الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ما حقيقة قول الله تعالى: وجعلناها رجوما للشياطين

نص الشبهة: 

يبدو من ظاهر تعبير آيات قرآنيّة أنّ النجوم جُعلت شُهُباً يُرمى بها الشياطين ، قال تعالى : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ... } . وقال : { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } . وقال سبحانه : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا } . وقال عزّ مَن قائل : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } . غير خفيّ أنّ الشُهُب والنيازك إنّما تَحدث في الغلاف الغازي ( الهواء ) المحيط بالأرض ؛ وقايةً لها ، وقُدّر سُمكُه بأكثر من ثلاثمِئة كيلومتر ، وذلك على أثر سقوط أحجار هي أشلاء متناثرة في الفضاء المتبقّية من كواكب اندثرت تعوم عبر الفضاء ، فإذا ما اقتربت من الأرض انجذبت إليها بسرعة هائلة ما بين 50 و 60 كيلومتراً في الثانية ، تخترق الهواء المحيط بالأرض ، ولاحتكاكها الشديد بالهواء من جهةٍ ولتأثير الغازات الهوائيّة من جهةٍ أخرى تَحترق وتلتهب شعلة نار ، لتتحوّل إلى ذرّات عالقة في الهواء مُكوّناً منها الغُبار الكوني ، وهي في حال انقضاضها ـ وهي تشتعل ناراً ـ تُرى بصورة نجمة وهّاجة ذات ذَنب مستطيل تُدعى الشُهُب والنيازك . فليست الشُهُب سِوى أحجار مُلتهبة في الهواء المحيط بالأرض ، قريبة منها ! فما وجه فَرضها نُجوماً في السماء يُرجم بها الشياطين الصاعدة إلى الملأ الأعلى ؟!

الجواب: 

يجب أنْ نعلم قبل كلّ شيء أنّ التعابير القرآنيّة ـ وهي آخذة في الحديث عن كائنات ما وراء المادّة ـ ليس ينبغي الأخذ بظاهرها اللفظي ؛ حيث الأفهام تقصر عن إدراك ما يفوق مستواها المادّي المحدود، والألفاظ أيضاً تضيق عن الإدلاء بتلك المفاهيم الرقيقة البعيدة عن متناول الحسّ .
وبتعبير اصطلاحي : إنّ الأفهام وكذا الألفاظ محدودة في إطار المادّة الكثيفة ، فلا تَنال المجرّدات الرقيقة .
وعليه ، فكلّ تعبير جاء بهذا الشأن إنّما هو مجاز واستعارة وتمثيل بِلا ريب .
فلا تَحسب مِن الملأ الأعلى عالَماً يشبه عالَمَنا الأسفل ، سوى أنّه واقع في مكان فوق أجواء الفضاء ؛ لأنّه تصوّر مادّي عن أمرٍ هو يفوق المادةّ ومُتجرّد عنها ، وعليه ، فَقِس كلّ ما جاء في أمثال هذه التعابير .
فلا تتصوّر من الشياطين أجساماً على مثال الأناسي والطيور ، ولا رَجمها بمِثل رمي النُشّاب إليها ، ولا مُرودها بمثل نفور الوحش ، ولا استماعها في محاولة الصعود إلى الملأ الأعلى بالسارق المتسلّق على الحيطان ، ولا قذفها بمثل قذف القنابل والبندقيات ، ولا الحرس الذين ملئوا السماء بالجنود المتصاكّة في القِلاع ، ولا رصدها بالكمين لها على غِرار ميادين القتال . . . إذ كلّ ذلك تشبيه وتمثيل وتقريب في التعبير لأمرٍ غير محسوس إلى الحسّ لغرض التفهيم ، فهو تقريبٌ ذهني، أمّا الحقيقة فالبون شاسع والشُقّة واسعة والمسافة بينهما بعيدة غاية البُعد .
