مجموع الأصوات: 9
نشر قبل 4 أشهر
القراءات: 452

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الاحتكار في الاصطلاح الفقهي

نقصد بالاصطلاح الفقهي هنا ما جاء في تعريف الاحتكار في كلمات الفقهاء المسلمين، حيث سنقوم برصد هذه التعريفات وإجراء مقارنات سريعة بينها والتعليق عليها، لننظر في نهاية الأمر هل للفقهاء اصطلاح خاص للاحتكار يختلف عن معناه اللغوي أم لا؟

فقد ميّز ابن عابدين (الفقه الحنفي) بين التعريف اللغوي والشرعي للاحتكار فعرّفه شرعاً بقوله: «اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً» 1.

ومن الواضح هنا إدخال عنوان الشراء السابق في تعريف الاحتكار، وكذلك إقحام المدّة الزمنية فيه.

وعرّفه الكاساني الحنفي بقوله: «أن يشتري طعاماً في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضرّ بالناس، وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى مصر، وذلك المصر صغير، وهذا يضرّ به يكون محتكراً، وإن كان مصراً كبيراً لا يضرّ به لا يكون محتكراً» 2.

ويبدو من الكاساني أنه يقحم الإضرار في تعريف الاحتكار من الزاوية الفقهية، فكأنّ الإضرار هو المعيار الذي يدور الاحتكار حوله، ولهذا ميّز بين المصر الصغير والمصر الكبير من هذه الناحية.

وفي كتاب الأحكام للإمام يحيى بن الحسين (الفقه الزيدي) جاء: «وإنما معنى الاحتكار أن يكون في حبسه (الطعام ظاهراً) شيء من الضرر» 3.

ويفهم من شرح الأزهار (الفقه الزيدي) أنّ معنى الاحتكار هو حبس قوت الآدمي أو البهيمة ممّا فضل عن كفاية المحتكر وكفاية من يمون إلى الغلّة أو إلى سنة إن لم تكن غلّة، متربصاً به الغلاء مع حاجة الآخرين إليه ولا وجود للعين إلا مع محتكر مثله 4.

وعرّفه النووي في المجموع (الفقه الشافعي) بعد تقييده بالأقوات بأن يبتاع في وقت الغلاء ويمسكه ليزداد في ثمنه 5، لكنه يقدّم له تعريفاً أكثر وضوحاً في روضة الطالبين فيقول: «أن يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يدعه للضعفاء، ويحبسه ليبيعه بأكثر عند اشتداد الحاجة، ولا بأس بالشراء في وقت الرخص ليبيع في وقت الغلاء» 6.

إنّ هذا التعريف الموجود عند الشافعية يحصر الاحتكار بعملية شراء السلعة وسحبها من الأسواق في وقت الغلاء لا الرخص، وهو قيد مهم جداً لم نجده في كلمات الكثير من الفقهاء، وقد تردّد هذا التعريف في كلمات فقهاء الشافعية مع اختلافات طفيفة، كما يظهر من غير واحد منهم 7، والملفت أنّ العلامة الحلّي من الإمامية اختار هذا التعريف بعينه في كتابه «نهاية الإحكام» 8. كما يبدو من التعريف الشافعي أخذ الشراء المقصود منه الاحتكار قيداً في تعريف الاحتكار.

وقد ذكر ابن حزم الأندلسي (الفقه الظاهري) أنّ الحكرة المضرّة حرام سواء في الشراء أو في إمساك ما اشترى 9.

وعرّفه البهوتي في كشاف القناع (الفقه الحنبلي) بأنه شراء القوت للتجارة وحبسه ليقلّ فيغلو 10.

وأما الإمامية، فقد عرّفه الشيخ الطوسي وغيره بأنه حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن من البيع مع الحاجة الشديدة إليها ولا باذل 11. وظلّ هذا التعريف موجوداً عند غير واحد من الفقهاء بعده مع اختلاف طفيف، كإضافة الملح، أو بيان الغرض كالاستبقاء للزيادة 12.

