مجموع الأصوات: 5
نشر قبل 3 أشهر
القراءات: 413

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الاحتكار في اللغة

تعدّدت الكلمات في كتب اللغة ومصادر العربية حول كلمة الاحتكار والحكرة. قال الفراهيدي: «الحكر، الظلم في النقص وسوء المعاشرة، وفلان يحكر فلاناً: أدخل عليه مشقةً ومضرّةً في معاشرته ومعايشته، وفلان يحكر فلاناً حكراً. والنعت حكر … والحكر: ما احتكرت من طعام ونحوه مما يؤكل، ومعناه الجمع، والفعل: احتكر، وصاحبه محتكر ينتظر باحتباسه الغلاء» 1.

وقال الجوهري: «احتكار الطعام: جمعه وحبسه يتربّص به الغلاء، وهو الحكرة بالضم» 2.

وقال ابن فارس: «الحاء والكاف والراء أصلٌ واحد، وهو الحبس. والحكرة حبس الطعام منتظراً لغلائه، وهو الحكر، وأصله في كلام العرب الحكر، وهو الماء المجتمع كأنه احتكر لقلّته» 3.

وقد ذكر ابن الأثير أنه الشراء والحبس حتى يقلّ فيغلو سعره، وأنّ أصله من الجمع والإمساك 4.

وقال ابن منظور: «الحكر: ادّخار الطعام للتربص، وصاحبه محتكر. ابن سيدة: الاحتكار جمع الطعام ونحوه مما يؤكل واحتباسه انتظار وقت الغلاء به.. والحِكر والحُكر جميعاً: ما احتكر. ابن شميل: إنّهم ليتحكّرون في بيعهم ينظرون ويتربصون، وإنه لحكر لا يزال يحبس سلعته والسوق مادّة حتى يبيع بالكثير من شدّة حكره، أي من شدّة احتباسه وتربّصه. قال: والسوق مادّة أي ملأى رجالاً وبيوعاً..» وذكر نحو ما تقدّم أيضاً 5.

وقال الفيروزآبادي: «الحكر: الظلم، وإساءة المعاشرة.. وبالتحريك ما احتكر، أي احتبس انتظاراً لغلائه.. وفاعله: حكر..» 6.

وقال الزبيدي: «الحكر، بفتحٍ فسكون: الظلم والتنقّص وإساءة المعاشرة والعسر والالتواء.. يقال: حكره يحكره حكراً: ظلمه وتنقّصه وأساء عشرته.. والحَكَر بالتحريك: ما احتكر من الطعام ونحوه مما يؤكل، أي احتبس انتظاراً لغلائه.. والتحكّر: الاحتكار.. والحُكرة، بالضم: اسم من الاحتكار» وذكر قريباً مما تقدّم أيضاً 7.

وقد تعرّض اللغويون لمعانٍ أخرى للحكر لا تتصل بموضوع بحثنا، إلا من حيث جامع القلّة كالعقب الصغير، والماء القليل المجتمع، والماء القليل، كما استعملت ـ كما رأينا ـ بمعنى اللجاجة والاستبداد والمماراة والملاحاة، والعسر، والالتواء، والتحسّر.

وقفة تحليلة مع النصوص اللغويّة

يلاحظ من رصد كلمات اللغويين هنا ما يلي:

أولاً: إنّ الجذر اللغوي للمادّة «ح. ك. ر» ترجع إلى الحبس، في حين يظهر من مثل الفراهيدي أنّ المعنى الأوّل هو الظلم في النقص. ولا يبدو لنا وجود منافاة؛ فإنّ الحقّ ما ذهب إليه ابن فارس، وإنما ذكرت بعض الكلمات مسألة الظلم من حيث ارتباط الحبس الموجب لقلّة الأمر لظلمٍ وارد على الآخرين، فكأنّ بعض اللغويين عرّف الحكر بذاته وهويته بوصفه فعلاً، وبعض آخر عرّفه بآثاره اللازمة الناشئة عنه.

وهكذا إذا لاحظنا كلماتهم نجد ـ كما هي طريقتهم ـ تارةً يعرّفون الشيء بعناصره الأولية، وأخرى بأسبابه الملازمة له، وثالثة بآثاره الناتجة عنه وهكذا.

