الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ان عليا لم يحتج في ما ثبت عنه بأي قول يشير إلى النص عليه

نص الشبهة: 

قال البغدادي: «والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (عليه السلام) لم يحتج لنفسه ـ فيما ثبت عنه ـ بأي قول يشير إلى هذا (التعيين)».

الجواب: 

اقول: لقد احتج علي (عليه السلام) بحديث الغدير وقد تواتر ذلك عنه في كتب الحديث.

الرد على الشبهة

أقول:
أولا:
لقد ثبت تاريخيا ان عليا (عليه السلام) قد احتج بحديث الغدير في أكثر من مناسبة كان اشهرها في المصادر التاريخية والحديثية الميسرة بين أيدينا هي مناشدته للناس في مسجد الكوفة بعد عودته من حرب الجمل.
قال عبد الحق الدهلوي البخاري 1 في كتابه اللمعات في شرح المشكاة في تعليقه على حديث الغدير:
«وهذا حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي واحمد وطرقه كثيرة جدا رواه ستة عشر صحابيا 2 وفي رواية لاحمد انه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي (عليه السلام) لما نوزع أيام خلافته وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته 3 ولا إلى قول بعضهم (ان زيادة اللهم وال من والاه إلى آخره) موضوع فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي 4 كثيرا منها كذا قال الشيخ ابن حجر في الصواعق المحرقة».
أقول:
روى احمد بن حنبل عن عبد الله بن عمر الجشمي البصري (ت 235) عن عبيد الله بن عمر القواريري عن يونس بن أرقم عن يزيد بن زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت 83) قال شهدت عليا في الرحبة 5 قال: «انشد الله رجلا سمع رسول الله وشهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من رآه فقام اثنا عشر بدريا فقالوا نشهد انا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم (الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم فقالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)» 6.
وفيه أيضا بسند آخر قال (صلى الله عليه وآله) «واخذل من خذله» 7.
وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة (ت 100) 8 قال:
«جمع علي (عليه السلام) الناس في الرحبة ثم قال لهم:انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.
قال أبو واثلة: فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت عليا (عليه السلام) يقول كذا وكذا.
قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له» 9.
وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر 10.
ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده علي (عليه السلام) لم يكن يتضمن ذكر علي (عليه السلام) فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته، وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:
«خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهينا إلى غدير خم عند شجيرات خمس ودوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجيرات ثم استراح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال:
أيها الناس إني تارك فيكم أمرين 11 لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه...» 12.
وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي «وان اللطيف الخبير نَبَّأَني انهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم» 13.
وقد ورد حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته في مناسبات شتى ولم يكن مقتصرا على مناسبة غدير خم.
قال ابن حجر الهيثمي: «اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا عديدة كثيرة وردت عن نيف وعشرين 14 صحابيا وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة 15 وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه 16 وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم وفي آخر انه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف 17» 18.
ثانيا:
وفي ضوء حديث الثقلين وحديث الولاية كان علي (عليه السلام) أيام حكومته يوضح للناس حقيقة منزلته ومنزلة أهل البيت (عليهم السلام).
فمن كلماته قوله (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ولا يُسَوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفىء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل لى منتقله» (خ 2).
وقوله (عليه السلام): «أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، ان رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، و يستجلى العمى، ان الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (خ 152).
وقوله (عليه السلام): «وخلف فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلَّف عنها زهق، ومن لزمها لحق».
وقوله (عليه السلام): «هم عيش العلم وموت الجهل.. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه وانقطع لسانه عن منبته» (خ 239).
وقوله (عليه السلام) عن نفسه: «وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد» (الكلام رقم 451).
وقوله (عليه السلام): «لقد علمتم اني أحق بها من غيري» خ 74.
وقوله (عليه السلام): «أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلىَّ الطير» (خ 3).
وفي ضوء ذلك يتضح ان الولاية لعلي (عليه السلام) في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) لا تعني المحبة والنصرة 19، لان هذين الأمرين من حق كل مؤمن، و علي (عليه السلام) أول المؤمنين، وليست لغيره سوابق في الإيمان والجهاد كسوابقه بل ليست لغيره من الطاعة والانقياد لله ورسوله كانقياده وطاعته، وحقه في المحبة والنصرة محفوظ من هذه الناحية، وإنما أراد بالولاية تلك الولاية الخاصة بالرسول دون غيره من المؤمنين، هذه الولاية التي تجعل المؤمنين إلى آخر الدنيا في جانب والرسول في جانب آخر، وولاية الرسول التي ينفرد بها هي ولاية الله تعالى، وولاية الله تعالى لا تقف عند حدود المحبة والنصرة، بل تمتد إلى جانب الإتباع والطاعة والاحتكام إليه، والوقوف عند أمره ونهيه حيا كان او ميتا 20 ومن قوله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فهذا علي مولاه. (الإمامة وقيادة المجتمع للحائري ص213).، وهذا هو المعنى الذي فهمه أبو واثلة واستعظمه، لان معناه عليه ان يرتبط بعلي (عليه السلام) كارتباطه برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعد موته وهكذا كان أمره إذ عرف أبو الطفيل عامر بن واثلة انه من شيعة علي (عليه السلام) وشهد مشاهده كلها، وبقي أبو الطفيل بعد علي (عليه السلام) وقد سأله معاوية يوما كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن يا بن واثلة قال: كحب الفاقد لأخيها وزوجها وولدها وإلى الله تعالى أشكو التقصير 21.
ثالثا:
وإذا أراد القارئ الكريم مزيدا من التفصيل عن حديث الغدير وما أثير حوله من اشكالات سندية ودلالية وأجوبة علماء الشيعة على ذلك فعليه بكتاب الغدير ج 1 للعلامة الاميني (رحمهم الله) وكتاب عبقات الأنوار ج 6 ـ 9 تعريب وتلخيص العلامة الميلاني فأنهما أوسع وافضل ما كتب في هذا الباب 22.

