مجموع الأصوات: 12
نشر قبل 10 أشهر
القراءات: 2505

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

وفاة سلمان الفارسي

توفي سلمان الفارسي في المدائن سنة خمس وثلاثين وقيل سنة ست وثلاثين ، في آخر خلافة عثمان ، وكان له ولدان عبد الله وبه يكنى ، ومحمد وله عقب مشهور .
هذه الأقوال في عمره ، وضعناها بين يديك عزيزي القارئ ، وليس لنا رأي في اختيار أحد الأقوال ، لأنها لم تدعم ببرهان أو دليل يصح لنا أن نعتمده وكل ما يسعنا قوله أنه كان من المعمرين .
على فراش الموت لقد آن لهذا الفارس أن يترجل بعد أن حاز قصب السبق في ميدان الإيمان ، لقد كان أروع مثل للعبقرية التي تنجبها أمة فكان " سابق فارس " نحو الإيمان ورائدها نحو الإسلام ، قضى عمره المديد مجدا في طلب الحق والحقيقة حتى كان له ما أراد .

يحدثنا شاذان القمي بسند صحيح عن الأصبغ بن نباتة أنه قال : كنت مع سلمان الفارسي في المدائن ، وقد مرض مرضه الذي مات فيه فلم أزل أعوده في مرضه حتى اشتد به الأمر ، وأيقن بالموت ، فالتفت إلي وقال : يا أصبغ عهدي برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " يا سلمان سيكلمك ميت إذا دنت وفاتك وقد اشتهيت أن أدرك وفاتي دنت أم لا . ويقول الأصبغ : رمق سلمان بطرفه إلى السماء وقال :
يا من بيده ملكوت كل شئ وإليه يرجعون ، وهو يجير ولا يجار عليه ، بك آمنت ، وعليك توكلت وبنبيك أقررت ، وبكتابك صدقت ، وقد أتاني ما وعدتني ، يا من لا يخلف الميعاد ، فلقني بجودك ، واقبضني إلى رحمتك ، وأنزلني إلى دار كرامتك فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأن عليا أمير المؤمنين وإمام المتقين والأئمة من ذريته أئمتي وسادتي .
روى الصدوق أن سلمان مر على المقابر فقال السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين ، يا أهل الدار ، هل علمتم أن اليوم الجمعة ؟ ! ! فلما انصرف إلى منزله ونام وملكته عيناه ، أتاه آت فقال : وعليكم السلام يا أبا عبد الله تكلمت فسمعنا ، وسلمت فرددنا ، وقلت هل تعلمون أن اليوم الجمعة ، وقد علمنا ما تقول الطير في يوم الجمعة : قدوس . . قدوس . . ربنا الرحمن الملك . . ما يعرف عظمة ربنا من يحلف باسمه كاذبا . .

قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " إذا حضرك أو أخذك الموت ، حضر أقوام يجدون الريح ولا يأكلون الطعام " - يعني الملائكة - .
ثم أخرج صرة من مسك ، فقال : هبة أعطانيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم قال لامرأته : قومي أجيفي الباب 1.
قالت زوجته : ففعلت ، وجلست هنيئة ، فسمعت هسهسة ، فصعدت ، فإذا هو قد مات وكأنما هو نائم .

تجهيزه ودفنه قالوا : وإن الذي قام بتجهيزه هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام )2، وكيفية ذلك هو ما رواه الأصبغ بن نباتة ، قال :
فبينما نحن كذلك - مشغولين بموت سلمان - إذ أتى رجل على بغلة شهباء متلثما ، فسلم علينا ، فرددنا السلام عليه .
فقال : يا أصبغ جدوا في أمر سلمان ، وأردنا أن نأخذ في أمره ، فأخذ معه حنوطا وكفنا فقال : هلموا ، فإن عندي ما ينوب عنه . فأتيناه بماء ومغسل ، فلم يزل يغسله بيده حتى فرغ ، وكفنه وصلينا عليه ودفناه ولحده علي ( عليه السلام ) بيده ، فلما فرغ من دفنه وهم بالانصراف تعلقت بثوبه ، وقلت له : يا أمير المؤمنين ، كيف كان مجيئك ؟ ومن أعلمك بموت سلمان ؟

قال : فالتفت ( عليه السلام ) إلي وقال : آخذ عليك - يا أصبغ - عهد الله وميثاقه أنه لا تحدث به أحدا ما دمت حيا في دار الدنيا .
فقلت : يا أمير المؤمنين ، أموت قبلك ؟
فقال : لا يا أصبغ ، بل يطول عمرك !
قلت : يا أمير المؤمنين ، خذ علي عهدا وميثاقا ، فإني لك سامع مطيع ، إني لا أحدث به حتى يقضي الله من أمرك ما يقضي ، وهو على كل شئ قدير .
فقال لي : يا أصبغ ، بهذا عهدني رسول الله ، فإني قد صليت هذه الساعة بالكوفة 3، وقد خرجت أريد منزلي ، فلما وصلت إلى منزلي اضطجعت ، فأتاني آت في منامي وقال : يا علي إن سلمان قد قضى نحبه!

