الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

آية المباهلة

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين .
كما تعلمون ، لعلّ من خير الأعمال في ليالي شهر رمضان هو مذاكرة العلم ، والأمور الاعتقادية والمسائل التي تتعلق بأصول الدين من أشرف المسائل العلميّة ، ومسألة الإمامة من بين المسائل الاعتقاديّة من أشرفها .
ونسأل الله التوفيق لانْ نتمكّن من إلقاء بعض الأضواء على بعض القضايا المتعلّقة بمسألة الإمامة ، لنرى ما يدلّ عليه الكتاب والسنّة في هذه المسألة المهمّة العقائديّة الحسّاسة .
ولست أدّعي أنّي مستوعب لجميع ما يتعلّق بهذه المسألة ، ولست أدّعي أنّي على استعداد للإجابة على كلّ سؤال يطرح حول هذه المسألة .

ولست من أهل الخطابة والبيان والقدرة على تنضيد الكلمات والتلاعب بالألفاظ كما يقال في هذه الايّام .
وسأحاول أنْ أبحث في هذه الليالي عن الإمامة بذكر عدّة من أدلّة الإمامية ، وعمدة أدلّة غيرهم ، ثم تحقيق الحال في جملة من المباحث المتعلّقة بالإمامة ، وسأحاول أنْ أبسّط الألفاظ والمطالب بقدر الإمكان ، حتّى لا يكون هناك تعقيد في البيان وصعوبة في استيعاب البحوث .
قد يحمل هذا الكلام منّي على التواضع ، ولكن هذا من باب حسن الظن .

مقدّمات البحث

قبل الشروع في البحوث ، وقبل الدخول في المسائل الاساسيّة التي تقرّر أن نبحث عنها طبق المنهج المعلن عنه ، لابدّ من تقديم مقدمات ، فنقول :

المقدّمة الأولى : بحث المسائل على أُسس متقنة

في كلّ مسألة لابدّ وأنْ يكون البحث في تلك المسألة على أُسس متقنة مدروسة ، فتارةً يكون طرف البحث والخطاب شيعيّاً إماميّاً مثلك ، فأنت تباحثه وتحتج عليه بما هو حجة في داخل المذهب ، فلك حينئذ أنْ تستدلّ على رأيك برواية في كتاب الكافي مثلاً .
وأمّا إذا لم يكن شيعيّاً اثني عشريّاً مثلك ، فالأمر يختلف . . . لابدّ وأنْ يكون البحث بينكما ابتناءً على قضايا مشتركة ، وعلى أدلّة مشتركة .

الادلّة المشتركة

أوّلاً : القرآن الكريم .
ثانياً : العقل السليم .
ثالثاً : الروايات الواردة في السنّة المتفق عليها بين الطرفين ، أو تحتجّ عليه من السنّة بما هو حجّة عنده وإنْ لم يكن حجةً عندك ، وليس لك أنْ تحتج عليه بكتاب الكافي ، كما ليس له أنْ يحتج عليك بكتاب البخاري .
إذن ، لابدّ وأن تكون هناك نقطة وفاق واشتراك حتّى يتحاكم الطرفان إلى تلك النقطة ، من كتاب ، أو سنّة مسلّمة بين الطرفين ، أو قاعدة عقليّة قرّرها جميع العقلاء في بحوثهم .
أمّا إذا كان طرف الخطاب سنّيّاً ، ولا يوافق على كتاب البخاري ، بل لا يرى صحّة شيء من الصحاح الستّة ، فلابدّ حينئذ من إقامة الدليل له ممّا يراه حجّة ، من الكتاب أو العقل ، فإن أردنا أن نقيم الدليل عليه من السنّة ، فلابدّ وأن نصحّح الرواية التي نحتجّ بها ، لكي يلتزم بتلك الرواية ، لانّها إذا صحّت على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل عندهم ، فلابدّ وأن يلتزم بتلك الرواية .
قد يكون في هذا الزمان بعض الباحثين من لا يقول بصحّة روايات الصحيحين فضلاً عن الصحاح كلّها ، وإنّما يطالب برواية صحيحة سنداً ، سواء كانت في الصحيحين أو في غير الصحيحين ، فإثبات صحّة تلك الرواية لابدّ وأنْ يكون على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من أهل السنّة بالنسبة لرواة تلك الرواية ، حتّى تتمّ صحّة الرواية ، ويمكنك الاستدلال بتلك الرواية ، فإنْ عاد وقال : ليست كلمات علماء الجرح والتعديل عندي بحجّة ، هذا الشخص حينئذ لا يتكلّم معه ويترك ، لانّ المفروض أنّه لا يقبل بالصحيحين ، ولا يقبل بالصحاح ، ولا يقبل برواية فرض صحّتها على ضوء كلمات علماء الجرح والتعديل من أئمّتهم ، حينئذ لا مجال للتكلّم مع هكذا شخص أبداً .
لكن المشهور بين السنّة أنّهم يرون صحّة أخبار الصحيحين ، وإن كنّا أثبتنا في بعض بحوثنا أنّ هذا المشهور لا أصل له ، لكن المشهور بينهم هذا .
وأيضاً المشهور بينهم صحّة روايات الصحاح الستّة ، وإنْ اختلفوا في تعيين تلك الصحاح بعض الاختلاف .
وإنّ المسانيد أيضاً كثير منها معتبر ، كمسند أحمد مثلاً ، وإنْ كان بعض كبارهم لا يرون التزام أحمد في مسنده بالصحة ، لكنْ عندنا شواهد وأدلّة تنقل بالأسانيد عن أحمد بن حنبل نفسه أنّه ملتزم في مسنده بالصحّة .
وهناك كتب أُخرى أيضاً مشهورة .
ونحن في بحوثنا هذه لا نعتمد إلاّ على الصحاح ، والمسانيد ، والكتب المشهورة ، بعد الاستدلال بالكتاب ، وبالعقل ، فإذا وصلت النوبة إلى السنّة نستدلّ بالأحاديث المعروفة المشهورة الموجودة في الكتب المعتبرة المعتمدة ، الروايات المتفق عليها بين الطائفتين .
فكما أشرنا من قبل ، لابدّ وأن تكون الرواية متّفقاً عليها بين الطائفتين ، بين الطرفين . هذا الاتفاق على الرواية من نقاط الاشتراك ، كالقرآن الكريم وكالعقل السليم .

المقدمة الثانية : الاستدلال بالكتاب و العقل و السنة

ثمّ الاستدلال كما أشرنا في خلال كلماتنا هذه ، تارةً يكون بالكتاب ، وتارةً يكون بالعقل ، وتارةً يكون بالسنّة .
أمّا الكتاب ، فآياته المتعلّقة بمباحث الإمامة كثيرة ، لكنّ المهمّ هو تعيين شأن نزول هذه الآيات ، وتعيين شأن نزول هذه الآيات إنّما يكون عن طريق السنّة ، إذن ، يعود الأمر إلى السنّة .
وفي الاستدلال بالعقل أيضاً ، هناك أحكام عقلية هي كبريات عقليّة ، وتطبيق تلك الكبريات على الموارد لا يكون إلاّ بأدلّة من خارج العقل ، مثلاً يقول العقل بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، أمّا من هو المفضول ؟ ومن هو الفاضل ليقبح تقدّم المفضول على الفاضل بحكم العقل ؟ هذا يرجع إلى السنّة ، إذنْ رجعنا إلى السنّة .
والسنّة أيضاً قد أشرنا إلى قواعدنا في إمكان التمسّك بها ، وإثبات مدّعانا واحتجاجنا على ضوئها ، فنحن لا نستدل على أهل السنّة بكتبنا ، كما لا يجوز لهم أن يستدلّوا بكتبهم علينا .
نصّ على ذلك عدّة من أكابر علمائهم ، كابن حزم الاندلسي في كتابه الفصل ، فإنّه ينصّ على هذا المعنى ويصرّح بأنّه لا يجوز الاحتجاج للعامّة على الاماميّة بروايات العامّة ، يقول :
لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا ، فهم لا يصدّقونها ، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدّقها ، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجة به ، سواء صدّقه المحتج أو لم يصدّقه ، لان مَن صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الضروري ، فيصير حينئذ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه 1 .
إنّ من الواضح أنّ الشيعي لا يرى حجّية الصحيحين فضلاً عن غيرهما ، فلا يجوز للسنّي أنْ يحتجّ بهما عليه ، كما لا يجوز للشيعي أن يستدلّ على السنّي بكتاب شيعي ، لانّ السنّي لا يرى اعتبار كتاب الكافي مثلاً .
فنحن إذن نستدلّ بروايات الصحاح ، وبروايات المسانيد ، وبالروايات المتفق عليها بين الطرفين ، و لربّما نحتاج إلى تصحيح سند بخصوصه على ضوء كتب علمائهم وأقوال كبارهم في الجرح والتعديل ليتمّ الاحتجاج ، ولا يكون حينئذ مناص من التسليم ، أو يكون هناك تعصّب وعناد ، ولا بحث لنا مع المعاند والمتعصّب .

