمل بها في هذا المجال هي اعطاء الامة دورا في انتخاب واحد من بين المؤهلين، ليكون الانتخاب هو المبرر الشرعي لتخصيص الولاية بواحد منهم وهذا يتوافق مع النظرية الاسلامية من تخصيص قيادة الامة بفردٍ واحد ضمن المؤهلات المذكورة وبرقابة الأمة نفسها لضمان عدم الانحراف، ومن هنا يمكن القول أن ولاية الفقيه كمبدأ تقوم على التفاعل والتلاحم بين الأمة والقيادة بحيث تكون القيادة تحت نظر الأمة وعلى الأمة أن تطيع أوامر القيادة التي ارتضتها من بين المؤهلين للمنصب الخطير، لكن هذا لا يعني إلغاء ولاية الفقهاء الآخرين بل تبقى ولايتهم على الأمور الأخرى ثابتة كالولاية على القضاء والإفتاء والأمور الحسبية لأن هذه الوظائف لا تتوقف على منصب القيادة في الأمة لأن مجالها محصورٌ بأفراد أو جهاتٍ معينة من دون تزاحم بينهما.

6- قيادة الإمام الخميني "دام ظلّه"

وفي عصر الثورة الإسلامية المباركة التي تمكنت من شقّ الطريق بانتصارها على قوى الكفر والاستكبار العالميين لتعطي البشرية جمعاء وبخاصة نحن المسلمين الأمل الحقيقي بالخلاص تحت قيادة الإمام الخميني حفظه الله تعالى للبشرية جمعاء كونه حمل اللواء وتقدّم غيره وحقق الإنجاز التاريخي العظيم في عصر الظلمات هذا، عصر القرن العشرين، فيجب من هذا المنطلق على كل المسلمين أن يطيعوه ويقبلوا قيادته بلا أي مبررٍ للتهرب والاستهداء بارشاداته وتعليماته، لأنه يمثل القيادة الإسلامية الصحيحة والرشيدة حسب مفهومنا الإلهي لمسألة الولاية، وينبغي على الفقهاء الآخرين أن لا يزاحموه لأنه هو الذي تصدّى لنظام الكفر والطاغوت، ونفس تصدّيه هو الذي استطاع تحريك الأمة بتحقيق النصر المبين وهو الذي يعطيه الحق دون غيره من الفقهاء لقيادة الأمة في العصر الراهن.

وعلى هذا نصل إلى النهاية وهي أن منصب ولاية الفقيه هو أعلى منصب في الأمة الإسلامية في زمن غيبة الإمام المهدي"عج" وهو منصبٌ أنيطت به مهمة تدبير شؤون الأمة والقيام بمصالحها ضمن الخط الإلهي المستقيم، وهي عملية تناصح وتشاور من أجل دفع عجلة التقدم الحضاري للأمة إلى الأمام، وبعد رحيل الامام الخميني " قدّس سرّه" إلى ربّه راضياٌ مرضياٌ انتقلت الولاية إلى آية الله العظمى الامام الخامنئي دام ظلّه الذي يسير على نفس النهج الذي أسسه الامام الراحل ودفع بقيادته الحكيمة الأمة الإسلامية دفعات قويّة إلى الأمام نحو الأهداف التي نتطلّع إليها كمسلمين نريد أن نعيش إسلامنا كما أراد الله لنا ذلك ورسوله والأئمة المعصومون (ع)

والحمد لله رب العالمين5.