الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

نظرية: خلافة الانسان و شهادة الانبياء

نص الشبهة: 

ويقول الشهيد السعيد، السيد محمد باقر الصدر، قدس الله نفسه الزكية، ما ملخصه: إن الله عز وجل قد جعل الخلافة لآدم «عليه السلام»، لا بما أنه آدم، بل بما أنه ممثل لكل البشرية، فخلافة الله في الحقيقة هي للأمة وللبشر أنفسهم، فقد قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . كما أن المراد بالأمانة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا هذه الخلافة بالذات، وهي التي تعني الإدارة والحكم في الكون. واستشهد على ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... . وبقوله تعالى: ﴿ ... إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ... . وبقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ... . ورتب على ذلك: أنه بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله»، وفقد الإمام، وتحرر الأمة من الطاغوت، تمارس الأمة دورها في الخلافة الزمنية، ويكون دور المجتهد المرجع هو الشهادة والرقابة على الأمة. وقال ما ملخصه: إن الله هو رب الأرض وخيراتها، ورب الإنسان والحيوان، فالإنسان مستخلف على كل ذلك. ومن هنا كانت الخلافة في القرآن أساساً للحكم. وقد فرع الله الحكم بين الناس على جعل داود خليفة. ولما كانت الجماعة البشرية هي التي منحت ـ ممثلة بآدم ـ هذه الخلافة، فهي إذاً المكلفة برعاية الكون، وتدبير أمر الإنسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية. وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة، وهو أن الله تعالى قد أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون وإعماره، اجتماعياً وطبيعياً. وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله. وفي عملية إعداد وتربية الأمة يتولى النبي والإمام مسؤولية الرقابة والشهادة على الأمة، ومسؤولية الخلافة؛ ليهيئ الأمة لتحمل مسؤولياتها في الوقت المناسب. وبعد أن فقد الإمام «عليه السلام»، بسبب ظروف معينة عرضت لها الأمة؛ فإن المرجع ـ غير المعصوم ـ لا بد أن يتولى أمر الخلافة والشهادة ما دامت الأمة محكومة للطاغوت، ومقصاة عن حقها في الخلافة العامة. «وأما إذا حررت الأمة نفسها، فخط الخلافة ينتقل إليها؛ فهي التي تمارس الخلافة السياسية والاجتماعية في الأمة، بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني. وتمارس الأمة دورها في الخلافة في الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين:

﴿ ... وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ... ، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... . فإن النص الأول: يعطي للأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك. والنص الثاني: يتحدث عن الولاية، وأن كل مؤمن ولي الآخرين. ويريد بالولاية تولي أموره، بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه. والنص ظاهر في سريان الولايـة بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك: الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف. وهكذا، وزع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطين بين المرجع والأمة، وبين الاجتهاد الشرعي والخلافة الزمنية» هذا محصل ما جاء في كتاب: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء للشهيد الصدر، والفقرات الأخيرة هي في ص53 و 54. إلى آخر كلامه قدس الله نفسه الزكية.

الجواب: 

مناقشة ما تقدم:
ونحن نسجل هنا النقاط التالية:
أولاً: إن الآية القرآنية التي استدل بها رحمه الله تقول: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ 1.
فإذا كان تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليلاً على أن المراد بالولاية هو تولي أمور بعضهم البعض ، كما ذكره قدس الله نفسه الزكية، فما هو وجه تفريع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على ذلك ؟!.<--break->
ولم لا يُفهم من الآية: أنها ـ فقط ـ في مقام إعطاء حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤمنين جميعاً؛ فهي تجعل لهم الولاية بهذا المقدار، لا أكثر؟!.
بل لم لا يُفهم منها: أنها في مقام إعطائهم حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بسبب محبة بعضهم بعضاً، أو بسبب كون بعضهم تابعاً لبعض، ومطيعاً له، أو بسبب نصرته له، ونحو ذلك.
فقد وردت للولي معان كثيرة، ومنها: المحب، والصديق، والنصير، والولي: فعيل، بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ... 2.
بل إن من يلاحظ آيات إعطاء الولاية للمؤمنين وسواها من الآيات، يخرج بحقيقة: أن الله سبحانه يريد للناس المؤمنين أن يكونوا أمة واحدة، وبمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.
وكل هذه الأعضاء للجسد الواحد إنما تحافظ على ذلك الواحد بكل ما تقدر عليه، وذلك بالدفاع عنه؛ وبالنصيحة لجماعة ولأئمة المسلمين.