وعرّفه المحقق النراقي بأنه «حبس الشيء انتظاراً لغلائه» 13، وتعريفه هذا لو استمرّ معه معناه عدم أخذ الشراء السابق والجمع المتقدّم في مفهوم الاحتكار.

كانت هذه بعض التعريفات الفقهية عند المذاهب الإسلامية، ويلاحظ منها عدّة أمور:

الأول: إنّ أغلب التعريفات، إن لم يكن جميعها، يدخل قيد الطعام في تعريف الاحتكار، الأمر الذي يتطابق مع ما فهمناه من المعنى اللغوي سابقاً، نعم فقهاء الإمامية قيّدوا الطعام في الغالب ببعض الأنواع التي بلغت الأربعة أو الخمسة أو الستّة وبعض قليل منهم ـ كما سيأتي ـ عمّم لمطلق الأطعمة ونادراً ما لاحظنا من اختار الشمول لغير الطعام.

الثاني: الملاحظ في غير واحد من التعريفات أخذ قيد الشراء والجمع بقصد الاحتكار، فلا يكون الاحتكار بمجرّد الحبس، بل يكون بعملية الشراء الهادفة إلى جمع الطعام من السوق بهدف حبسه انتظاراً للغلاء، وهذا ما قلنا سابقاً بأنّ التعريفات اللغوية غير ظاهرة فيه، وناقشنا كلام العلامة شمس الدين فيه. وفقط كلمات قليلة ـ كتعريف الشيخ النراقي ـ كانت خالية من عنصر الجمع السابق هذا.

الثالث: إن بعض التعريفات ـ مثل تفسير ابن عابدين ـ جاء فيها بيان المدّة الزمنية وبعضها الآخر لم يرد فيه ذلك.

الرابع: إنّ هناك قيدين ذكرا في تعريفات الفقهاء، فبعضهم عبّر بحاجة الناس إلى السلعة أو حاجتهم الشديدة أو حاجتهم الظاهرة، وبعضهم عبّر بالضرر، ومن الواضح أنّ مفهوم الحاجة وإن أطلق وأريد به ذلك إلا أنّه يظلّ أعم في كثير من الأحيان من مفهوم الضرر بما له من معطيات فقهية خاصّة، إلا أنّ الراجح أن الجميع قصد شيئاً واحداً؛ لأنّ الحاجة الشديدة تدفع الناس للشراء الذي سيلحق ضرراً مالياً بهم من خلال ارتفاع الأسعار ارتفاعاً غير معقول، وإذا لم يشتروا فسيتضرّرون أيضاً بحكم حاجتهم إلى الطعام.

الخامس: لاحظنا في بعض التعاريف ذكر قوت الآدمي والبهائم، فيما أطلقت تعاريف أخرى كلمة الطعام، وبيّنت ثالثة ـ كما في الفقه الإمامي ـ بعض أصناف الطعام. وإذا بقينا مع التعريفات فقد يدّعى أن المنصرف من الطعام والعناوين الخاصة ما كان للإنسان بخصوصه لا ما شمل البهائم والحيوانات المملوكة، إلا أنّه ليس من البعيد أن تكون مشمولةً حتى مع عدم التصريح بها؛ لأنّ عنصر الحاجة أو عنصر الضرر المأخوذ في التعريف له قدرة الشمول لطعام البهائم والحيوانات، إذ ستكون النتيجة إما موت الحيوانات أو هزالها وضعفها أو دفع مالكها المال الكثير لشراء الأطعمة لها، الأمر الذي يحقّق في الحالات الثلاث عنواني الضرر والحاجة.