قال العلاّمة الطباطبائي : إنّ هذه التعابير في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة ؛ ليُتصوّر بها الأمور الخارجة عن محدودة الحسّ في صور المحسوسات للتقريب إلى الأذهان ، وهو القائل عزّ وجلّ : ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ 1 ( أي لا يتعقّلها ولا يعرف مغزاها إلاّ مَن عَرف أنها أمثال ظاهريّة ضُربت للتقريب محضاً ) .
قال : وأمثال هذه التعابير كثير في القرآن كالحديث عن العرش والكرسي واللوح والكتاب وغيرها .
قال : وعلى هذا ، فيكون المُراد من السماء التي مَلأَتْها الملائكة : عالَماً ملكوتيّاً هو أعلا مرتبة من العالم المشهود ، على مِثال اعتلاء السماء الدنيا من الأرض ، والمُراد من اقتراب الشياطين إليها واستراق السمع والقذف بالشُهب : اقترابهم من عالم الملائكة لغرض ؛ الاطّلاع على أسرار الملكوت ، وثَمّ طردهم بما لا يَطيقون تَحمّله مِن قذائف النور ، أو محاولتهم لتلبيس الحقّ الظاهر ، وثَمّ دحرهم ليعودوا خائبينَ 2 ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ... 3 .
والآيات من سورة الجنّ لعلّها إشارة إلى هذا المعنى ، حيث هي ناظرة إلى بعثة نبيّ الإسلام ، وقد أَيسَ الشيطان من أنْ يُعبد وعلا نفيره .
قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ولقد سمعتُ رنّةَ الشيطان حين نَزل الوحي عليه ( صلّى الله عليه وآله ) فقلتُ : يا رسولَ الله ، ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيسَ من عبادته ) 4 .
يقول تعالى في سورة الجنّ : ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا 5 ـ إلى قوله : ـ ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا 6 ، فهي حكاية عن حالٍ حاضرة وَجَدَتها الجنّ حينما بُعث نبيّ الإسلام .
وبهذا يشير قوله تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 7 ، وقوله : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا 8 .
نعم، كانت تلك بُغية إبليس أنْ يتلاعب بوحي السماء ولكن في خيبة آيسة : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ... 9 ( ظهور شريعته ) ﴿ ... أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 9 ، أي حاول إبليس الحؤول دون بلوغ أُمنيّة الأنبياء ، فكان يَندحر ويَغلب الحقّ الباطل وتَفشل دسائسه في نهاية المطاف .
أمّا عند ظهور الإسلام فقد خاب هو وجنوده منذ بدء الأمر وخَسِر هنالك المُبطلون .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : ( فلمّا وُلد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حُجِب ( إبليس ) عن السبع السماوات ورُميت الشياطين بالنجوم ... ) 10 .
وفي حديث الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق ( عليهم السلام ) في جواب مُساءَلة اليهود : ( أنّ الجنّ كانوا يَسترقون السمعَ قَبل مَبعث النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) فمُنِعت مِن أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم وبُطلان ( عمل ) الكَهَنة والسحرة ) 11 .
وهكذا حاول الشيخ الطنطاوي تأويل ظواهر التعابير الواردة في هذه الآيات إلى إرادة التمثيل ، قال ـ ما مُلخّصه ـ : إنّ العلوم التي عَرفها الناس تُراد لأَمرَين : إمّا لمعرفة الحقائق لإكمال العقول ، أو لنظام المعايش والصناعات لتربية الجسم ، وإلى الأَوّل أشار بقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا ... 12 ، وإلى الثاني قوله : ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ... 13 ، وكلّ مَن خالف هاتَين الطريقتَين فهو على أحد حالَين : إمّا أنْ يُريد ابتزاز أموال الناس بالاستعلاء بلا فائدة ، وإمّا أنْ يُريد الصيت والشُهرة وكسب الجاه ، وكلاهما لا نفع في عِلمه ولا فضل له .
فمَن طلب العِلم أو أكثر في الذِكر ؛ ليكون عالةً على الأُمّة فهو داخلٌ في نوع الشيطان الرجيم ، مرجوم مُبعدٌ عن إدراك الحقائق ومُعذّبٌ بالذّل والهوان ، وهذا مِثال قوله تعالى : ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ 14 ﴿ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى ... 15 ( فلا يعرفون حقائق الأشياء ) ﴿ ... وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ 15 ﴿ دُحُورًا ... 16 بما رُكّب فيهم من الشهوات وما اُبتلوا من العاهات ﴿ ... وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ 16 أي في أَمل متواصل مُلازم لهم مدى الحياة ، فلو حاول أنْ يَخطِف خَطفة من الحقائق حالت دون بلوغه لها الأميال الباطلة ﴿ ... فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ 17 18 .
نعم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء ... 19 ، ولا شكّ أنّها كناية عن حرمانهم العناية الربّانيّة المُفاضة مِن مَلكوت أعلى ، الأمر الذي أُنعِمَ به الرّبانيّون في هذه الحياة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ... 20 ، فملائكة الرَحمة تَهبط إليهم وهم في مواضعهم آمنون مستقرّون سائرون في طريقهم صُعُداً إلى قمّة الكمال .
وكذلك قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء 21 ، أي آخذ في الصعود إلى سماء العزّ والشرف والسعادة . ﴿ ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ... 22 ، فما هذا الصعود وهذا الرفع ؛ إلاّ ترفيعاً في مدارج الكمال .
وهكذا جاء التعبير بفتح أبواب السماء كنايةً عن هطول المطر ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ 23 ، وأمثال هذا التعبير في القرآن كثير 24 ، والجميع مَجاز وليس على الحقيقة سواء في المعنويّات أم الماديّات ، فلو كان عيباً لعَابَه العرب أصحاب اللغة العَرباء في الجزيرة ، لا أرباب اللغة العجماء من وراء البحار.
وأمّا النجوم التي يُرجم بها الشياطين ( أبالسة الجنّ والإنس ) فهم العلماء الربّانيّون المتلألئون في أُفق السماء ، يقومون في وجه أهل الزيغ والباطل فيَرجموهم بقذائف الحُجج الدامغة ودلائل البيّنات الباهرة ، ويَرمونهم من كلّ جانب دحوراً .
فسماء المعرفة مُلئت حرساً شديداً وشُهُباً . قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : ( يَحمل هذا الدِّين في كلِّ قَرن عدولٌ يَنفون عنه تأويل المُبطلينَ وتحريف الغالينَ وانتحال الجاهلين . . . ) 25 .
وقد أطلق النُجوم على أئمة الهُدى ومصابيح الدُجى من آل بيت الرسول ( عليهم السلام ) فقد روى عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... 26 قال : النُجوم آل مُحمّد ( صلّى الله عليه وآله ) 27 .
وفي حديث سلمان الفارسي رضوان الله عليه قال : خَطَبنا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) فقال : ( مَعاشرَ الناسِ ، إنّي راحل عنكم عن قريب ومُنطلق إلى المَغيب ، أُوصيكم في عترتي خيراً وإيّاكم والبِدع ، فإنّ كلّ بِدعةٍ ضلالة وكلّ ضلالة وأهلها في النار ، معاشرَ الناسِ ، مَن افتقدَ الشمس فليتمسّك بالقمر ، ومَن افتقدَ القمر فليتمسّك بالفرقَدَين ، ومَن افتقدَ الفرقَدَين فليَتمسّك بالنجوم الزاهرة بعدي ، أقول قولي واستغفر اللّه لي ولكم ) .
قال سلمان : فتَبِعتُه وقد دَخل بيت عائشة وسألتُه عن تفسير كلامه فقال ـ ما ملخّصه ـ : ( أنا الشمس وعليٌّ القمر ، والفرقَدان الحسن والحسين ، وأمّا النجوم الزاهرة فالأئمة مِن وُلد الحسين واحداً بعد واحد... ) 28 ( كلّما غابَ نجمٌ طلعَ نجمٌ إلى يوم القيامة ) كما في حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رحمة اللّه عليهما قاله في شأن أهل البيت ( عليهم السلام ) 29 .
وفي حديث أبي ذر رضوان اللّه عليه التعبير عنهم بـ ( النُجُوم الهادية ) 30 وأمثال ذلك كثير 31 .