فركبت وأخذت معي ما يصلح للموتى ، فجعلت أسير ، فقرب الله لي البعيد ، فجئت كما تراني ، وبهذا أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).
قال الأصبغ : ثم أنه دفنه وواراه ، فلم أر صعد إلى السماء ، أم في الأرض نزل ، فأتى الكوفة والمنادي ينادي لصلاة المغرب 4.
رواية ثانية عن ( مناقب ابن شهرآشوب ) روى حبيب بن حسن العتكي ، عن جابر الأنصاري قال :
صلى بنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صلاة الصبح ، ثم أقبل علينا فقال : معاشر الناس ، أعظم الله أجركم في أخيكم سلمان ، فقالوا : في ذلك - أي صاروا بين مصدق ومكذب - فلبس عمامة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ودراعته ، وأخذ قضيبه وسيفه ، وركب على العضباء 5 وقال لقنبر 6: عد عشرا ! قال : ففعلت ، فذا نحن على باب سلمان .

قال زاذان : فلما أدركت سلمان الوفاة قلت له : من المغسل لك ؟
قال : من غسل رسول الله . ( يعني عليا ) .
فقلت : إنك بالمدائن وهو بالمدينة !
فقال : يا زاذان ، إذا شددت لحيي ، تسمع الوجبة !
فلما شددت لحييه سمعت الوجبة ، وأدركت الباب ، فإذا أنا بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال : يا زاذان ، قضى أبو عبد الله سلمان ؟
قلت : نعم يا سيدي ، فدخل وكشف الرداء عن وجهه . . . إلى آخر الرواية 7.

ومن الواضح أن هذه الروايات يناقض بعضها بعضا ، فالأولى تقول : إنه - يعني عليا - كان في الكوفة ، والثانية تقول : إنه جاء من المدينة ، إلى غير ذلك .
ولكن لنا أن نقول : بأن هذا الأمر شائع بين الناس ، بل بين الخاصة إلى عصرنا الحاضر ، فالمعروف أن الذي جهز سلمان ( رضي الله عنه ) هو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولعل عدم إثبات المؤرخين لمثل هذا في كتبهم يرجع إلى تكذيب القصة من أساسها ، حيث أن أذهانهم لا تتحمل فكرة انتقال الأجسام من مكان إلى مكان بسرعة غير طبيعية ، غير أن قدرة الله سبحانه لا يقف دونها شئ فهو مسبب الأسباب ، والقادر على تهيئتها متى شاء ، وقد ورد في كتابه الكريم مثل لما نحن في صدده ، في عرضه لقصة " عرش بلقيس " حيث قال تعالى :* ( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ) *8.

وهكذا في طرفة عين كان عرش بلقيس ينقل من اليمن إلى القدس على يد صاحب سليمان " آصف بن برخيا "9 الذي عنده علم من الكتاب لا علم الكتاب كله .
فما ظنك بصاحب محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذي قال فيه ( صلى الله عليه وآله ) : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وعنده علم الكتاب بحسب نص الآية الشريفة .
هذه القضية تعتبر من الكرامات المشهورة لأمير المؤمنين ( عليه السلام )10.

 

  • 1. نفس المصدر / 383 ، ومعجم رجال الحديث 8 / 195 معنى أجيفي : .
  • 2. سلمان الفارسي / 139 .
  • 3. الإمام ( عليه السلام ) كان بالمدينة أيام عثمان الأخيرة .
  • 4. البحار 22 / 380 .
  • 5. ناقة النبي .
  • 6. خادم الإمام .
  • 7. البحار 22 / 373 .
  • 8. النمل ( 38 - 39 ) .
  • 9. مجمع البيان ج 7 ص 223 .
  • 10. المصدر: كتاب الأعلام من الصحابة والتابعين، تأليف الحاج حسين الشاكري رحمه الله.