السادس: يبدو من تعريف الفقه الشافعي أنّ الاحتكار إنما يكون بالابتياع للسلع المحتكرة وقت الغلاء لا وقت الرخص، وهذا التقييد لم نلاحظ وجوده عند أغلب فقهاء المذاهب الأخرى، ولا نرى موجباً له كما سيأتي؛ لخلوّ الدلالات اللغوية والعرفية عن ذلك إلى جانب عدم وجود نصوص دينيّة فيه، ولهذا عمّم ابن حزم ـ كما تقدم ـ الحكرة للشراء وإمساك ما اشترى.

السابع: لم يشر الفقهاء إلى المفهوم الاقتصادي المقابل للاحتكار، والذي هو عبارة عن العرض وكذلك المنافسة، فالسوق التي تقوم على المنافسة الحرّة يفترض أن تواجه الاحتكار بطبيعتها، كما يظهر ذلك من كلمات الاقتصاديين.

وهذا الأمر قد لا يكون دقيقاً في بعض الأحيان، أو يحتاج إلى توضيح؛ لأنّ السوق تارةً يحكمه الاحتكار وأخرى يقوم على التنافس التام وثالثة يقوم على التنافس الاحتكاري «كصناعة الملابس» ورابعة على ما يسمّى باحتكار القلّة وهي مجموعة تحتكر بضاعة لا فرداً واحداً.

ويقابل الاحتكار ظاهرة أخرى أيضاً وهي ظاهرة الإغراق التي تغرق السوق بسلعة بهدف الإضرار بدول معيّنة أو تجار محدّدين. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى تحليل عناصر الالتقاء والافتراق بين مفهوم الاحتكار فقهيّاً وقانونياً واقتصادياً.

ومن خلال هذا العرض والتحليل الموجزين يتبيّن أنّ المعنى المصطلح للاحتكار لا يتطابق مع المعنى اللغوي، نعم هو من أفراده ومصاديقه وتطبيقاته، فإن قصد بالتطابق 14 هذا المقدار كان صحيحاً، وإلا فإنّ المعنى اللغوي ليست فيه جملة وافرة من هذه القيود والتخصيصات 15 16.

 

  • 1. حاشية ردّ المحتار 6: 717.
  • 2. بدائع الصنائع 5: 129.
  • 3. كتاب الأحكام في الحلال والحرام 2: 39.
  • 4. الإمام أحمد المرتضى، المنتزع المختار 3: 80 ـ 81.
  • 5. المجموع 13: 44.
  • 6. روضة الطالبين 3: 78.
  • 7. انظر: مغني المحتاج 2: 38؛ وحواشي الشرواني والعبادي 4: 317 ـ 318؛ والبكري الدمياطي، إعانة الطالبين 3: 31.
  • 8. نهاية الإحكام في معرفة الأحكام 2: 513.
  • 9. المحلّى 9: 64.
  • 10. كشاف القناع 3: 216.
  • 11. الطوسي، النهاية: 374؛ وشمس الدين محمد بن شجاع القطّان الحلّي، معالم الدين في فقه آل ياسين 1: 337.
  • 12. انظر: ابن حمزة، الوسيلة: 260؛ والحلي، السرائر 2: 238 ـ 239؛ وجامع الخلاف والوفاق: 279؛ وتحرير الأحكام 2: 254؛ وتذكرة الفقهاء 12: 166؛ وقواعد الأحكام 2: 11؛ والدروس الشرعية 3: 180؛ وتحرير الوسيلة 1: 501 ـ 502؛ والخوئي، منهاج الصالحين 2: 13؛ وهداية العباد 1: 347.
  • 13. مستند الشيعة 14: 44؛ وانظر: الشريف الجرجاني، التعريفات: 4؛ وأحمد بن علي كاشف الغطاء، سفينة النجاة ومشكاة الهدى ومصباح السعادات 3: 159؛ ومحمد علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1: 109، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى، 1996م.
  • 14. انظر دعوى التطابق في: موسوعة الفقه الإسلامي 6: 123.
  • 15. مقتبس من بحث "فقه الاحتكار في الشريعة الاسلامية".
  • 16. المصدر: الموقع الرسمي للأستاذ حيدر حب الله حفظه الله.