بعض التقسيمات في الاستدلال بالسنّة

وعندما يعود الأمر إلى الاستدلال بالسنّة ، فالروايات المتعلّقة ببحث الإمامة تنقسم إلى أقسام ، نذكر أوّلاً انقسامها إلى قسمين أساسيّين رئيسيّين :
القسم الاوّل
الروايات الشارحة للآيات ، والمبيّنة لشأن نزول الآيات ، فكما قلنا من قبل ، فإنّ الاستدلال بالقرآن لا يتمّ إلاّ بالسنّة ، إذ ليس في القرآن اسم لأحد ، فهناك آيات يستدلّ بها في مباحث الإمامة ، لكن ما ورد معتبراً في السنّة في تفسير تلك الآيات وشأن نزول تلك الآيات ، هو المتمّم للاستدلال بالقرآن الكريم .
القسم الثاني
الروايات المستدلّ بها على الإمامة والولاية والخلافة بعد رسول الله ، وليس بها أيّة علاقة بالآيات .
ثمّ الروايات تنقسم إلى أقسام ، فهذه الروايات من القسم الثاني تنقسم إلى ثلاثة أقسام .
القسم الاوّل :
ما يدلّ على الإمامة بالنص .
القسم الثاني :
ما يدلّ على الإمامة عن طريق إثبات الافضليّة ، هذه الافضليّة التي هي الصغرى بإصطلاحنا لكبرى قاعدة قبح تقدّم المفضول على الفاضل .
القسم الثالث :
الروايات الدالّة على العصمة ، واشتراط العصمة واعتبارها في الامام أيضاً حكم عقلي ، وفي مورده أيضاً أدلّة من الكتاب والسنّة .

المقدمة الثالثة : أهمية البحث عن الإمامة

والبحث عن الإمامة بحث في غاية الحساسيّة والاهميّة ، لانّنا نرى وجوب معرفة الإمام ، وعندما نبحث عن الإمام وتعيين الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نريد أن نعرف الحقّ في هذه المسألة الخلافية ، ثمّ لنتّخذه قدوةً واُسوة ، لنقتدي به في جميع شؤوننا ، وفي جميع أدوار حياتنا .
إنّما نريد أن نعرفه ولنجعله واسطة بيننا وبين ربّنا ، بحيث لو سئلنا في يوم القيامة عن الإمام ، بحيث لو سئلنا يوم القيامة لماذا فعلت كذا ؟ لماذا تركت كذا ؟ أقول : قال إمامي إفعل كذا ، قال إمامي لا تفعل كذا ، فحينئذ ينقطع السؤال .
عندما نريد البحث عن الإمام لهذه الغاية ، فبالحقيقة يكون البحث عن الإمام والإمامة بحثاً عن الواسطة والوساطة بين الخالق والمخلوق ، نريد أنْ نجعله واسطة بيننا وبين ربّنا ، نريد أن نحتجّ بما وصلنا وبلغنا من أقواله وأفعاله في يوم القيامة على الله سبحانه وتعالى ، أو نعتذر أمامه في كلّ فعل أو ترك صدر منّا وسألنا عنه ، فنعتذر بأنّه قول إمامنا أو فعل إمامنا ، وهكذا بلغنا ووصلنا عنه ، هذا هو ـ في الحقيقة ـ لبّ البحث عن الإمامة .
إذن ، يظهر أنّ البحث عن الإمامة بحث مهمّ جدّاً ، لانّ الإمام حينئذ يكون كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واسطةً بيننا وبين ربّنا عند فقد النبي .
أمّا أنْ يكون الإمام حاكماً بالفعل أو لا يكون حاكماً ، أنْ يكون مبسوط اليد أو لا يكون مبسوط اليد ، أن يكون مسموع الكلمة أو لا يكون مسموع الكلمة ، أن يكون في السجن أو يكون غائباً عن الأنظار ، أو أن يقتل ، وإلى غير ذلك ، هذه الاُمور كلّها أُمور أُخرى تتفرّع على بحث الإمامة ، ليس البحث عن الإمامة بحثاً عن الحكومة ، وإنّما الحكومة من شؤون الإمام .
وكثيراً ما يختلط الأمر على الباحثين ، وكثيراً ما نراهم يعترضون على مذهبنا بعدم التمكّن من الحكومة والسيطرة والسلطنة على الناس ، وإلى غير ذلك ، وهذه الاُمور خارجة الآن عمّا نحن بصدده .
إذن ، لابدّ من البحث عن الإمام بعد النبي ، لانّا نريد أن نعرف الحق ونعرف الواسطة بيننا وبين ربّنا .
أمّا طريق معرفته ، فهذا الطريق أيضاً يجب أنْ يكون تعيّنه من قبل الله سبحانه وتعالى ، لانّه لو رجع وطالبنا في يوم القيامة وقال : من أيّ طريق عرفت هذا الإمام ؟ فلو ذكرت له طريقاً لا يرتضيه ، لقال هذا الإمام ليس بحق ، ومن قال لك هذا الطريق موصل إلى معرفة الإمام الواسطة بينك وبيني ليكون عمله وقوله حجة لك في يوم القيامة ؟
إذن ، نفس الطريق أيضاً لابدّ وأن ينتهي إلى الله سبحانه وتعالى ، إنتهاؤه إلى الله أي انتهاؤه إلى الكتاب والسنّة والعقل السليم كما أشرنا من قبل .
ومن هنا ، فقد اخترنا آيات من القرآن الكريم ، وأحاديث من السنّة النبويّة ، لكي نستدلّ بها على إمامة علي ، ورجعنا إلى العقل في المسألة لنعرف حكمه فيها .

دوران البحث بين علي و أبي بكر

البحث يدور بين علي وأبي بكر ، أمّا خلافة عمر وعثمان فيتفرّعان على خلافة أبي بكر .
إذن ، يدور الأمر بين علي وأبي بكر .
قالت الاماميّة : بأنّ عليّاً هو الخليفة ، هو الإمام ، بعد رسول الله بلا فصل .
وقال أهل السنّة : الخليفة بعد رسول الله هو أبو بكر بن أبي قحافة .
استدلّت الاماميّة بآيات من القرآن الكريم ، وبأحاديث ، على ضوء النقاط التمهيدية التي ذكرتها ، وسترون أنّا لا نخرج عن الإطار الذي ذكرناه قيد شعرة .

آية المباهلة

قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ 2 .
هذه الآية تسمّى بـ «آية المباهلة» .

المباهلة في اللغة

المباهلة : من البهل ، والبهل في اللغة بمعنى تخلية الشيء وتركه غير مراعى ، هذه عبارة الراغب في كتاب المفردات 3 .
وعندما تراجعون القاموس وتاج العروس وغيرهما من الكتب اللغوية ترونهم يقولون في معنى البهل أنّه اللعن 4 .
لكنّي رأيت عبارة الراغب أدق ، فالبهل هو ترك الشيء غير مراعى ، كأنْ تترك الحيوان مثلاً من غير أن تشدّه ، من غير أن تربطه بمكان ، تتركه غير مراعى ، تخلّيه وحاله وطبعه .
وهذا المعنى موجود في رواياتنا بعبارة : «أوكله الله إلى نفسه» ، فمن فعل كذا أوكله الله إلى نفسه .
وهذا المعنى دقيق جدّاً .
تتذكّرون في أدعيتكم تقولون : «ربّنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً» ، وإنّه لمعنى جليل وعميق جدّاً ، لو أنّ الإنسان ترك من قبل الله سبحانه وتعالى لحظة ، وانقطع ارتباطه بالله سبحانه وتعالى ، وانقطع فيض الباري بالنسبة إليه آناً من الانات ، لانعدم هذا الإنسان . لهلك هذا الإنسان .
ولو أردنا تشبيه هذا المعنى بأمر مادّي خارجي ، فانظروا إلى هذا الضياء ، هذا المصباح ، إنّه متّصل بالمركز المولّد ، فلو انقطع الاتصال آناً ما لم تجد هناك ضياءً ولا نوراً من هذا المصباح .
هذا معنى إيكال الانسان إلى نفسه ، تقول «ربّنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً» .
هناك كلمة لأمير لمؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة ، أُحبُّ أن أقرأ عليكم هذه الكلمة ، لاحظوا ، أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول :
«إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان ، رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضالٌّ عن هدي من كان قبله ، مضلٌّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حمّالٌ لخطايا غيره ، رهنٌ بخطيئته» 5 .
وجدت عبارة الراغب أدق ، معنى البهل ، معنى المباهلة : أن يدعو الإنسان ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يترك شخصاً بحاله ، وأنْ يوكله إلى نفسه ، وعلى ضوء كلام أمير المؤمنين أن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الشخص أبغض الخلائق إليه ، وأيّ لعن فوق هذا ، وأيّ دعاء على أحد أكثر من هذا ؟
لذا عندما نرجع إلى معنى كلمة اللعن في اللغة نراها بمعنى الطرد ، الطرد بسخط ، والحرمان من الرحمة ، فعندما تلعن شخصاً ـ أي تطلب من الله سبحانه وتعالى أن لا يرحمه ـ تطلب من الله أن يكون أبغض الخلائق إليه ، فالمعنى في القاموس وشرحه أيضاً صحيح ، إلاّ أنّ المعنى في مفردات الراغب أدق ، فهذا معنى المباهلة .
إذن ، عرفنا لماذا أُمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمباهلة ، ثمّ عرفنا في هذا المقدار من الكلام أنّه لماذا عدل القوم عن المباهلة ، لماذا تراجعوا ، مع أنّهم قرّروا ووافقوا على المباهلة ، وحضروا من أجلها ، إلاّ أنّهم لمّا رأوا رسول الله ووجوه أبنائه وأهله معه قال أُسقفهم : «إنّي لأرى وجوهاً لو طلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله» 6 .
فلماذا جاء رسول الله بمن جاء ؟ لا نريد الآن أن نعيّن من جاء مع رسول الله ، لكن يبقى هذا السؤال : لماذا جاء رسول الله بمن جاء دون غيرهم ؟ فهذا معنى المباهلة إلى هنا .

تعيين من خرج مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المباهلة

إنّه ـ كما أشرنا من قبل ـ ليس في الآية المباركة اسم لأحد ، لا نجد اسم علي ولا نجد اسم غير علي في هذه الآية المباركة .
إذن ، لابدّ أن نرجع إلى السنّة كما ذكرنا ، وإلى أيّ سنّة نرجع ؟ نرجع إلى السنّة المقبولة عند الطرفين ، نرجع إلى السنّة المتّفق عليها عند الفريقين .
ومن حسن الحظ ، قضيّة المباهلة موجودة في الصحاح ، قضيّة المباهلة موجودة في المسانيد ، قضيّة المباهلة موجودة في التفاسير المعتبرة .
إذن ، أيّ مخاصم ومناظر وباحث يمكنه التخلّي عن هذا المطلب وإنكار الحقيقة ؟
وتوضيح ذلك : إنّا إذا رجعنا إلى السنّة فلابدّ وأن نتمّ البحث دائماً بالبحث عن جهتين ، وإلاّ لا يتمّ الاستدلال بأيّ رواية من الروايات :
الجهة الاُولى
جهة السند ، لابدّ وأن تكون الرواية معتبرة ، لابدّ وأن تكون مقبولة عند الطرفين ، لابدّ وأن يكون الطرفان ملزمين بقبول تلك الرواية . هذا ما يتعلّق بالسند .
الجهة الثانية
جهة الدلالة ، فلابدّ وأن تكون الرواية واضحة الدلالة على المدعى .
وإلى الآن فهمنا أنّ الآية المباركة وردت في المباهلة مع النصارى ، نصارى نجران ، ونجران منطقة بين مكّة واليمن على ما في بالي في بعض الكتب اللغوية ، أو بعض المعاجم المختصة بالبلدان .
وإذا رجعنا إلى السنّة في تفسير هذه الآية المباركة ، وفي شأن من نزلت ومن خرج مع رسول الله ، نرى مسلماً والترمذي والنسائي وغيرهم من أرباب الصحاح 7 يروون الخبر بأسانيد معتبرة ، فمضافاً إلى كونها في الصحاح ، هي أسانيد معتبرة أيضاً ، يعني حتّى لو لم تكن في الصحاح بهذه الأسانيد ، هي معتبرة قطعاً :
خرج رسول الله ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ، وليس معه أحد غير هؤلاء .
فالسند معتبر ، والخبر موجود في الصحاح ، وفي مسند أحمد ، وفي التفاسير إلى ما شاء الله ، من الطبري وغير الطبري ، ولا أعتقد أنّ أحداً يناقش في سند هذا الحديث بعد وجوده في مثل هذه الكتب .
نعم ، وجدت حديثاً في السيرة الحلبيّة بلا سند ، يضيف عمر بن الخطّاب وعائشة وحفصة ، وأنّهما خرجتا مع رسول الله للمباهلة 8 .
ووجدت في كتاب تاريخ المدينة المنوّرة لابن شبّة 9 أنّه كان مع هؤلاء ناس من الصحابة ، ولا يقول أكثر من هذا .
ووجدت رواية في ترجمة عثمان بن عفّان من تاريخ ابن عساكر 10 أنّ رسول الله خرج ومعه علي وفاطمة والحسنان وأبو بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده .
فهذه روايات في مقابل ما ورد في الصحاح ومسند أحمد وغيرها من الكتب المشهورة المعتبرة .
لكن هذه الروايات في الحقيقة :
أوّلاً : روايات آحاد .
ثانياً : روايات متضاربة فيما بينها .
ثالثاً : روايات انفرد رواتها بها ، وليست من الروايات المتفق عليها .
رابعاً : روايات تعارضها روايات الصحاح .
خامساً : روايات ليس لها أسانيد ، أو أنّ أسانيدها ضعيفة ، على ما حقّقت في بحثي عن هذا الموضوع .
إذن ، تبقى القضيّة على ما في صحيح مسلم ، وفي غيره من الصحاح ، وفي مسند أحمد ، وغير مسند أحمد من المسانيد ، وفي تفسير الطبري والزمخشري والرازي ، وفي تفسير ابن كثير ، وغيرها من التفاسير إلى ما شاء الله ، وليس مع رسول الله إلاّ علي وفاطمة والحسنان .
دلالة آية المباهلة على إمامة عليّ (عليه السلام)
أمّا وجه الدلالة في هذه الآية المباركة ، بعد بيان شأن نزولها وتعيين من كان مع النبي في تلك الواقعة ، دلالة هذه الآية على إمامة علي من أين ؟ وكيف تستدلّون أيّها الاماميّة بهذه الآية المباركة على إمامة علي ؟
فيما يتعلّق بإمامة أمير المؤمنين في هذه الآية ، وفي الروايات الواردة في تفسيرها ، يستدلّ علماؤنا بكلمة : (وأنفسنا) ، تبعاً لائمّتنا (عليهم السلام) .
ولعلّ أوّل من استدلّ بهذه الآية المباركة هو أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه ، عندما احتجّ في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه ، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة ، وهذه القصّة ، وكلّهم أقرّوا بما قال أمير المؤمنين ، وصدّقوه في ما قال ، وهذا الاحتجاج في الشورى مروي أيضاً من طرق السنّة أنفسهم 11 .
وأيضاً هناك في رواياتنا 12 أنّ المأمون العباسي سأل الإمام الرضا (عليه السلام)قال : هل لك من دليل من القرآن الكريم على إمامة علي ، أو أفضليّة علي ؟ السائل هو المأمون والمجيب هو الإمام الرضا (عليه السلام) .
المأمون كما يذكرون في ترجمته كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي وغيره 13 أنّه كان من فضلاء الخلفاء ، أو من علماء بني العباس من الخلفاء ، طلب المأمون من الامام أن يقيم له دليلاً من القرآن ، كأنّ السنّة قد يكون فيها بحث ، بحث في السند أو غير ذلك ، لكن لا بحث سندي فيما يتعلّق بالقرآن الكريم ، وبآيات القرآن المجيد .
فذكر له الإمام (عليه السلام) آية المباهلة ، واستدلّ بكلمة : (وأنفسنا) .
لانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أُمر أنْ يخرج معه نساءه ، فأخرج فاطمة فقط ، وأبناءه فأخرج الحسن والحسين فقط ، وأُمر بأن يخرج معه نفسه ، ولم يخرج إلاّ علي ، وعلي نفس رسول الله بحسب الروايات الواردة بتفسير الآية ، كما أشرنا إلى مصادر تلك الروايات ، ولم يخرج رسول الله إلاّ عليّاً ، فكان علي نفس رسول الله ، إلاّ أن كون علي نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن ، فيكون المعنى المجازي هو المراد ، وأقرب المجازات إلى الحقيقة يؤخذ في مثل هذه الموارد كما تقرّر في كتبنا العلمية ، فأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي في مثل هذا المورد هو أن يكون علي مساوياً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلاّ أنّ المساواة مع رسول الله في جميع الجهات وفي جميع النواحي حتّى النبوّة ؟ لا .
فتخرج النبوّة بالإجماع على أنّه لا نبي بعد رسول الله ، وتبقى بقيّة مزايا رسول الله ، وخصوصيات رسول الله ، وكمالات رسول الله ، موجودةً في علي بمقتضى هذه الآية المباركة .
من خصوصيّات رسول الله : العصمة ، فآية المباهلة تدلّ على عصمة علي بن أبي طالب قطعاً .
من خصوصيّات رسول الله : أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فعلي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كرسول الله قطعاً .
من خصوصيّات رسول الله : أنّه أفضل جميع الخلائق ، أفضل البشر والبشريّة ، منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى العالم وخلق الخلائق كلّها ، فكان أشرفهم رسول الله محمّد بن عبدالله ، وعلي كذلك .
وسنبحث إن شاء الله في ليلة من الليالي عن مسألة تفضيل الائمّة على الأنبياء ، وسترون أنّ هذه الآية المباركة ـ وهناك أدلّة أُخرى أيضاً ـ تدلُّ على أنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء سوى نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فحينئذ حصل عندنا تفسير الآية المباركة على ضوء الأحاديث المعتبرة ، حصل عندنا صغرى الحكم العقلي بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، بحكم هذه الأحاديث المعتبرة .
وناهيك بقضيّة الاولويّة ، رسول الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وعلي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .
وفي جميع بحوثنا هذه ، وإلى آخر ليلة ، سترون أنّ الأحاديث كلّها وإنْ اختلفت ألفاظها ، اختلفت أسانيدها ، اختلفت مداليلها ، لكنّ كلّها تصبّ في مصب واحد ، وهو أولويّة علي ، وهو إمامة علي ، وهو خلافة علي بعد رسول الله بلا فصل .
لابدّ وأنّكم تتذكّرون حديث الغدير : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا بلى ، قال : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه» .
نفس المعنى الذي قاله في حديث الغدير ، هو نفس المفهوم الذي تجدونه في آية المباهلة ، وبالنظر إلى ما ذكرنا من المقدّمات والممهّدات ، التي كلّ واحد منها أمر قطعي أساسي ، لا يمكن الخدشة في شيء ممّا ذكرت .

مع ابن تيمية في آية المباهلة

ولو أنّ مدّعياً يدّعي أو متعصّباً أو جاهلاً يقول كما قال ابن تيميّة في منهاج السنّة 14 بأنّ رسول الله إنّما أخرج هؤلاء معه ، ولم يخرج غيرهم ، يعترف بعدم خروج أحد مع رسول الله غير هؤلاء ، يعترف ابن تيميّة ، واعتراف ابن تيميّة في هذه الايام وفي أوساطنا العلميّة وفي مباحثنا العلميّة له أثر كبير ، لانّ كثيراً من الخصوم يرون ابن تيميّة «شيخ الإسلام» ، إلاّ أنّ بعض كبارهم قال : من قال بأنّ ابن تيميّة شيخ الإسلام فهو كافر !!
المهم ، فابن تيميّة أيضاً يعترف بعدم خروج أحد مع رسول الله في قضية المباهلة غير هؤلاء الأربعة ، يعترف بهذا ، وراجعوا كتابه منهاج السنّة ، موجود ، إلاّ أنّه يقول بأنّ عادة العرب في المباهلة أنّهم كانوا يخرجون أقرب الناس إليهم ، كانوا يخرجون معهم إلى المباهلة من يكون أقرب الناس إليهم ، كانت عادتهم أن يخرجوا الأقرب نسباً وإنْ لم يكن ذا فضيلة ، وإن لم يكن ذا تقوى ، وإنْ لم يكن ذا منزلة خاصة أو مرتبة عند الله سبحانه وتعالى ، يقول هكذا .
لكنّه يعترض على نفسه ويقول : إنْ كان كذلك ، فلم لم يخرج العباس عمّه معه ؟ والعباس في كلمات بعضهم ـ ولربّما نتعرّض إلى بعض تلك الكلمات في حديث الغدير ـ أقرب إلى رسول الله من علي ، فحينئذ لِمَ لمْ يخرج معه ؟
يقول في الجواب : صحيحٌ ، لكنْ لم يكن للعباس تلك الصلاحية والقابليّة واللياقة لان يحضر مثل هذه القضية ، هذا بتعبيري أنا ، لكن راجعوا نصّ عبارته هذا النقل كان بالمعنى ، يقول بأنّ العباس لم يكن في تلك المرتبة لان يحضر مثل هذه القضيّة ، يقول ابن تيميّة فلذا يكون لعلي في هذه القضية نوع فضيلة .
بهذا المقدار يعترف ، ونغتنم من مثل ابن تيميّة أن يعترف بفضيلة لعلي في هذه القضيّة .
ولو أنّك راجعت الفضل ابن روزبهان الخنجي ، ذلك الذي ردّ كتاب العلاّمة الحلّي رحمه الله بكتاب أسماه إبطال الباطل ، لرأيته في هذا الموضع أيضاً يعترف بثبوت فضيلة لعلي لا يشاركها فيها أحد 15 .
نعم ، يقول ابن تيميّة : لم تكن الفضيلة هذه لعلي فقط ، وإنّما كانت لفاطمة والحسنين أيضاً ، إذن ، لم تختصّ هذه الفضيلة بعلي .
وهذا كلام مضحك جدّاً ، وهل الحسنان وفاطمة يدّعون التقدم على علي ؟ وهل كان البحث في تفضيل علي على فاطمة والحسنين ، أو كان البحث في تفضيل علي على أبي بكر ؟ أو كان البحث في قبح تقدم المفضول على الفاضل بحكم العقل ؟
والعجب أنّ ابن تيميّة يعترف في أكثر من موضع من كتابه منهاج السنّة بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، يعترف بهذا المعنى ويلتزم ، ولذلك يناقش في فضائل أمير المؤمنين لئلاّ تثبت أفضليّته من الغير .
ثمّ مضافاً إلى كلّ هذا ، ترون في قضيّة المباهلة أنّ رسول الله يقول لعلي وفاطمة والحسنين : «إذا أنا دعوت فأمّنوا» 16 ، أي فقولوا آمين ، وأيّ تأثير لقول هؤلاء آمين ، أن يقولوا لله سبحانه وتعالى بعد دعاء رسول الله على النصارى أن يقولوا آمين ، أيّ تأثير لقول هؤلاء ؟ ألم يكف دعاء رسول الله على النصارى حتّى يقول
رسول الله لفاطمة والحسنين وهما صغيران أن يقول لهم قولوا آمين ؟

خاتمة المطاف

إذن ، كان لعلي ولفاطمة وللحسنين سهم في تقدّم الإسلام ، كان علي شريكاً لرسول الله في رسالته .
وهذا معنى ﴿ ... فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ... 17 ، فهارون كان ردءاً يصدّق موسى في رسالته ، وهارون كان شريكاً لموسى في رسالته .
وهذا معنى : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي» ، وقد قلت من قبل : إنّ الأحاديث هذه كلّها تصب في مصبّ واحد ، ترى بعضها يصدّق بعضاً ، ترى الآية تصدّق الحديث ، وترى الحديث يصدّق القرآن الكريم ، وهكذا الأمر فيما يتعلّق بأهل البيت :
رسول الله يجمع أهله تحت الكساء فتنزل الآية المباركة آية التطهير ، وفي يوم الغدير ينصب عليّاً ويعلن عن إمامته في ذلك الملا فتنزل الآية المباركة : ﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... 18 .
وأي ارتباط هذا بين أفعال رسول الله والآيات القرآنيّة النازلة في تلك المواقف ، ترون الارتباط الوثيق ، يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ ... فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ... 19 ويخرج رسول الله بعلي وفاطمة والحسن والحسين فقط ، وهذا هو الارتباط بين الوحي وبين أفعال رسول الله وأقواله .
إذن ، فالآية المباركة غاية ما دلّت عليه هو الأمر بالمباهلة ، وقد عرفنا معنى المباهلة ، لكن الحديث دلّ على خروج علي وفاطمة والحسن والحسين مع رسول الله .
الآية المباركة ليس فيها إلاّ كلمة : (وأنفسكم) لكن الحديث فسّر تفسيراً عملياً هذه الكلمة من الآية المباركة ، وأصبح علي نفس رسول الله ، ليس نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي ، فكان كرسول الله ، كنفس رسول الله ، فكان مساوياً لرسول الله ، ولهذا أيضاً شواهد أُخرى ، شواهد أُخرى من الحديث في مواضع كثيرة .
يقول رسول الله مهدّداً إحدى القبائل : «لتنتهنّ أو لأرسل إليكم رجلاً كنفسي» ، وكذا ترون في قضيّة إبلاغ سورة البراءة ، إنّه بعد عودة أبي بكر يقول : بأنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إليه بأنّه لا يبلّغ السورة إلاّ هو أو رجل منه ، ويقول في قضيّة : «علي منّي وأنا من علي وهو وليّكم من بعدي» ، وهو حديث آخر ، وهكذا أحاديث أُخرى يصدّق بعضها بعضاً .
إلى هنا ينتهي البحث عن دلالة آية المباهلة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وإنْ شئتم المزيد فهناك كتب أصحابنا من الشافي للسيد المرتضى ، وتلخيص الشافي ، وكتاب الصراط المستقيم للبيّاضي ، وكتب العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه ، وأيضاً كتب أُخرى مؤلّفة في هذا الموضوع .
ولي ـ والحمد لله ـ رسالة في هذا الموضوع أيضاً ، وتلك الرسالة مطبوعة ، ومن شاء التفصيل فليراجع .
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين 20 .

  • 1. الفصل في الأهواء و الملل و النحل 4 / 159 .
  • 2. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 61 ، الصفحة : 57 .
  • 3. المفردات في غريب القرآن : «بهل» .
  • 4. تاج العروس : «بهل» .
  • 5. نهج البلاغة : 51 ، الخطبة رقم 17 .
  • 6. راجع : الكشاف 1 / 369 ، تفسير الخازن 1 / 242 ، السراج المنير في تفسير القرآن 1 / 222 ، تفسير المراغي 13 / 175 ، وغيرها .
  • 7. راجع : صحيح مسلم 7 / 120 ، مسند أحمد 1 / 185 ، صحيح الترمذي 5 / 596 ، خصائص أمير المؤمنين : 48 ـ 49 ، المستدرك على الصحيحين 3 / 150 ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 / 60 ، المرقاة في شرح المشكاة 5 / 589 ، أحكام القرآن للجصاص 2 / 16 ، تفسير الطبري 3 / 212 ، تفسير ابن كثير 1/319 ، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 38 ، الكامل في التاريخ 2 / 293 ، أسد الغابة في معرفة الصحابة 4 / 26 ، وغيرها من كتب التفسير والحديث والتاريخ .
  • 8. إنسان العيون 3 / 236 .
  • 9. تاريخ المدينة المنورة 1 / 581 .
  • 10. ترجمة عثمان من تاريخ دمشق : 168 .
  • 11. ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق 3 / 90 الحديث 1131 .
  • 12. الفصول المختارة من العيون والمحاسن : 38 .
  • 13. تاريخ الخلفاء : 306 .
  • 14. منهاج السنة 7 / 122 ـ 130 .
  • 15. أنظر : إحقاق الحق 3 / 62 .
  • 16. الكشاف 1 / 368 ، الخازن 1 / 243 ، وغيرهما .
  • 17. القران الكريم : سورة القصص ( 28 ) ، الآية : 34 ، الصفحة : 389 .
  • 18. القران الكريم : سورة المائدة ( 5 ) ، الآية : 3 ، الصفحة : 107 .
  • 19. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 61 ، الصفحة : 57 .
  • 20. كتاب : آية المباهلة من سلسلة الندوات الإعتقادية للسيد علي الحسيني الميلاني .