فالله ولي الذين آمنوا بالتشريع، وحفظ المصالح والحكم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وللنبي «صلى الله عليه وآله» وللإمام «عليه السلام» الولاية أيضاً بجعل من الله، بهدف تدبير أمورهم وقيادتهم.
والمؤمنون المرؤوسون للنبي «صلى الله عليه وآله» وللإمام «عليه السلام» بعضهم أولياء بعض في النصيحة وحفظ الغيب، والاهتمام بأمور بعضهم بعضاً، والنصرة، والمعونة، فليس معنى الولاية هو الحكومة لكل واحد منهم على الآخر أو على المجتمع، بل ولي المجتمع والحاكم فيه هو الله سبحانه.
وكخلاصة لما تقدم نقول:
إن كل هذه المعاني محتملة في الآية المشار إليها ـ إن لم يكن من بينها (وهو الأخير) ما هو الأظهر ـ وليس فيها ما يوجب تعين كون الولي فيها بمعنى الحاكم، والمتولي للأمر.
ثانياً: لو كانت هذه الآية تعطي حقاً للمؤمنين في أن يحكم بعضهم بعضاً؛ فاللازم أن تعطي الآيات الأخرى هذا الحق بالذات للكفار، وتصير حكومتهم على بعضهم البعض شرعية!!
فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ 3.
فبقرينة المقابلة في الآية هنا بين ولاية المؤمنين التي نشأت عنها مسؤوليات النصر وغير ذلك من أمور، تدل على أن المراد بالولاية تولي الأمور، وبين الآية الدالة على ولاية الكفار بعضهم لبعض، تكون النتيجة هي: جعل الحاكمية للكفار أيضاً بالنسبة لبعضهم فيما بينهم، لو كان المراد بالولاية هو تولي الأمور كما يريد المستدل أن يقول.
ويؤيد ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... 4.
وقوله تعالى: ﴿ ... إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ 5.
وقوله تعالى: ﴿ ... وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 6. إلى غير ذلك من الآيات التي بهذا المضمون.
حيث إن المقصود هو النهي عن إطاعة الشياطين، وعن الانصياع لأوامر اليهود والنصارى.
بل إن الآية الأخيرة تنفي الولاية عن المؤمنين، وتخصها بالله تعالى مع أنها إنما تتحدث عن طبيعة الأمور في الواقع الخارجي والعملي من حيث إن الظالم يهتم بشؤون الظالم، ولا تريد أن تعطي شرعية لولاية الكافر على الكافر..
كما أنها تريد أن تسلب شرعية ولاية كافر على مؤمن. فلو كان المراد بالولاية الحكم، لكانت ولاية الكفار شرعية كما قلنا.
وهذا مما لا يمكن القول به ولا المساعدة عليه، فلا بد من القول بأن الولاية التي يترتب عليها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليست بهذا المعنى، بل هي بمعنى النصيحة، وحفظ الغيب، وأنها ولاية بهذا المقدار لا أكثر.
والقول: بأن هذه الآيات ونظائرها ناظرة إلى أن من طبيعة الكفار أن يتولى بعضهم بعضاً، وليس في مقام جعل ولاية شرعية لهم.
يقابله القول: بإنه لم لا تكون الآيات التي تتعرض للولاية بين المؤمنين ناظرة إلى نفس هذا المعنى أيضاً؟!.
وإذا كانت آيات ولاية الكفار يراد منها الولاية بمعنى النصرة، والمحبة، ونحو ذلك، فلتكن تلك الآيات لها نفس هذا المعنى أيضاً، فإنها كلها لها سياق واحد، وتريد أن تنفي وتثبت أمراً واحداً.
ثالثاً: لو سلمنا أن معنى الآية هو: أن كل مؤمن ولي للآخرين.
وسلمنا أن المراد بالولاية: ليس هو حفظ مصالح الأمة الإسلامية بالنصيحة، والمعونة، وحفظ الغيب، وغير ذلك، مع أن ذلك هو الظاهر، وقبلنا بأن المراد بالولاية ولاية الحكومة، فحينئذٍ لنا أن نسأل: هل يعني ذلك: أن الآية تجعل كل مؤمن حاكماً على الآخرين، ومحكوماً لهم في آن واحد؟
أم أن الآية تريد فقط: أن تعطي للبعض الحق في أن يحكم ويتسلط على البعض الآخر؟!. من دون أن يكون للمحكوم حق في ذلك. وبماذا ترجح هذا على ذاك، دون العكس يا ترى؟!.
ولو سلمنا: أن الظاهر هو الثاني، فما هي شرائط هذه الحكومة؟ وما هي ظروفها؟ وما الذي يجب توفره في هذا الحاكم؟!: العلم؟ الاجتهاد؟ العدالة؟ الخ..
ومن الذي يعين هذا الحاكم، ومن يختاره؟ هل هو المعصوم؟ أم غيره؟.
فإن كل ذلك محتمل، ويحتاج الالتزام به إلى دليل غير هذه الآية المباركة.
رابعاً: بالنسبة لآيات الاستخلاف في الأرض والشهادة على الناس نشير إلى:
1 ـ إنه ليس في آية سورة الأحزاب: أن المراد بالأمانة: الخلافة.
وقد قيل: إنها التكاليف.
وقيل: هي العقل.
وقيل: هي الولاية الإلهية.
وقيل: هي معرفة الله. إلى غير ذلك من الأقوال 7.
والجزم بأن المراد هو الخلافة، ثم ترتيب أحكام واستنتاجات معينة على ذلك، ليس بأولى من الجزم بغيره، فلا بد من ترجيح أحد هذه الوجوه بالقرائن. وليس ثمة ما يوجب الالتزام بخصوص هذا المعنى دون سواه مما ذكر.
بل إن في الآية التي تلي تلك الآية ما يؤيد أن المراد بالآية أمر اعتقادي، أو نحو ذلك، وليس الخلافة، فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 8.
2 ـ بالنسبة لآية استخلاف آدم، نقول: إنه ليس فيها ما يشير إلى أن المراد هو استخلاف النوع البشري، إلا قول الملائكة:﴿ ... أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ... 9؟!.
وهذا لا يدل على أكثر من أن الملائكة قد فهموا: أن هذا المخلوق الجديد (الخليفة) له طبيعة فيها مقتضيات الشر، وتقتضي ما ذكروه، ولا تدل على أن الخلافة قد منحت لكل من له هذه الطبيعة.
3 ـ بل إن هناك من يرى: أن الآية ناظرة إلى ولاية المعصومين، فإن الملائكة قد رأوا: أن من يسفك الدماء ويفسد ليس أهلاً للخلافة كما أن الله قد قرر هذه الخلافة لآدم النبي المعصوم الذي علمه الله الأسماء كلها.
4 ـ ثم، ما المراد بهذا الاستخلاف؟ هل هو الحكم والإمارة؟ أم هو التسليط على الكون وما فيه في حدود قدراته، وإعطاؤه حق التصرف في ما خلقه الله، على قاعدة قوله تعالى: ﴿ ... هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ... 10ولذلك هو يطلب منهم شكر هذه النعمة، والإيمان بالله تعالى؟
الظاهر هو الثاني:
ويؤيد ذلك: أن من يطالع آيات الاستخلاف يجد: أن أكثرها ناظر إلى البشر جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، ثم هي تهدد الكافرين، وتتوعدهم.
ومما يؤيد أن يكون المراد بالخلافة في أكثر الآيات، هو إعمار الكون: أنه إذا كان البشر خلفاء؛ فهم خلفاء على أي شيء؟!
إنهم خلفاء ووكلاء على غير أنفسهم؛ إذ لا يعقل أن يكون الشيء خليفة على نفسه.
فالبشرية لها خلافة على غيرها مما في الكون. وهذا يؤيد أن يكون معنى الخلافة ليس هو الإمارة.
5 ـ وفي مقابل ذلك نجد: أنه تعالى لم يستخلف المؤمنين فعلا، وإنما وعدهم بالاستخلاف حيث قال: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... 11.
فالجمع بين هذه الآية، والآيات الأخرى، يحتم علينا أن نقول: إن المراد بآيات (خلائف) ونحوها، هو النيابة في إعمار الكون، والتمكين من التصرف في الطبيعة.
والمراد من هذه الآية الأخيرة هو الحكم والسلطان، فهذه الآية أدل دليل على أن الخلافة بمعنى الحكم والسلطان لم تمنح للبشر عامة، وإنما وعد الله المؤمنين بها في الوقت المناسب.
والظاهر: أن ذلك سيكون في زمن ظهور المهدي عليه الصلاة والسلام.