ثانياً: يظهر من كلمات اللغويين المتقدّمة ارتباط الاحتكار بالطعام حيث لاحظنا حضور هذا الأمر بشكل واضح، إلا أنّ ما يبدو من بعض الكلمات الأخرى لهم عدم ارتباطه بذلك بل هو عام، كما يظهر من جمهرة اللغة 8، حيث كان الحديث عن مطلق السلعة، من هنا ذهب بعضهم إلى أنّ المدلول اللغوي لكلمة الحكرة والاحتكار لا يختصّ بالطعام وأنّه إنما ذكر لغلبة حصول الاحتكار في الأطعمة ومطلق ما يؤكل في ذلك الزمان، لا لكون نوعية السلعة المحتكرة ـ وهي ما يؤكل ـ ذات دور في تعيين هوية الاحتكار وحقيقته 9، ولهذا ذهب المحقّق النراقي إلى أنّ الكلمات التي خصّت الاحتكار بالطعام يراد منها حسب الظاهر ما هو الممنوع من الاحتكار شرعاً، لا ما هو المدلول للاحتكار لغةً 10، في إشارةٍ منه لقضيّة عامة تتصل بأداء اللغويين، حيث يتأثر بعضهم بالخلفيات والمرتكزات العقدية والفقهية في عرضه لدلالات الكلمات في اللغة العربية كما يتهم في ذلك الراغب الإصفهاني.

وهذا الكلام ممكن جداً من الناحية اللغوية، ويساعد عليه:

أ ـالجذر اللغوي للكلمة فإنه ـ كما ذكر ابن فارس ـ مطلق الحبس بلا تقييد بنوعية خاصّة في الشيء المحبوس.

ب ـالمعنى العام الذي ذكره بعضهم للاحتكار من حيث الآثار، وهو النقص وسوء المعاشرة وإدخال مشقّة على الآخرين، كما جاء في كلمات الفراهيدي والفيروزآبادي والزبيدي؛ فإنّ هذه الآثار وإن كانت آثاراً لاحتكار خصوص الطعام إلا أنها تملك صلاحية الشمول، فذكرها بلا تقييد لها بالطعام يشكل قرينة ـ وليس دليلاً ـ على العموم.

ج ـالمعاني اللغوية الأخرى التي ذكرها اللغويون للكلمة والتي أسلفنا أنها تلتقي في جامع القلّة وسوء المعاشرة فتؤكّد ما قلناه سابقاً.

هذه الشواهد المساعدة تدفع للميل إلى عدم خصوصية الطعام في كلمات اللغويين وأنهم جروا فيه على عادتهم من ذكر الغالب لا التعريفات المنطقية الدقيقة، وإذا لم تكن هذه الشواهد حاسمة فلا أقلّ من أنها تعيق دلالة الحصر والتقييد بالطعام ونحوه في كلمات اللغويين.

إلا أنّ الإنصاف أنه لا مانع من وجود استخدامين لكلمة الاحتكار:أحدهما عام في الضيق أو الحبس أو غير ذلك، وثانيهما خاص بحبس الطعام بحيث عندما يربط الاحتكار بمجال السلع والبيوع يدلّ على المعنى الخاص، ومن ثم يكون ذلك في قوّة المشترك اللفظي الدائر بين العام والخاص، مثل الغنيمة، وفي هذه الحال لابدّ أن ينظر في سياق النصوص ليساعد على تحصيل المعنى العام أو الخاص.

ثالثاً: الذي يظهر من كلمات اللغويين أنّ الاحتكار ـ بوصفه عملاً وفعلاً ـ يحوي خصائص وهي:

1ـ الجمع والحبس،وهذا من الواضحات، ولا تمييز بين الجمع والحبس خلافاً لبعض الفقهاء 11، فلم يظهر لنا أنّ عملية الجمع للسلع مقوّمة لهوية الاحتكار لغةً، فلو فرضنا أنه اشترى بضاعة بأعداد كبيرة لا يريد بذلك جمعها من السوق وصادف أنّ هذه البضاعة قد نفذت من السوق لا أنه جمعها، فتمنّعه هنا من البيع يصدق عليه الاحتكار لغةً.

نعم، إذا قصد من الجمع ما يقابل النشر والتفريق والتوزيع كان مقبولاً، لكنّه لا يبتعد كثيراً عن معنى الحبس المأخوذ هنا، وهو مراد اللغويين الذين عبّروا بالجمع، باستثناء ابن سيده الذي ذكر جمع الطعام ثم ذكر احتباسه بما يدلّ على المغايرة وإن احتمل العطف للتوضيح فقط.

وعليه، فليس الجمع ـ بما هو مصدر ـ مأخوذاً في هوية الاحتكار لغةً وعرفاً، وإن كان الاحتكار المسبوق بشراء السلع وجمعها من السوق عن قصد مسبق ونية متعمّدة لذلك من أوضح مصاديق الاحتكار، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى البحث على المستوى الفقهي في أخذ الشراء المسبق شرطاً في الاحتكار وعدمه.

2 ـ انتظار غلاء السعر والتربّص به لذلك،وقد كان هذا القيد واضحاً في مثل كلمات الفراهيدي والجوهري وابن فارس والفيروزآبادي وغيرهم، ما لم نحمل تعريفاتهم على المعنى الشرعي كما تقدّم من النراقي.

ومعنى ذلك أنّ حبس السلعة لغرض قوت نفسه وعياله وعشيرته لا بهدف ارتفاع القيم والأسعار، لا يدخل ضمن مفهوم الاحتكار لغةً. فالغاية التجارية شرط أساس في عملية الاحتكار، والمعيار العملي هو حصول ارتفاع القيم السلعيّة المحتكرة، ولهذا لا يوجد في كلمات أهل اللغة حديث لغوي عن تحديد زمني لمدّة الاحتكار، على خلاف الحال مما سيأتي التعرّض له في مواقف الفقهاء المسلمين وشروطهم من ثلاثة أيام وأربعين يوماً أو غير ذلك، فالمعيار هنا مرجعه إلى حالة الأسعار وحركة ارتفاع القيم لا مدّة زمنية معينة.

ووفقاً لذلك يمتاز الاحتكار عن الادّخار؛ فإن الثاني لا يرتبط بقصد ارتفاع الأسعار أو التحكّم بالسوق، فقد يدّخر الإنسان شيئاً لنفسه وعياله مهما كان كثيراً ولا يسمّى ذلك احتكاراً ما لم يدخل القصد التجاري والربحي في عملية الادّخار هذه.

وبالعملية نفسها يظهر أنّ الحبس أعم من الاحتكار أيضاً؛ لأنه يشمل الحبس لما يحتاجه الناس وغيره، والحبس بقصد ارتفاع الأسعار وغيره، وحبس السلع وغيرها.

3ـ كون المحتَكَر سلعةً تخضع للعرض والطلب في السوق أو طعاماًعلى الخلاف الذي أبنّاه قبل قليل، وهذا واضح في كلمات أهل اللغة، وعليه فأيّ حبس أو جمعٍ لأمور لا تدخل في إطار التداول في السوق لا يعني احتكاراً.

وعلى هذا الأساس تمّ تمييز بعضهم بين الاحتكار والادّخار من جهة ثانية، وهي نوعية المحتكَر، فإنّ الادّخار يشمل حبس النقود وجمعها، فيما لا يمتدّ الاحتكار ـ من وجهة نظر هؤلاء ـ لحبس النقد؛ لأنّ المأخوذ فيه السلع والبضائع لا ما كان مثل النقد، يضاف إليه أنّ الادّخار قد يكون مطلوباً كادّخار الدولة حاجيات الشعب 12.

ومن الواضح أنّ الادّخار مفهوم أعم، بل يختلف تقويمه من حيث الجواز والمنع شرعاً، بل من حيث المدح والذم عقلائياً وعرفاً، لكنّ حصر الاحتكار بحبس السلع غير النقدية يحتاج إلى نظر بعد غضّ الطرف عن قضية اختصاصه بالطعام وعدمه؛ فإنّ اللغويين إنما أشاروا إلى الطعام أو السلعة بملاحظة حاجة الناس إليها أو طلبهم لها، فيكون ناتج الحاجة أو الطلب ارتفاع قيمها السوقية مع قلّة وجودها وعرضها في السوق، والنقد قد يدخل هذه الدائرة، كما في بعض العملات الصعبة التي تكون ندرتها في السوق المحلّي موجبةً لارتفاع قيمتها، الأمر المضرّ جداً بقدرة الدولة على التجارة الخارجية ومضرّ للغاية بحركة الاستيراد والتصدير، كما هي الحال في الدولار الأمريكي في العصر الراهن، حتى أنّ غير دولة وسلطة تضطرّ لبيع بضائعها في السوق الخارجية بأسعار زهيدة نسبياً طمعاً في الحصول على العملة الصعبة، كي تتوفر لديها بما يمكّنها من الناحية الأخرى من شراء البضائع من الخارج لتأمين حاجات المجتمع من تلك البضائع غير المتوفرة في السوق المحلّي وغير المصنّعة داخلياً.

4 ـ قد يفهم من كلمات اللغويين أنّ الاحتكار مرتبط بالحاجة في طرف طالب السلعة المحتكرة أو بكونه ملحقاً الضرر أو المشقة أو التضييق على الناس، ويلاحظ ذلك من خلال المعاني الحافّة التي ذكرت للاحتكار كالعسر والظلم وسوء المعاشرة وإدخال المشقّة ونحو ذلك، وهذا معناه أنّ احتكار سلعةٍ ما لا يفضي إلى مشقة أو ضرر على الناس أو تضييق لا يدخل ضمن مفهوم الاحتكار لغةً حتى لو ارتفع سعرها وثمنها في السوق، كبعض السلع التي لا يطلبها في العادة إلا الأثرياء الذين لا يتضرّرون من ارتفاع قيمتها السوقية. اللهم إلا أن نحمل كلمات اللغويين على الحالة الغالبة للاحتكار، لاسيّما مع جعل قيد «الطعام» الذي أدرجوه ممّا يشير إلى هذه الحالة الغالبة آنذاك، لا أنّ المفهوم غير صادق لغةً.

ومن خلال هذا العرض الموجز يتضح أنّ هناك نوعين من القيود المأخوذة في الاحتكار: قيود موضوع، وقيود حكم.

ونقصد بقيود الموضوع، تلك الشروط والعناصر التي تقوّم المفهوم والهوية بحيث لا يتبلور الاحتكار في الواقع الخارجي من دونها ولا يسمّى الفعل المتحقّق احتكاراً، وهي قيود تستلّ من المراجع اللغوية، بعد فرض عدم خضوعها للثقافة الفقهية اللاحقة، ومن التحليل العقلاني والعقلائي للظاهرة أو الفعل محلّ البحث. أما قيود الحكم، فإنّ الاحتكار معها متحقّق، لكنّها تقيّد الحكم بحرمته أو كراهته بقيود، فالحكم هو المشروط لا الموضوع، وهذا ما نبحثه لاحقاً بعون الله تعالى 13 14.

 

  • 1. العين 3: 61 ـ 62.
  • 2. الصحاح 2: 635.
  • 3. معجم مقاييس اللغة 2: 92.
  • 4. انظر: النهاية في غريب الحديث 1: 417 ـ 418.
  • 5. لسان العرب 4: 208.
  • 6. القاموس المحيط 2: 12 ـ 13.
  • 7. تاج العروس 6: 300 ـ 301.
  • 8. انظر: جمهرة اللغة 1: 520.
  • 9. انظر: المنتظري، رسالة في الاحتكار والتسعير: 13 ـ 14، نشر: سازمان انتشارات وآموزش انقلاب إسلامي با همكاري بنياد دائرة المعارف بزرك اسلامي، إيران، ط 1، 1406هـ؛ ومحمد مهدي شمس الدين، الاحتكار في الشريعة الإسلامية، بحث فقهي مقارن: 27 ـ 28، المؤسّسة الدولية للدراسات والنشر والمؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، ط 1، 1990م.
  • 10. النراقي، مستند الشيعة 14: 45.
  • 11. انظر: شمس الدين، الاحتكار في الشريعة الإسلامية: 29.
  • 12. انظر: الموسوعة الفقهيّة mالكويتيةn2: 90، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، 1983م؛ وموسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 6: 123.
  • 13. مقتبس من بحث "فقه الاحتكار في الشريعة الاسلامية".
  • 14. المصدر: الموقع الرسمي للأستاذ حيدر حب الله حفظه الله.