  • 1. عالم سني انظر ترجمته في كتاب سبحة المرجان ص 52.
  • 2. بل سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) كل من كان معه في حجة الوداع وهم مابين سبعين ألف إلى مائة ألف وقد أحصى العلامة الأميني في كتابه الغديرالجزء الأول مائة وعشرة من الصحابة في ضوء المصادر الحديثية والتاريخية التي تيسرت له.
  • 3. كان ممن قدح في صحة حديث الغدير ابن حزم الأندلسي في ما نقل عنه ابن تيمية في منهاج السنة ج4: 86، وقال ابن تيمية في الصفحة نفسها عن حديث الغدير انه ليس في الصحاح ولكن هو مما رواه العلماء وتنازع الناس في صحته ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث انهم طعنوا فيه وضعفوه. وذهب إلى تضعيفه أيضا الايجي في المواقف ج 8: 391، والرازي في كتابه نهاية العقول، وقد استوفى الرد عليهم صاحب العبقات، انظر خلاصة عبقات الأنوار ج 6: 135 ـ 404.
  • 4. قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ج14: 277: «جمع الطبري (ابن جرير) طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء رأيت شطره فبهرني لسعة رواياته وجزمت بوقوع ذلك. ونقل عنه ابن كثير في تاريخه ج5: 214 انه قال «وصدر الحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر اتيقن ان رسول الله 9 قاله، واما (اللهم وال من والاه) فزيادة قوية الاسناد».
    أقول: وقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء ج 18: 83 ـ 85. ان بعض الشيوخ ببغداد قال بتكذيب حديث غدير خم وقال ان علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله 9 بغدير خم فبلغ أبا جعفر الطبري ذلك فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب وذكر طرق حديث غدير خم، قال ياقوت قال أبو بكر بن كامل حضرت أبا جعفر الطبري حين حضرته الوفاة فسألته ان يجعل كل من عاداه في حل فقال كل من عاداني وتكلم فيَّ إلا رجلا رماني ببدعة قال ياقوت ودفن ليلا خوفا من العامة لانهم كانوا يتهمونه بالتشيع.
    أقول: اتهم الطبري بالتشيع لروايته حديث الغدير في كتابه الذي ذكره الذهبي وحديث الوصية في كتابه التاريخ وكانت عقيدته كما ذكر ياقوت هي الاعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر وعثمانوعلي7 وما عليه أصحاب الحديث في التفضيل وكان يكفِّر من كفَّر أصحاب رسول الله من الروافض والخوارج ولا يقبل أخبارهم ولا شهاداتهم (معجم الأدباء ج 18: 83 ـ 85).
  • 5. الرحبة: ساحة مسجد الكوفة.
  • 6. ج 1: 119 قال في الفتح الرباني إسناده صحيح.
  • 7. ج 1: 119 وفيها (إلا ثلاثة لم يقوموا فأصابتهم دعوته).
  • 8. صحابي ولد في أحد وأدرك من عمره ثماني سنوات مع النبي (صلى الله عليه وآله).
  • 9. ج 4: 370.
  • 10. وقد روى حديث المناشدة هذا من التابعين منهم سعيد بن وهب، و زيد بن يثيع، وعبد خير، وحبة العرني، وعمرو بن ذي مر، وسعيد بن حدان، وأبو سليمان، وزاذان، وعميرة بن سعد، وغيرهم وقد اخرج أحاديث هؤلاء أبو نعيم في حلية الأولياء وابن كثير في البداية والنهاية والخطيب في تاريخ بغداد والنسائي في الخصائص وابن المغازلي في المناقب وابن حجر العسقلاني في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة وغيرهم.
  • 11. في رواية مسلم واحمد (ثقلين).
  • 12. المستدرك على الصحيحين 3: 110، 3: 533 تاريخ دمشق ترجمة علي (عليه السلام) ج 2: 36 الحديث رقم 534 وقد رواه البلاذري أيضا في الحديث رقم 48 من ترجمة علي (عليه السلام)ص110 تحقيق المحمودي وفيه قول النبي (صلى الله عليه وآله) (كأني قد دعيت فأجبت وان الله مولاي وانا مولى كل مؤمن وانا تارك فيكم...) ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ج 2 ص 206 عن سنن النسائي ورواه أيضا محمد بن جرير الطبري عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم وعن عطية عن أبي سعيد الخدري ورواه أيضا ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص23. كما ورواه أيضا في كنز العمال ج 13: 104الحديث رقم (36340) تصحيح الشيخ صفوة السقا.
  • 13. المعجم الكبير ج 5: ص 167 الحديث رقم4971 وقال في مجمع الزوائد 9: 164 فيه حكيم بن جبير وهو ضعيف قال ابن حجر في التقريب ضعيف رمي بالتشيع.
  • 14. في غاية المرام للبحراني وصلت الأحاديث من طرق السنة إلى 39 حديثا.
  • 15. كما روى ذلك الترمذي في ج 5: 621 و المزي في تهذيب الكمال ج 10: 51 والخطيب التبريزي في المشكاة ج 3: 258 و الطبراني في المعجم الكبير ج 3: 63 ح 2679.
  • 16. أخرجه العصامي في سمط النجوم العوالي ج 2: 502 برقم 136 عن أبي بكر بن أبي شيبة، وذكره أيضا البزار في زاوئده.
  • 17. أخرجه في الصواعق ص75 عن ابن أبي شيبة.
  • 18. الصواعق المحرقة 79 ـ 90.
  • 19. كما ذهب إلى ذلك الدهلوي صاحب التحفة الاثني عشرية والشيخ النبهاني في كتابه الشخصية الإسلامية ج 2: 69 وغيرهما من علماء السنة.
  • 20. قال السيد كاظم الحائري: ان ولاية المعصوم غير مخصوصة بأيام حياته ونفهم ذلك من قوله تعالى ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ... ﴾ القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 6، الصفحة: 418.
  • 21. كتاب الوافدين من الرجال على معاوية للعباس بن بكار الضبي ص 26.
  • 22. هذا الموضوع ردٌّ على شبهة أثارتها نشرة الشورى ـ و هي نشرة تابعة لأحمد الكاتب ـ بتوقيع الدكتور عبد الله البغدادي، و تعليقاً على صاحب هذا الإسم يقول السيد سامي البدري: لا ندري فيما إذا كان هذا الاسم له وجود واقعي أو هو اسم مستعار آخر لصاحب النشرة ! و على أي حال فهذه الشبهة هي واحدة من الشبهات المثارة من قِبَل هذه النشرة و التي تصدى لردها سماحة السيد سامي البدري في كتابه " شبهات و ردود ". شبهات وردود: الحلقة الثانية: الرد على الشبهات التي أثارتها نشرة الشورى حول النص على الإمام علي (ع): الفصل الرابع.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا