الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

القول بالتقدم الرتبي اقتراب من الشرك

نص الشبهة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك من يقول: إن الخلق كله عبارة عن فيض من الباري عز وجل، وهذا الفيض هو من صفات الكمال للذات الإلهية، فلو لم يكن فيض لاستلزم منه النقص في الذات، وبالتالي فإنه لا يُتصور ألوهية من دون وجود خلق، مما يعني ـ بحسب قولهم وتصريحهم ـ أن الخلق قديم قِدَم الله عز وجل ـ إن صح التعبير ـ . ويقصدون بالخلق القديم خصوص النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، لأنهم هم المستحقون والمستعدون دائماً لاستقبال الفيض والفضل، وقد تفضل الله وأفاض عليهم الوجود مذ كان إلهاً، فبهم تتحقق ألوهيته تعالى. غاية الأمر أن التقدم بين ألوهيته تعالى، وبين وجودهم عليهم السلام رتبي على حد تعبيرهم، فهو كتقدم حركة اليد على حركة المفتاح وهي تمسك به.. فما هو رأيكم في هذا المجال؟ وما هو حكم من يقول بهذه الأقوال؟

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..
فإننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:
أولاً: إن ما هو من صفات الكمال للذات الإلهية ليس هو فعلية الفيض، بل هو نفس كونه فياضاً بذاته، بالمعنى الذي ذكرناه في إجابتنا على السؤال السابق. سواء أكان هناك فيض فعلاً، أم لم يكن، فإن الفيض قد يحجب بسبب عدم الاستعداد لدى القابل، فعدم الفيض الفعلي دليل عدم توفر شرائطه الوجودية، مما أوجب قصوراً في القابل، لا في الفاعل..
ثانياً: إن الله تعالى قد قدر الأشياء وفق سنن وضوابط. وكل شيء يتطلب الوجود، فإنما يتطلبه وفق ما رسمه الله تعالى، وعلى طبق ما حده له من شرائط وحالات، وما دعت إليه المقتضيات، والمقارنات الزمانية، والمكانية، وغيرها من الشرائط والحالات..
وهذا معناه: أن الموجودات العالية الشريفة لأهل البيت عليهم السلام حين تطلبت التشرف بالفيض الإلهي، فإنما تطلبت ذلك في نشآتها المختلفة، وبحسب ظرفها الخاص بها، ووفق ما لها من شرائط وحالات في ذاتها، أو مع ما هو خارج عنها في امتداد وتعاقب نشآتها، كالخصوصية الزمانية أو المكانية أو غيرها..
ودعوى تحقق هذا الاقتضاء، وحصول تلك الشرائط والحالات لهم عليهم السلام، من حين كان الله جلت عظمته إلهاً، فياضاً، منعماً متكرماً، بحيث، يكون تقدم ألوهيته على وجودهم عليهم السلام رتبياً، تبقى مجرد دعوى، بلا دليل وبلا شاهد، بل الأدلة على خلافها.
ولأجل ذلك، فنحن نطالب السائل الكريم بالدليل على ما يدّعيه، من أنهم عليهم السلام مستحقون لهذا الفيض القديم بحيث أن ألوهيته تعالى لا تتحقق إلا بهم، وكيف يمكنه أن يثبت توفر جميع المقتضيات والحالات والشرائط والخصوصيات وغيرها لهم عليهم السلام من حين كان الله تعالى إلهاً.. فإنه إنما يدّعي أمراً لم يشهده، ولا يصح الحدس والتخمين فيه..
ثالثاً: إن الالتزام بتعدد القديم، وبأن التقدم رتبي، مع كون المقصود هو مرحلة الوجود الفعلي، والتحقق العيني الخارجي كما يظهر من سياق السؤال ـ إن ذلك ـ يختزن ـ على أقل تقدير ـ الاقتراب من محذور الشرك، والعياذ بالله، و﴿ ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 1، وهذا أمر في غاية الوضوح والبداهة..
إذ لا يمكن تفسير ذلك في مرحلة التحقق العيني الخارجي، في ظرف الزمان والمكان إلا على أحد وجهين، كل منهما شرك أو كفر:
أحدهما: أن يقال: إن وجود النبي صلى الله عليه وآله، والأئمة عليهم السلام الفعلي الحقيقي، وفي ظرف التحقق الخارجي، إذا انضم إلى حقيقة أن النبي والأئمة عليهم السلام، مُحْدَثون، وبأن لوجودهم في ظرف الخارج بداية، فإنه ينتج: أن الله سبحانه وتعالى مُحْدَث، ولوجوده بداية أيضاً.
لأنهم يدَّعون: أنه تعالى مذ كان إلهاً، كان مقتضياً للفيض، وهم عليهم السلام أهل لهذا الفيض، فوجودهم مقارن لتحقق ألوهيته، بل هو ـ حسب دعواهم ـ من موجبات تحقق اتصاف ذاته تعالى بصفات الألوهية، وسبب وجدانها لكمالاتها. والفرق بينهما رتبي كالفرق بين حركة المفتاح وحركة اليد التي تمسك به، لأن ألوهيته من حين تحققها قد تحققت مفيضة للوجود الفعلي الخارجي عليهم صلوات الله عليهم، إفاضة فعلية عينية، فإذا كانت ألوهيته تعالى مقارنة لوجودهم، لأنها متوقفة عليه، وكان لوجودهم بداية لأنهم مُحْدَثون، فلألوهيته تعالى بداية، وتصير مُحْدثة أيضاً، وتصير الألوهية مسبوقة بالعدم، وقد مر زمان لم يكن هناك إله أصلاً..
فاتضح أن اتصاف الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال، وبأسمائه الحسنى، لا يتوقف على مخلوقاته، وإن القول بتوقفه عليها هو الكفر الصريح..
الثاني: إن القول بأن للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وجوداً عينياً حقيقياً مع الذات الإلهية، وقديماً بقدمها، قبل خلق الزمان وبعده، بحيث إنه لولا وجودهم لم تتصف الذات الإلهية بصفاتها، ولا بأسمائها، مما يعني أنهم عليهم السلام لا أول لهم، ـ ان القول بذلك، معناه: أنهم عليهم السلام غير مُحْدَثين، وغير مخلوقين له تعالى.. فيلزم من ذلك تعدد القديم بالذات، وهذا شرك صريح ؛ لأنه ليس فقط يكون هذا القديم غنياً عن الله تعالى، بل يصبح اتصاف الذات الإلهية بصفاتها، وبأسمائها موقوفاً عليه حسبما صرحت به كلماتهم..
فادعاء أن الله هو المفيض للوجود عليهم، وأن الفرق بينهم وبينه، أنهم موجودون بالغير، وهو موجود بالذات.. يصبح هذا الادعاء بلا معنى، ولا مبرر، بل إن القول بأن ألوهيته تعالى إنما تتحقق بهم، يستبطن إبطال القول بأنه تعالى هو المُوْجِد لهم.
رابعاً: إن الروايات الكثيرة تدل على أنهم عليهم السلام إنما استحقوا الفيض الإيجادي في وقت بعينه، وقد صرحت بذلك الروايات الشريفة وحددته بتحديدات، وهي وإن كانت مختلفة، لكنها مع اختلافها هذا، متفقة على أن بدء تدرجهم في مراتب الوجودات والنشآت المختلفة قد كان في وقت بعينه.
وفي تلك النصوص أرقام، لوحظت قبل خلق العرش تارة، وقبل خلق النبي آدم عليه السلام أخرى، وقبل الدنيا ثالثة، وقبل الملائكة رابعة، وقبل الخلق خامسة، وهكذا.. ولعل سبب اختلاف تلك الأرقام هو اختلاف النشآت، والتقلبات فيها، وفي مراتبها الكثيرة والمتنوعة..
ونحن نذكر فيما يلي طائفة من تلك النصوص.. فنقول:
1 ـ قد ذكرت بعض الروايات عن الإمام علي عليه السلام: أن الله سبحانه كان ولا شيء معه، فأول ما خلق نور نبيه قبل خلق الماء، والعرش، والكرسي، والسماوات، والأرض، واللوح، والقلم، والجنة، والنار.. وقبل خلق الأنبياء كلهم بأربع مائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة، وخلق عز وجل معه اثني عشر حجاباً: حجاب القدرة، الخ 2.
2 ـ وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام: كنا أشباح نور حول العرش، نسبح الله قبل أن يخلق آدم عليه السلام بخمسة عشر ألف عام 3.
3 ـ وفي نص آخر عن النبي صلى الله عليه وآله: خلقني الله نوراً تحت العرش، قبل أن يخلق آدم باثني عشر ألف سنة 4.
4 ـ وفي نص آخر: أنهم عليهم السلام قبل آدم: «موجودون في غامض علم الله، قبل أن يخلق بأربعة آلاف سنة» 5.
5 ـ عنه صلى الله عليه وآله، أنه قال: إن الله خلقني، وعلياً، وفاطمة، والحسن، والحسين، من قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام 6.
6 ـ عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً، قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا الخ..
وروي ذلك عن الإمام الباقر عليه السلام أيضاً.. 7.
7 ـ عن أبي ذر، عنه صلى الله عليه وآله: خلقت أنا وعلي بن أبي طالب، من نور واحد، نسبح الله يمنة العرش، قبل أن خلق آدم بألفي عام..
وهناك رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله بهذا المعنى..
ورواية ثالثة عن أبي سعيد الخدري، عنه صلى الله عليه وآله، وهي تارة تقول: قبل خلق آدم.. وأخرى قبل خلق العرش، وثالثة قبل المخلوقات 8.
8 ـ عن الصادق عليه السلام، أنه قال: إن محمداً، وعلياً صلوات الله عليهما، كانا نوراً بين يدي الله جل جلاله، قبل خلق الخلق بألفي عام 9.
9 ـ وعن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: إن الله تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً، وعلياً، وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها.. الخ 10.
10 ـ وروي عنهم عليهم السلام: إن الله خلقنا قبل الخلق بألفي عام، فسبحنا، فسبحت الملائكة لتسبيحنا 11.
11 ـ وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله: إن علياً خلق قبل آدم بأربعين ألف سنة 12.
ومن جهة أخرى: فقد دلت الروايات على أنه قد كان الله ولا شيء معه، وأنه لا شيء معه في بقائه، فلاحظ بالإضافة إلى ما تقدم من أنه تعالى لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً.. الخ. الأحاديث التالية:
12 ـ في إجابة على سؤال عن أسمائه تعالى، قال أبو جعفر الثاني عليه السلام: إن قلت: إنها لم تزل في علم الله، وهو مستحقها، فنعم.
وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها وهجاؤها، وتقطيع حروفها، فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره. بل كان الله، ولا معه خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون بها إليه 13.
13 ـ وهناك حديث: كان الله ولا شيء غيره، ولا معلوم ولا مجهول..
وهذا المعنى متكرر في الأحاديث الشريفة 14.
14 ـ عن الإمام الرضا عليه السلام: إن الله قديم، والقدم صفة دلت العاقل على أنه لا شيء قبله، ولا شيء معه في ديموميته..
فقد بان لنا بإقرار العامة: أنه لا شيء قبل الله، ولا شيء مع الله في بقائه 15.
15 ـ سئل الإمام العسكري عليه السلام عن التوحيد، فقال: لم يزل الله وحده، لا شيء معه، ثم خلق الأشياء، الخ.. 16.
16 ـ سئل أبو الحسن علي بن محمد عليهما السلام، فقيل: لم يزل الله وحده، لا شيء معه، ثم خلق الأشياء بديعاً به، واختار لنفسه أحسن الأشياء، أو لم تزل الأسماء والحروف معه ؟!
فكتب عليه السلام: لم يزل موجوداً، ثم كوَّن ما أراد.. 17.
17 ـ عن الإمام الباقر عليه السلام: كان الله، ولا شيء غيره، نوراً لا ظلام فيه.. وروي نحوه في رواية أخرى أيضاً.. 18.
وحسبنا ما ذكرناه، فإن الأحاديث التي تدخل في هذا السياق كثيرة ومتنوعة..
غير أننا نعود فنكرر للقارئ الكريم بأنه لا مانع من أن يُحمل اختلاف المدة المذكورة في الروايات، على اختلاف نشآت النبي آدم عليه السلام، أو نشآت الدنيا، أو نشآت الخلق، أو العرش، أو نشآتهم عليهم السلام من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح، أو نحو ذلك.. فإن لكل ذلك شواهد وتصريحات في الروايات.
ويشير إلى أن المراد هو النشآت المختلفة، نفس التعابير التي وردت في الأحاديث التي أوردناها سابقاُ، فقد ورد في بعضها:
خلق نور نبيه.. أو نحو ذلك..
وفي بعضها أنهم عليهم السلام: أشباح نور..
وفي بعضها الآخر: فهي أرواحنا..
والمراد بالأشباح ظل النور كما في الحديث..
ومن شواهد لذلك ما روي عن أنس بن مالك، عنه صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل خلق ماء تحت العرش، قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء، في غامض علمه، إلى أن خلق آدم، فلما أن خلق آدم نقل ذلك الماء، من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم.. الخ.. 19.
فهذا الحديث يشير إلى نشأة خاصة، هي النشأة المائية أيضاً..
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين 20..

  • 1. القران الكريم: سورة لقمان (31)، الآية: 13، الصفحة: 412.
  • 2. البحار ج 15 ص 4 و 28 و 27 و ج 25 ص 24 و ج 54 ص 198 و ج 45 ص 198 عن الخصال ج 1 ص 82 و معاني الأخبار ص 88 و 89.
  • 3. البحار ج 15 ص 6 و ج 25 ص 2 عن تفسير فرات ص 207.
  • 4. البحار ج 15 ص 7 عن تفسير فرات ص 190.
  • 5. البحار ج 25 ص 6 عن المحتضر ص 131 و 132 و راجع البحار ج 43 ص 52 و الصراط المستقيم ج 1 ص 210 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 84 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 187.
  • 6. البحار ج 15 ص 7 عن علل الشرايع ص 80 وراجع البحار ج 35 ص 34 و ج 54 ص 43 ونوادر المعجزات ص 80 ومدينة المعاجز ج 3 ص 229.
  • 7. البحار ج 15 ص 23 و 24 و 15 و ج 51 ص 144 و ج 25 ص 4 و 15 و 21 عن إكمال الدين ص 162 و 163 وعن رياض الجنان (مخطوط) وراجع الصراط المستقيم ج 2 ص 134 وإعلام الورى بأعلام الهدى ج 2 ص 197.
  • 8. البحار ج 15 ص 11 و 12 و 14 و 21 و ج 22 ص 148 و 149 و ج 25 ص 2 و ج 38 ص 80 عن معاني الأخبار ص 21 وعن أمالي الطوسي ص 115 عن فضائل الشيعة وعن سليم بن قيس ص 215 و 216 و 217 و 218 وعن كتاب منهج التحقيق، والأربعون حديثاً للشهيد الأول ص 71 والجواهر السنية للحر العاملي ص 239 وينابيع المعاجز ص 93.
  • 9. البحار ج 15 ص 11 عن معاني الأخبار ص 100 وراجع البحار ج 38 ص 80 وعلل الشرايع ص 174 والجواهر السنية ص 239.
  • 10. البحار ج 15 ص 19 و ج 25 ص 25 و ج 54 ص 195 والكافي ج 1 ص 441 والمحتضر ص 165 وحلية الأبرار ج 1 ص 18.
  • 11. البحار ج 25 ص 1 والإختصاص 91.
  • 12. البحار ج 25 ص 24.
  • 13. البحار ج 15 ص 13 عن أمالي الطوسي ص 197 و198.
  • 14. راجع: البحار ج 25 ص 17 و23.
  • 15. الاحتجاج ج 2 ص 239 والفصول المهمة ج 1 ص 149 و206 والبحار ج 4 ص 153 وج 54 ص 83.
  • 16. الفصول المهمة ج 1 ص 150 والبحار ج 4 ص 176 وج 54 ص 74.
  • 17. الفصول المهمة ج 1 ص 151 والاحتجاج ج 2 ص 250 والبحار ج 4 ص 160 وج 54 ص 83.
  • 18. الفصول المهمة ج 1 ص 153 والاحتجاج ج 2 ص 250 والبحار ج 4 ص 160 وج 54 ص 83.
  • 19. الفصول المهمة ج 1 ص 155 و156 والبحار ج 54 ص 86 عن المحاسن.
  • 20. مختصر مفيد.. ( أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة )، السيد جعفر مرتضى العاملي، «المجموعة الثامنة»، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1424 هـ ـ 2004 م، السؤال (433).