6 ـ إن آية استخلاف داود، وتفريع الحكم بين الناس بالحق على هذه الخلافة، التي لا بد أن يكون معناها الحكم والسلطان، لا تدل على جعل الخلافة لكل البشر؛ فلعل كونه نبياً لم يتلبس بشيء من الظلم أبداً ـ كما قال تعالى: ﴿ ... لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 12ـ له مدخلية في استحقاق هذا المنصب الخطير؛ لأن نيله درجة النبوة، إنما هو لأجل أنه يحمل خصائص معينة ـ كالعصمة ونحوها ـ أهلته لذلك الأمر الخطير الذي يتفرع عليه الحكم بالحق.
7 ـ إننا نلاحظ: أنه ليس في جميع الآيات التي استعملت لفظ: (خليفة)، ومشتقاته ما يدل على أن هذا المستخلف هو خليفة لله لا لغيره.
بل ذكرت الآيات: أن الله تعالى قد جعل خلفاء، ولم تبين: أنهم خلفاء لمن.
فلعل المراد: أن آدم «عليه السلام» قد جاء لإعمار الأرض، وقد خلف من كان عليها من المخلوقات قبله «عليه السلام». وعلى هذا فلا مجال للاستدلال بتلك الآيات على ما أراده رحمه الله.
ملاحظة:
إن الاستخلاف في الأرض، ليس معناه جعل جميع المناصب الإلهية لهذا المستخلف. وليس في هذا اللفظ ما يفيد عموم المنزلة؛ بل هو ينصرف إلى نوع معين من الأمور.
فمثلاً لو قيل: فلان استخلف فلاناً على أهله؛ أو على الناس فإنه ينصرف إلى الاستخلاف في أمور معينة يمكن الاستخلاف فيها.
ولا يمكن أن يعني ذلك ثبوت كل حق كان لذاك لهذا، فإن الاستخلاف حكم يجري في كل مورد قابل لذلك، أو في الموارد التي ينصرف إليها الكلام بحسب خصوصيات المورد، وبحسب حالات الخطاب.
ولا يمكن أن يتمسك بإطلاق الاستخلاف لإثبات قابلية ما يشك في قابليته.
خامساً: إن قوله تعالى: ﴿ ... وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ... 13، يدل على أن الأمور الراجعة لهم هي التي يمكن أن يمارسوا فيها حق الشورى؛ فلا بد أولاً من إثبات:
أن مسألة الحكم، والتصرف في أمور الغير حق لهم، ليمكنهم أن يفصلوا فيها عن طريق مبدأ الشورى، ولا يمكن للحكم أن يثبت موضوعه ويوجده، كما أشرنا إليه آنفاً.
بل إن لدينا ما يدل على أن الحكومة ليست حقاً للناس، ولا يرجع البت فيها إليهم. وهو ما تقدم حين الكلام عن عرض النبي «صلى الله عليه وآله» دعوته على القبائل، حيث قال لبني عامر: الأمر لله يضعه حيث يشاء.
وسيأتي في غزوة بئر معونة: أنه «صلى الله عليه وآله» قد قال ذلك لعامر بن الطفيل أيضاً.
ثم هناك مقبولة ـ بل صحيحة ـ عمر بن حنظلة التي تقول: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً» 14.
وكذا قوله: العلماء حكام على الناس، وروايات كثيرة أخرى. ولم يعين في الروايات: أن يكون ذلك في زمن الطاغوت، أو في ما بعد الإطاحة به، ولا صورة رقي الأمة إيمانياً وفكرياً، ولا عدمها.
وسادساً: إن هذه الشورى لا يفهم منها إلا مبدأ كلي مجمل. ولا تدل على أنه لو خالف بعض الأمة فيما يراد إجراء مبدأ الشورى فيه: فهل ينفذ حكم الأكثرية على تلك الأقلية؟ أم لا بد من إرضاء الجميع في أي تصرف، وأية قضية؟ وأنه لو تساوت الآراء فماذا يكون مصير الشورى؟ إلى غير ذلك مما يرتبط بشرائط الشورى وحدودها، ومواردها.
وأخيراً: فلو أنه رحمه الله استدل على ولاية الفقيه بقول أمير المؤمنين «عليه السلام»: «إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه». وبصحيحة عمر بن حنظلة المشار إليها آنفاً لكان أولى.
فإنها تقرر: أن الحكم حق للفقيه الجامع للشرائط فقط، ولا يحق لغيره أن يتصدى له، حيث قال «عليه السلام»: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» 15.