الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الإحباط و التكفير

نص الشبهة: 

أرجو منكم أن تتفضلوا عليّ وتشرحوا لي باختصار معنى «الإحباط والتكفير» مع تبيين رأي علمائنا الأبرار في ذلك ورأي الأشاعرة والمعتزلة بأسلوب سهل وبسيط لأنني قرأت حول هذا الموضوع لكنه بقي غامضاً عندي ولعل ذلك لدقة هذا المطلب الكلامي.

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد ..
فقد قال تعالى: ﴿ ... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... 1.
وقال تعالى: ﴿ ... حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... 2 3.
وقد عرَّفوا الإحباط بأنه خروج فاعل الطاعة عن استحقاق المدح والثواب إلى استحقاق الذم والعقاب.
وعرَّفوا التكفير للذنوب، بأنه خروج فاعل المعصية عن استحقاق الذم والعقاب إلى استحقاق المدح والثواب.
غير أننا نقول: إن هذه التعريفات غير وافية بالمراد، إذ إن الإحباط يطلق أيضاً على مجرد سقوط مثوبة فعل الطاعة ..
وإذا استحق عقوبة بعد ذلك ، فإنما يستحقها على فعل آخر غير فعل الطاعة الذي سقطت مثوبته وذهبت ..
كما أن المراد بالتكفير هو إسقاط ما تقتضيه السيئة من عقوبة، وستره، وإن لم يستحق مثوبة جديدة، ولا يمكن أن يستحق المثوبة على فعل تلك المعصية التي سقطت عقوبتها .. بل هو إن استحق مثوبة، فإنما يستحقها على فعل آخر.
ومع غض النظر عن هذا وذاك نقول:
إن الارتداد عن الدين يوجب الحبط، ويمحو الحسنات، ويجلب للكافر سيئات كفره لو مات على تلك الحالة. أما لو عاد إلى الإيمان فإن تلك الحسنات تبقى تحسب له، ولا يجب عليه إعادة عباداته التي كان قد فعلها أيام إيمانه.
وقد روى الشيخ في التهذيب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:
«من كان مؤمناً وعمل في إيمانه، ثم أصابته فتنة، فكفر، ثم تاب وآمن.
قال: يحسب له كل عمل صالح في إيمانه، ولا يبطل منه شيء».
قال تعالى: ﴿ ... وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... 2.
ومن موجبات الحبط؛ التكذيب بالآيات، ولقاء الآخرة أيضاً .. قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ... 4 .
ومن موجباته الجهر بالقول للرسول صلى الله عليه وآله، قال تعالى : ﴿ ... وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 5.
والكفر ، والصد عن سبيل، والمشاقة للرسول، ومعصية الرسول من موجبات ذلك أيضاً، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ 6 .
وأما التكفير فإن أجلى مصاديقه هو الإيمان اللاحق للكفر، والتوبة اللاحقة للمعصية ..
وأما القول بأن كل لاحق من الطاعات يسقط السيئات السابقة ، أو كل لاحق من المعاصي يحبط ما سبقه من حسنات ، فهو غير صحيح على إطلاقه .
بل الصحيح هو أن مثوبة بعض الحسنات قد تكون هي إسقاط عقوبة السيئة أو السيئات السابقة ، كالإيمان الذي يوجب سقوط العقوبة عما اقترفه في حال كفره من شرب خمر، وأكل ميتة، وكذب، وترك صلاة وصوم و .. و .. الخ ..
وكالتوبة عن ذنب بعينه ، فإنها تزيل أثر ذلك الذنب ، كما أن التوبة النصوح عن جميع الذنوب . . حسنة تزيل آثار السيئات السابقة إذا جاءت على وجهها الصحيح ..
ومن جهة أخرى ، فإن عقاب بعض المعاصي قد يكون إسقاط ثواب سابق ، وقد تكون عقوبةً من نوع آخر . .
قال تعالى : ﴿ ... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... 1، وقال : ﴿ ... عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ... 7 والآيات في ذلك كثيرة.
وقد قال جمهور المعتزلة : إن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات.
وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم: من زادت معاصيه على طاعاته أحبطت معاصيه تلك الطاعات وبالعكس.
وقال المرجئة: لا عقاب على زلة مع الإيمان، لأن الأيمان يحبطها. كما لا ثواب لطاعة مع الكفر.
والأشاعرة قالوا: لا يستحق العبد مثوبة على الطاعات، فإن أثابه فبفضله، وإن عاقبه فبعدله .. بل قالوا: إن له إثابة العاصي ، ومعاقبة المطيع.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله 8 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا